لكن الواقع يؤكد أن هذه القيم وتلك الأخلاقيات قد تلاشت في نفوس الكثيرين من شبابنا، حيث تنوعت صور الإسفاف في علاقات الشباب ببعضهم بعضا، وكثرت الشكوى من التجاوزات السلوكية بين الطرفين، وأصبحنا نشاهد في شوارعنا وأسواقنا ونوادينا بل وجامعاتنا ما يحرمه الشرع وتحظره العادات والتقاليد المحافظة التي تربينا عليها.
من هنا تعددت تحذيرات علماء الدين والاجتماع والتربية والأخلاق من التجاوزات السلوكية التي شاعت بين شبابنا، حيث يرون أنها تهدد السلامة الاجتماعية والبنيان الأخلاقي الذي عرفت به المجتمعات العربية.. وأصبح السؤال المهم أمام هذه التجاوزات السلوكية والعلاقات العاطفية غير المنضبطة هو: كيف نعيد شبابنا إلى الطريق القويم ونضبط اختلاطهم وعلاقاتهم ومشاعرهم وعواطفهم المتدفقة بضوابط الإسلام الأخلاقية؟
في البداية يؤكد د.علي الجمل أستاذ التربية بجامعة عين شمس أن الاختلاط بين الجنسين في بلادنا العربية أصبح واقعاً لا يمكن تجاوزه، وهذا الاختلاط ليس مرفوضاً في حد ذاته ما دامت تضبطه قيم وآداب وأخلاقيات تحدد لكل طرف حدود علاقته بالطرف الآخر، وما دام الجميع يقف عند حدود الحلال والحرام، فلو التزم الجميع بالتعاليم الدينية والآداب والأخلاقيات المتوارثة ما حدثت مشكلة، لكن الشكوى الآن تكثر من التجاوزات السلوكية التي نراها في تصرفات أولادنا في كل مكان، في الطريق العام ووسائل المواصلات والمتنزهات و«المولات» التجارية ودور السينما والمسرح، بل وفي ساحات الجامعات وقاعات التعليم.
مسؤولية الأسرة والإعلام
يضيف: هذه التجاوزات السلوكية تصطدم بالقيم والأخلاقيات الإسلامية التي ينبغي أن يحرص عليها الشاب لو كان قد نشأ وتربى تربية إسلامية، وهنا تكمن المشكلة في نظر د.الجمل، حيث يحمِّل الأسرة قدراً كبيراً من مسؤولية ما يحدث من تجاوزات بين الشباب من الجنسين، وأحيانا بين أبناء الجنس الواحد، حيث لم يحرص كثير من الأسر على تربية أطفالها على قيم وأخلاقيات الإسلام، ولم تهتم بغرس قيمة الحرص على الحلال والبعد عن الحرام في نفسهم، ولم تسمعهم كثيراً كلمة (عيب)، ولذلك لا يعد غريباً على هذا الشاب أو تلك الفتاة أن يقعا في الحرام وأن يفعلا العيب دون خوف من عقاب أو شعور بالعار.
والأخطر من إهمال الأسرة في تربية صغارها على الفضائل هو إسفاف كثير من وسائل الإعلام وأدوات الثقافة والترفيه التي تهدم القيم والأخلاقيات كل يوم ما استطاعت، وتهدر من خلال ما تعرضه من برامج وأفلام وتمثيليات ومسرحيات ما تبنيه الأسرة والمدرسة والمسجد، وقد لعبت هذه الوسائل دوراً كبيراً في حالة التفسخ والانحلال الأخلاقي التي تعيشها بلادنا العربية والإسلامية.
ويرى د.الجمل أن الاختلاط بين الجنسين في غياب القيم والأخلاقيات قد شجع كثيرا من الشباب على إقامة علاقات عاطفية غير منضبطة، ساقتهم إلى سلوكيات وتجاوزات مؤسفة يرفضها الدين ويجرمها العرف، وهو الأمر الذي يمثل تهديداً واضحاً لقيمنا وأخلاقنا.
مقولة خاطئة
مفتي مصر السابق، عضو هيئة كبار العلماء، د.علي جمعة، يؤكد أن الإسلام حدد إطاراً تربوياً وأخلاقياً للعلاقة بين الشاب والفتاة وحرّم كل وسيلة تؤدي إلى الحرام، ويقول: علاقة الشباب الآن في مجملها تفتقد القيم والضوابط الشرعية، فمعظم ما يحدث بين شبابنا في الجامعات يدخل في دائرة الحرام، وإذا كان البعض منهم أو منهن يزعم بأن هدف هذه اللقاءات هو التعارف والتلاقي من أجل الزواج، فأنا أقول لهم: إن الزواج لا يكون أبداً عن طريق الحرام، فقد وضع الإسلام قواعد وضوابط للتلاقي بين المخطوبين وكل من يخرج عن هذه الضوابط مخالف لتعاليم وآداب وأخلاقيات دينه، وقد دفعت فتيات كثيرات ثمناً باهظاً لتفريطهن فيما لا ينبغي التفريط فيه.
لذلك يحذر د.جمعة الشباب من الجنسين، خاصة الفتيات، من السقوط في بئر الرذيلة تحت شعار الحب، أو التعارف والتلاقي من أجل الزواج، فالفتاة دائما تكون الضحية الأولى لمثل هذه الرذائل، والذين يرددون مقولة: إن الزواج الناجح هو الذي يأتي بعد قصة حب يريدون نشر الرذيلة بين شبابنا، فهذه المقولة الهدف منها تشجيع الشباب على المعصية، والفتاة التي تفرط في كرامتها وفي مشاعرها لشاب لم يرتبط بها لا يمكن أن يثق بها، لأنها يمكن أن تفعل ذلك مع غيره، ولا يمكن القول بأن الحياة الزوجية للآباء والأجداد والتي استمرت في مودة وتراحم وعطف وحنان بدأت بقصص حب.
وهنا يؤكد مفتي مصر السابق أن العلاقات العاطفية بين الفتى والفتاة يجب أن تكون في إطار أخلاقي لكي تحقق هدفها، فالحب الحقيقي هو الحب الحلال الذي يبدأ بعد الزواج، فالله سبحانه وتعالى يقول: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة»، والمودة والرحمة لا يمكن أن يتحققا إلا إذا كان هناك حب متبادل بين الزوجين، فالحب الحلال حلال، والحب الحرام حرام، وما يحدث بين العشاق وراغبي المتعة الحرام لا يمكن أن نسميه حبا بل عبث وفوضى ومعصية لله سبحانه وتعالى، ومما يؤسف له أن بعض الأسر تركت الحبل على الغارب لبناتها وسمحت بخروج الفتاة مع من تقدم لخطبتها لكي يختلي بها ويدخل معها السينما والمسرح ويتسكع معها في الشوارع تحت دعوى التقارب بينهما، وكانت النتيجة ما نسمع عنه كل يوم من شكوى من أسر وفتيات من شباب غرروا بخطيباتهم، ونالوا منهن كل ما يريدون، ثم تركوهن وتخلوا عنهن، وهذا ما يحدث لأننا خالفنا منهج الله ولم نلتزم بتوجيهات الإسلام فيما يتعلق بضوابط اللقاء بين الخطيبين.
الاختلاط النظيف
العالم الأزهري، الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق، عضو مجمع البحوث الإسلامية، يرفض كل صور الإسفاف السلوكي بين الشباب من الجنسين، ويؤكد أن الإسلام أباح الاختلاط النظيف الذي تحترم فيه الحرمات ويلتزم فيه كل من الشاب والفتاة بتعاليم وأخلاقيات دينه، فلا خلوة بين شاب وفتاة، ولا تدنٍ في الحوار، ولا إسفاف في الألفاظ المتبادلة بينهما، ولا تلامس أو احتكاك جسدي ولا خضوع بالقول، ولا غير ذلك من السلوكيات التي نراها ونسمع عنها الآن. ويضيف: لذلك لا بد أن تختفي الشعارات الفارغة والمفاهيم الخاطئة التي تتردد في الدراما والأعمال الفنية والبرامج التلفزيونية، والتي تشجع أولادنا على المعصية، ويتناقلها الشباب من الجنسين، ويخدع بعضهم بعضا بها ليسوّقوا للأفكار المنحرفة والسلوكيات المخالفة لتعاليم وأخلاقيات الإسلام..
ويقول: الإسلام دين واقعي يحترم المشاعر العاطفية ويقدر رغبات الإنسان المشروعة، ويؤكد ضرورة تحقيق الوفاق والتفاهم بين الرجل وزوجته، ويحرص على أن تغمر مشاعر الحب والسعادة حياة كل زوجين تلاقيا في الحلال وفق شرع الله، أما مشاعر الحب بين شاب وفتاة تواعدا على الزواج فلها حدود وتحدها ضوابط.
ويوضح الشيخ عاشور أن الإسلام مع التعارف والتلاقي الراقي، وهو يحث الشباب المسلم على الالتقاء وتدقيق النظر والتعارف قبل الإقدام على الزواج، كما يحث الرجل والمرأة على أن يستكشفا عواطفهما وطبيعتيهما، وينهى المسلم عن أن ينظر إلى المادة والمال، أو يهتم بالحسب والنسب في زواجه أو أن يجعلهما في المقام الأول لاختيار الزوجة.
ويقول: إن قيم ديننا تغلق الباب تماماً أمام وساوس الشيطان التي قد تدفع أحدهما أو كليهما للانحراف الأخلاقي والخيانة الجسدية أو حتى المعنوية، والرسول صلى الله عليه وسلم طالبنا بأن نتزوج عن حب حين قال: «تزوجوا الودود الولود»، والودود هي التي تشعركم بالود والمحبة، والله تعالى يصف الحب بين الزوجين قائلاً: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة».. وهذه التعبيرات الإسلامية «المودة والرحمة والسكن» كناية عما نسميه في عصرنا بالحب العاطفي والانسجام الروحي والفكري، ورسول الله يصف الحب العاطفي والروحي فيقول: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف».
من هنا ينصح الشيخ عاشور كل راغب في الزواج بأن يقدم على هذه الخطوة عن قناعة بأن الإنسانة التي تقدم لها هي التي يبحث عنها ولا يفكر في غيرها بعد الارتباط بها، وفي المقابل يجب على كل فتاة أن تدخل عش الزوجية وهي مقتنعة تماماً بأن من وافقت عليه هو الزوج المناسب لها وأن التفكير في غيره هو خيانة له، والزوج هنا مطالب بأن يحمي زوجته من الوقوع في براثن الخيانة الجسدية والمعنوية بالتعبير عن حبه المتواصل لها، وقدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو لم يكن يخفي حبه لزوجته عائشة رضي الله عنها حتى أمام الناس، فقد سأله جماعة من الصحابة: «يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ فقال صلى الله عليه وسلم على الفور: عائشة. فقالوا من بعدها؟ قال: ثم أبوها». ورغم عدله المطلق بين زوجاته في كل ما يستطيعه ويقسمه فقد كانت عائشة أحب نسائه إلى قلبه، وكان يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك».
نصيحة لكل فتاة
أستاذة الشريعة الإسلامية بالأزهر، د.سعاد صالح، تطلق صيحة تحذير لكل فتاة من الوقوع في براثن شاب لم يحسن أهله تربيته تحت شعار الحب، وخداع الوعد بالزواج. وتقول: ضحايا هؤلاء الشباب المنفلتين من القيم والأخلاقيات الإسلامية يصرخن ويبدين الندم في كل مكان، وعلى كل فتاة أن تكون حذرة من علاقات غير مشروعة يخدعها بها شاب منحرف أو يعاني مشكلات نفسية، كما ينبغي تحذير كل بناتنا من أن العبارات والشعارات التي يرددها كثير من الشباب للإيقاع بهن هي عبارات خادعة، فهدف هؤلاء إقامة علاقات غير مشروعة تحت ستار التمهيد للزواج، وتقول: فارق كبير بين التلاقي للتعارف وبين التسكع في النوادي و«المولات» وأوكار الرذيلة التي انتشرت في بلادنا العربية والإسلامية وانتقلت إلينا من بيئات غير إسلامية تحكمها عادات وتقاليد وأخلاقيات لا تتفق مع تعاليم ومبادئ ديننا.