تحقيق: هديل عادل
الإصغاء باهتمام إلى شخص ما إحدى أفضل الطرق لإظهار الاحترام له، وتكوين صلة إنسانية عميقة معه. وعندما تصغي لشخص ما بعقلك وكل كيانك، فهذا يبعث له برسالة مضمونها أنك تقدر ما يقوله وتحترمه، والحقيقة المؤلمة أن معظم الناس يقضون الوقت الذي يتكلم فيه الطرف الآخر في تحضير إجاباتهم عليها، والتدريب عليها، والقليل جداً هم من يحسنون الاستماع للآخرين بحق.
السطور التالية تستعرض آراء واعترافات شخصيات تحدثت عن قدراتها في الاستماع والتحدث، وانطباعاتها عندما يفتقد الطرف الآخر إلى مهارة الإصغاء باهتمام.
تعترف هناء راشد، «مهندسة» بأنها كانت تتسرع بمشاركاتها في الحوارات دون أن تنتبه إلى أنها تقاطع غيرها، قائلة: الإنسان بطبيعته يحب التعبير عن رأيه ومشاعره، وبالنسبة لي أعتبر نفسي مندفعة في الحديث عن أخباري وكل ما يدور في ذهني، خاصة مع المقربين مني، ولكني تعرضت إلى أكثر من موقف محرج جعلني أعيد النظر في طريقتي في الحوار، وأصبحت أكثر حرصاً على الاستماع بانتباه للطرف الآخر، ووجدت في الإنصات متعة لا تقل عن متعة الكلام؛ بل تفوقها؛ لأن أحاديث الآخرين تحمل الكثير من المعاني والمشاعر والمواقف التي تؤثر فينا، وإذا أنصتنا باهتمام لمحدثينا، فإن ذلك يتيح لنا التعرف إلى حاجاتهم، والتعاطف معهم، ويفتح مجالاً أكبر للتعرف إلى من حولنا بصورة أقرب، وبناء علاقات وتواصل جيد مع الآخرين.
أما نبيل حمدان، «موظف» فيجد صعوبة في التخلص من آفة مقاطعة حديث من يخاطبه، قائلاً: صارحني بعض من المقربين مني أنني لا أتيح لهم فرصة للحديث عن أفكارهم ومشاعرهم في الحوارات التي تدور بيننا، وفي البداية كنت أنفي عن نفسي هذه التهمة، ولكني بعد ذلك صرت ألاحظ نفسي ووجدت أنني بالفعل أقاطع محدثي مرات عديدة خلال حوارنا، وخجلت من نفسي، واستمعت لأكثر من مقطع توعوي تعليمي عن هذا الموضوع، وكيفية علاجه، وبالفعل بدأت أنتبه لأدائي في الحوار؛ ولكني إلى الآن لم ألحظ أي تقدم حقيقي في مهارة الاستماع، وقدرتي على ضبط نفسي حتى لا أقاطع غيري.
وتقول آيات عمر، «صيدلانية»: أحب الإصغاء عندما يحدثني أحد، كما أنني أبادر دوماً في سؤال الطرف الآخر عن أحواله وما يشغله، وأستمع جيداً للإجابة، ولهذا فإن صديقاتي يفضلن الحديث معي، خاصة في أزماتهن، ولدي صديقة تتهمني دوماً بأنني لا أتحدث عن نفسي بإسهاب، ولكني في الحقيقة أحب الحديث مع صديقاتي، غير أنني أجد متعة كبيرة في الاستماع وخاصة للشخصيات التي تتميز بأسلوبها الجميل في التعبير عن نفسها وأفكارها ومشاعرها.
وتقول حنان أحمد، «طبيبة» أغلب المشاكل والخلافات التي نعيشها سببها افتقادنا للتواصل الجيد بيننا، حتى أصبحنا غير قادرين على فهم بعضنا، وهذا ما نراه بوضوح في علاقاتنا الأسرية مع أزواجنا وأبنائنا وإخواننا ووالدينا.. وغيرها من العلاقات العائلية والاجتماعية؛ لأننا جميعاً أغفلنا حقيقة أن الإصغاء باهتمام يعد جزءاً مهماً في علاقاتنا الإنسانية، وبالنسبة لي لن أدعي أنني دوماً منصتة جيدة، ولكني أولي هذا الأمر اهتماماً كبيراً في علاقاتي، وعندما يسيطر التوتر على أحدها ألجأ فوراً إلى إنشاء حوار جاد وعميق مع الطرف الآخر، محاولة فهمه وتوصيل وجهة نظري له، ولكني لا أجد دوماً استجابة واعية لمطلبي، ولا أذناً صاغية لحديثي.
يتحدث د. موسى شلال (علم اجتماع) عن أهمية الإصغاء للآخرين، قائلاً: إن الإنسان مهما كان صغيراً أو كبيراً بحاجة إلى شخص أو أشخاص آخرين يصغون إليه
ويتواصلون معه، يبث لهم همومه و يعبر عن أفكاره ومشاعره، والإصغاء مصدر الفعل أصغى ويعني الاستماع باهتمام وانتباه، كما يعرف الإصغاء بأنه التوجه نحو الآخرين وما يحاولون التعبير عنه، وإرسال استجابات من المصغي تساعد المتحدث على التعبير عن أفكاره ومشاعره وأحاسيسه. ويضيف: تتجلى أهمية الإصغاء في أنه يساعدنا على معرفة قدرات الآخرين والكشف عن مواهبهم وإمكاناتهم، والتخفيف من غضب المتحدث ورفع معنوياته وتشجيعه على الاستمرار في الحديث، كما أنه يساعدنا على الإحاطة بالحقائق والمعارف التي ينطوي عليها الموضوع المصغي إليه.
ويستطرد دكتور موسى في الحديث عن فن الإصغاء، موضحاً العوامل المساعدة للإصغاء الإيجابي، قائلاً: هناك مجموعة من العوامل تساعد على الإصغاء الجيد
ومن ثم تضمن نجاح عملية التواصل، منها تركيز الذهن في الموضوع المصغي إليه
وإهمال ما عدا ذلك من المواضيع التي يمكن أن تشوش على الإصغاء، وتجنب بعض التصرفات التي تؤثر سلباً في سير الإصغاء مثل: تحريك الرجلين، النقر على سطح معين أو فرقعة الأصابع.. إلخ، وعدم الالتفات إلى عناصر أخرى جانبية أقل أهمية، مثل الرد على المكالمات الهاتفية والالتفات إلى الديكور الموجود في القاعة أوغير ذلك من المعوقات التي تؤثر سلباً في فاعلية التواصل، أيضاً من العوامل المؤثرة في حالة الإصغاء للآخر، إظهار الاهتمام ببعض التصرفات والحركات التي تعطي انطباعاً للمتحدث بأن المصغي يهتم ويتفاعل مع المتحدث؛ وذلك مثل النظر مباشرة إلى المتحدث، الإيماءات الرأسية المشجعة، إشارات اليد وبعض الكلمات التي تحث المتحدث على مواصلة الحديث مثل: فعلاً، حقاً، صحيح، أنا معك، وعدم مقاطعة المتحدث، وكذلك عدم الشروع بإبداء الرأي قبل الانتهاء من الحديث.