آخر صيحة في عالم الريجيم والحميات الغذائية يسمى النظام الغذائي الحامضي القلوي . ويعتمد هذا النظام على فكرة أن الإفراط في تناول أنواع معينة من الأطعمة مثل اللحوم ومنتجات الألبان يمكن أن يرفع مستويات الأحماض في الجسم لتصل إلى درجات خطيرة . ويعتقد مؤيدو هذه النظرية أن تناول هذه الأطعمة بكميات كبيرة يمكن أن يؤدي إلى تراكم الدهون، كما يمكن أن يؤدي إلى زيادة فرص الإصابة بالسرطان وهشاشة العظام على المدى البعيد .

تقوم أسس هذا النظام الغذائي على نظريات اختصاصي العلاج الطبيعي الأمريكي روبرت يانج، الذي ألف عدداً من الكتب تؤيد جميعها فكرة أن الإفراط يعتبر مشكلة صحية شائعة، ويمكن التغلب عليها باتباع نظام غذائي مناسب .

كما يؤيد يانج فكرة أن الجسم يمكنه أن يعيش كلية على أنواع من الأطعمة يمكنها أن تقلل من حامضية البيئة الداخلية للجسم مثل الفواكه والخضراوات والفاصوليا والبقوليات بصفة عامة .

ويتضمن النظام الغذائي أيضاً الإقلال من تناول الأطعمة التي يمكن أن ترفع من حامضية الجسم مثل اللحوم، ومنتجات الألبان، والسكر، والدقيق الأبيض، والمعكرونة . ويخضع محبو هذا النظام لاختبارات لفحص الدم والبول للتأكد من أن قياسات الحمضية عند معدلاتها الطبيعية، وأيضاً بهدف قياس التوازن بين الحمضية والقلوية في الدم .

فهل يجب علينا البدء فوراً في قياس مستويات الحمضية في أجسامنا، والتخلي عن بعض من عاداتنا الغذائية السيئة مثل تناول اللحوم على الإفطار؟

بالرغم من أن هناك أساساً علمياً يدعم هذا النظام الغذائي، خاصة أنه يربط بين الغذاء وهشاشة العظام، بيد أن عدداً من الخبراء حذر من أن النظام مزيج من الحقيقة والخيال .

ومن المعروف علمياً أن الجسم يحتوي على أحماض وقلويات طبيعية، ولابد أن يكون هناك توازن بين مستوياتهما لكي تتوفر الظروف الطبيعية الموائمة لعمل هرمونات وإنزيمات الجسم بطريقة صحيحة .

وتقول كاثرين كولينز، مديرة قسم التغذية في مستشفى سانت جورج في العاصمة البريطانية لندن ليس من المنطقي، بالرغم مما يدعيه مؤيدو النظرية، أن تناول نوع معين من الغذاء يمكنه أن يقلل من معدلات حامضية الجسم .

وتضيف أن العلاقة بين زيادة نسبة الحمضية والإصابة بالسرطان لم تثبت علمياً، وأن اختبارات البول التي تهدف إلى اكتشاف ما إذا كانت هناك ضرورة لتغيير العادات الغذائية ما هي إلا مضيعة للوقت .

وتفسر ذلك بقولها إن البول يعتبر الأداة التي تستخدمها الكلى لطرد الأحماض أو القلويات الزائدة خارج الجسم، لذا فأي قراءة مرتفعة لأي من المادتين في البول سوف تعني فقط أن الجسم يتصرف كما هو مفترض، وهو التخلص من الكيماويات التي لا يحتاج إليها .

وفي حقيقة الأمر، فإن الجسم يتميز باتباعه أساليب غاية في التعقيد والحساسية لحفظ الحمضية والقلوية عند معدلات معتدلة . وتقاس الحمضية باستخدام جهاز قياس يطلق عليه pH، وتشير الأرقام إلى طاقة الهيدروجين لأنه يقيس تركيز الهيدروجين، وتبدأ درجاته من واحد إلى 14 . ويجب أن يحدث توازن بين حمضية الدم وقلويته لكي تتوافر الظروف المناسبة لكي تعمل الخلايا والأنسجة بطريقة سليمة، لذا يجب أن يكون تركيز الهيدروجين عند معدل متوسط وهو 35 .7 إلى 45 .،7 أي يميل قليلاً إلى القلوية . وتقول البروفيسورة سوزان لانهام - نيو، رئيسة قسم علوم التغذية في جامعة سوراي يتميز الجسم بمهارة فائقة في الحفاظ على معدلات تركيز الهيدروجين في الدم عند مستويات مناسبة .

والرئتان والكلى تمثلان العضوين الرئيسين في الجسم اللذين يتوليان مهمة السيطرة على التوازن بين حمضية وقلوية الجسم .

فعندما نزفر تطرد الرئتان ثاني أكسيد الكربون خارج الجسم، وبذا يتخلص الجسم من أهم مصادر مادته القلوية، وعندما يبدأ الدم في التحول قليلاً إلى الحمضية، يعمل الشهيق على استعادة التوازن المناسب في تركيز الهيدروجين وذلك باستعادة كميات قليلة من ثاني أكسيد الكربون .

كما تتحكم الكليتان في مراقبة معدلات حامضية وقلوية الجسم على مدار الساعة، وتقوم بطرد أي زيادة غير مرغوب فيها من خلال البول . وحقيقة الأمر، فعدم ثبات مستويات تركيز الهيدروجين في جسم الإنسان يحدث فقط عند إصابة الجسم بمرض خطير مثل الفشل الكلوي الذي يحدث نتيجة لمشكلات صحية مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم أو السكري .

وحسبما تقول البروفيسورة لانهام: أظهرت الأبحاث أنه هناك أنواع معينة من الطعام لها القدرة على إنتاج الأحماض والقلويات عندما يتم هضمها داخل الجسم .

ويعني ذلك أن الجسم لابد له من استعادة توازن تركيز الهيدروجين إلى معدلاته الطبيعية . والأطعمة التي تنتج المواد الحمضية هي اللحوم، والأجبان الصلبة، والمخبوزات، والمعكرونة، بينما تنتج الفواكه والخضراوات (ومن أهمها الفواكه الحمضية) المواد القلوية . ولايعني ذلك أبداً ضرورة تجنب أطعمة بعينها، كما ينصح به عند اتباع حميات غذائية معينة، ولكن يعني بالأحرى ضرورة وجود توازن في أي حمية غذائية، وإلا ستدفع عظام الجسم الثمن، حسبما ترى البروفيسورة لانهام .

ويؤدي تناول كميات كبيرة من اللحوم إلى إنتاج الأحماض، وبهذا يجد الجسم نفسه في حاجة للمزيد من القلويات ليحدث التوازن المطلوب . وأثبتت أبحاث حديثة أن الجسم يحتوي بداخله على أهم مصادر للقلوية وهي الأملاح القلوية في العظام .

وتقول لانهام إن الجسم يحوي خلايا متخصصة تجوب حول عظامنا لإزالة هذه المكونات القلوية، ولكنها في الوقت نفسه تسبب ضعفاً فيها .

وتوصلت إحدى الدراسات التي أخضعت مشاركين لحمية غذائية تحتوي على أطعمة عالية الحمضية، توصلت إلى أن مستوى نقص كتلة العظام لديهم زاد بمعدل 19 في المئة، مقارنة بأشخاص أُخضعوا لحمية غذائية عالية القلوية .

وعلى أي حال، لا تؤيد البروفيسورة لانهام اتباع حمية غذائية صارمة، وتؤكد أهمية احتواء أي نظام غذائي على الفاكهه والخضراوات .