يحرص الإسلام على نشر قيمة الجمال في المجتمع، ويحث الإنسان على الاستمتاع بالحياة والتجمل بأحسن الثياب، فالملابس الرثة ليست دليل تقوى وورع وزهد في الدنيا كما يفهم البعض، والاستمتاع بما في الكون من جمال يهيئ الإنسان لمزيد من العمل والإنتاج.. ولذلك ليس صحيحاً ما يعتقده بعض المتدينين من أن الأناقة والتجمل من مظاهر التفاخر والتباهي التي حذر منها الإسلام.
من هنا ترفض شريعتنا وتدين سلوك هؤلاء الذين يهملون قيم النظافة والأناقة والجمال في ملابسهم وحياتهم الشخصية.. فهؤلاء بعيدون عن تعاليم وتوجيهات ديننا العظيم، والمؤمن الحق جميل المظهر، كما هو جميل المخبر، وتعاليم الإسلام تحث المسلم على أن يرتدي أنظف الثياب وأكثرها جمالاً وجاذبية.. والله سبحانه وتعالى أمرنا في كتابه العزيز أن نتزين بأفضل صور الزينة، وأن نرتدي أفضل ثيابنا عندما نذهب إلى المساجد لنؤدي عبادة الصلاة فقال سبحانه: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد»، ورفض الحق سبحانه سلوك هؤلاء المتنطعين الذين يحرمون الزينة والجمال فقال عز وجل: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق».. ورسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو القدوة والمثل - كان يعنى عناية بالغة بنظافة بدنه وثوبه ومكانه، وكان يهتم بحسن هيئته وطيب رائحته.
لكن.. ماذا يعني انتشار قيمة الجمال في مجتمع ما؟ وما الدلالات النفسية لحرص إنسان ما على جمال شكله وأناقته؟
يقول د. محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب في جامعة الأزهر: لا شك أن انتشار قيمة الجمال في مجتمع ما يعكس الحالة النفسية الجيدة التي يعيشها أفراد هذا المجتمع، ومدى إقبالهم على الحياة، فهناك ارتباط قوي بين اهتمام المجتمع بهذه القيمة العظيمة، وبين حالة أفراده النفسية، وشيوع الجمال مؤشر طيب للإقبال على الحياة، كما هو مؤشر لمدى تعلق أفراد هذا المجتمع بالمستقبل، وكلما شعر الإنسان بمزيد من الأمل والرغبة في الحياة، زاد اهتمامه بنفسه وحرصه على اختيار ملابسه، وجمال بيته، ومكتبه، وسيارته.

الزهد السلبي

ويوضح أستاذ الطب النفسي عدم وجود ارتباط بين شيوع قيمة الجمال في مجتمع ما وحالته الاقتصادية، فالحرص على الجمال تربية وليس مالاً، وبعض الناس يمتلكون الأموال الكثيرة ولكنهم يبدون أمام الآخرين زاهدين في الدنيا، والزهد بمعناه السلبي يضر المجتمع ويهدر قيمة الأمل بين أفراده، فترى بعضهم يتواكل ويهمل في أداء واجباته، ولا يهتم بتحسين أحواله أو تنمية مدخراته، أو تحصيل المزيد من العلم والخبرة لأنه إنسان متواكل لا يتعلق كثيراً بالمستقبل.
ويربط د. المهدي بين السلوك العنيف وبين قيمة الأمل، فالعنف السلوكي يكشف عن شخصية مكتئبة غير مستقرة نفسياً، حتى ولو بدا من صاحبها غير ذلك، أما الشخصية المتزنة المتفائلة فتراها دائماً متسامحة تتحلى بالرفق في التعامل مع الآخرين، وكل هذه السلوكيات تدعمها القيم الأخلاقية المستمدة من تعاليم الأديان.
من هنا يؤكد أستاذ الطب النفسي ضرورة تربية أولادنا منذ الصغر على الاهتمام بأنفسهم، والحرص على اختيار ملابسهم بعناية، والظهور بمظهر طيب أمام أقرانهم، وليس في ذلك تربية على التكبر والتعالي على الآخرين كما يفهم البعض، فالتكبر والتعالي على الناس شيء، والحرص على ارتداء ملابس أنيقة والظهور بمظهر حسن شيء آخر.

جميل المظهر والمخبر

العالم الأزهري د. علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ومفتي مصر السابق يؤكد حرص الإسلام الشديد على جمال الإنسان مظهراً ومخبراً، ويرى أن المسلم الفاهم جيداً لتعاليم دينه تراه جميلاً، مهذب السلوك، راقي التعامل، أنيقاً في ملابسه حتى ولو كان بسيط الحال. ويضيف: لا شك في أن الإسلام يشيع قيمة الجمال في المجتمع ويرفض سلوك هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالخير الوفير ولكنهم يهملون مظهرهم ويكتفون بأبسط الثياب، فإهمال المظهر والهيئة الحسنة ليس دليل زهد في الدنيا بقدر ما هو علامة إهمال وعدم اكتراث من الإنسان.. والاهتمام بالملبس والإنفاق عليه من دون إسراف من باب الاستمتاع بنعم الله ولا حرمة في ذلك.
لذلك يؤكد عضو هيئة كبار العلماء ضرورة أن يستمتع المسلم بما أنعم الله به عليه من نعم وخيرات، ويقول: كما حثنا الإسلام على الاهتمام بنقاء السريرة، حثنا أيضاً على أناقة مظهرنا الخارجي، وكل تعاليم الإسلام تحثنا على أن نرتدي أنظف الثياب وأكثرها جمالاً وجاذبية، فالله سبحانه أمرنا في القرآن الكريم أن نتزين بأفضل صور الزينة، وأن نرتدي أفضل ثيابنا عندما نذهب إلى المساجد لنؤدي عبادة الصلاة. ويضيف: من مظاهر عظمة الإسلام ووسطيته، واعتدال منهجه في الحياة، أنه يحقق للإنسان حاجاته النفسية والبدنية، ويحوله في الوقت نفسه إلى طاقة خلاقة منتجة ومبدعة، ولذلك لا يجوز لمسلم رسم له دينه خريطة مثالية لحياته أن يفرط في حق من حقوقه البدنية والنفسية، أو أن يُغلب جانباً على آخر، بل هو مطالب بالتوازن والاعتدال، فلا ينشغل بواجبات على حساب حقوق، ولا بعبادة من العبادات، ولا بتكليف من التكاليف الدينية على حساب حق نفسه في الاستجمام، أو حق بدنه في الراحة، فالمسلم لا يؤدي عباداته مكرهاً بل يؤديها وهو في كل الرضا والرغبة، كما أنه لا يؤدي عبادته على حساب راحة بدنه، أو حق زوجة تحتاج إلى حقوقها الشرعية.

قيمة الأمل

د. سالم عبد الجليل الوكيل السابق لوزارة الأوقاف المصرية والداعية الأزهري يؤكد هو الآخر أن الإسلام مع كل وسيلة تنشر في المجتمع قيمة الأمل والرغبة في الحياة وتدفع الناس إلى العمل والإنتاج والمساهمة في رقي المجتمع وتقدمه، ويقول: الارتقاء بقيمة الجمال في كل مجالات الحياة مطلب شرعي، فهي قيمة صانعة للحياة الطيبة التي يتطلع لها كل إنسان.. والإسلام يوفر للإنسان فرصة الاستمتاع بالحياة والإحساس ببهجتها، ولذلك يتعامل معه بمنهج وسطي معتدل، ويلبي له كل احتياجاته النفسية والبدنية، ويحقق له أقصى درجات السعادة والاستمتاع بمباهج الحياة، ومن حق المسلم أن يستمتع بكل ما هو حلال ومشروع ومفيد لنفسه وجسده، ليستقر نفسياً ويستفيد بدنياً، وبالتالي يعبد ربه خير العبادة، ويعمل وينتج ويحقق مطالب أسرته، ويسهم في تنمية ورقي مجتمعه، ويعطي لكل من يحيط به أفضل ما يكون العطاء. ويضيف: إن الإسلام دين بهجة وإبداع وجمال، فهو يرسم لوحة جميلة لحياة الإنسان ويحثه على النظافة وتجنب كل مصادر التلوث، كما ينهاه عن كل ما يظهره أمام الآخرين في صورة غير مرغوبة، حتى لو كان من الزاهدين في الحياة غير المهتمين بمباهجها.. ولهذا حرص الإسلام على ترسيخ قيمة النظافة عند المسلمين ورباهم عليها لحماية أبدانهم من الأمراض من جانب، وحماية البيئة التي يعيشون فيها من الأمراض وكل مظاهر القبح والعبث من جانب آخر، وهو ما ينعكس إيجابياً على المجتمع، ويظهر المسلم أمام الآخرين في صورة جذابة ومحببة للنفس.

سلوكيات خاطئة

ويوضح الداعية الأزهري أن اهتمام الإسلام بالنظافة والجمال يرجع لحرصه الشديد على الارتقاء بسلوك الإنسان والإسهام في تحقيق حياة طيبة له.. ولذلك فإن جمال البيئة المحيطة بالإنسان مطلب شرعي لكي يسهم ذلك في توفير بيئة جيدة تنعكس على حياته وتضفي عليها مزيداً من البهجة والجمال.
لهذا يحث د. سالم على تعويد الأبناء منذ الصغر على الاهتمام بأنفسهم وبالبيئة المحيطة بهم، وهذه التربية لا ينبغي أن تقتصر على ما يقوم به البيت وحده، بل ينبغي أن يكون للمدرسة ولوسائل الإعلام دور في ذلك، لأن كثيراً من الأطفال خاصة في المناطق الشعبية يسيئون للبيئة التي يعيشون فيها بكثير من السلوكيات الخاطئة، والتنشئة غير الصحيحة، ومن هنا كان ضرورياً أن نعودهم منذ الصغر على كل ما يجعل النظافة سلوكاً راسخاً في حياتهم، فمن شب على شيء شاب عليه. ويضيف: بعض المتدينين يرون الاهتمام بالثياب من باب التنعم غير المرغوب شرعاً وهذا مفهوم خاطئ للتنعم بنعم الله، والاستمتاع بالطيبات، وهؤلاء الذين يهملون ثيابهم ويظهرون في صورة منفرة من باب الزهد في الدنيا نراهم ينفقون بشراهة على الطعام والشراب وتعدد الزوجات ويركبون أفخم السيارات ويقيمون في أضخم البيوت.. فلماذا زهد هنا وإسراف هناك؟
لذلك يرفض الداعية الأزهري سلوك هؤلاء الناس الذين أنعم الله عليهم بالخير الوفير ويهملون مظهرهم ويكتفون بأبسط الثياب، ويؤكد أن إهمال المظهر والهيئة الحسنة ليس دليل زهد في الدنيا بقدر ما هو علامة إهمال وعدم اكتراث من الإنسان.