في العام خمسين ومائة من الهجرة ولد الإمام الشافعي وهو العام الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة النعمان، وكأنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يصل ما كان على وشك الانقطاع بموت أبي حنيفة مع وجود الإمام مالك في المدينة.
والإمام الشافعي أحد الأئمة الأربعة الكبار، الذين ملأوا الدنيا علما وفقها واجتهادا وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل.
هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع. كان قرشيا بالولاء، حيث كان جده شافع مولى لأبي لهب بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم.
ذاق الشافعي مرارة فقد الأب وهو صغير ونشأ في أسرة فقيرة ولكن هذا الفقر لم يكن عائقا أمامه عن تحصيل العلم، كما لم يكن يمثل نقطة إحساس بالعجز. ويقول عن ذلك: كنت يتيما في حجر أمي ولم يكن معها ما تعطيه للمعلم وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن ودخلت المسجد كنت أجالس العلماء وأحفظ الحديث أو المسألة وكان بمنزلنا بمكة في شعب الخيف، وكنت أنظر إلى العظم كلوح فأكتب فيه الحديث أو المسألة وكانت لنا جرة قديمة، فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرة.
تلك إحدى الروايات التي تحدث فيها الشافعي عن نفسه في كتب الطبقات والسير. وكان الشافعي حريصا بعد حفظه للقرآن الكريم على أن يتجه إلى حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يسمع ويدون ما يتاح له منها ثم استشعر حاجته إلى التمكن من اللغة العربية التي خاف عليها بسبب اختلاط الأعاجم بالعرب في المدن والأمصار، فذهب إلى البادية ومكث بها عدة سنوات حتى استقام لسانه وحفظ الكثير من الأشعار، ويقول عن ذلك: ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب إلى لسان أرسطاطاليس وتذكر بعض الروايات أنه نصح بألا يحترف الشعر وأن يتحول إلى الفقه إذ هو طريق العلو والرفعة.
وكان الشافعي حريصا على التهيؤ للحياة العربية في عاداتها التي أقرها الإسلام فتعلم الرماية والفروسية.
الأساس العلمي
وهكذا كان القرآن والسنة ثم الحرص على لغة الفهم والبيان العربية والتعايش مع البيئة التي عاش فيها هي الخطوات الأولى التي جعلت الشافعي مع ما حباه الله من فطنة وذكاء وعمق تفكير يتبوأ المكانة التي وصل إليها فيما بعد إذ مثلت تلك الخطوات حجر الأساس في التكوين العلمي للإمام الشافعي، ثم كان بعد ذلك جلوسه إلى الكثيرين من المشايخ والعلماء الذين تنوعت مذاهبهم الفكرية فأخذ العلم في مكة موطنه عن مسلم بن خالد الزنجي (مفتي مكة) وداود بن عبد الرحمن العطار وعمه محمد بن علي بن شافع، وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي وسعيد بن سالم وفضيل بن عياض وغيرهم.
ثم ارتحل وهو في العقد الثالث من عمره إلى المدينة المنورة بعدما كان قد أفتى وتأهل للإمامة فكان اللقاء الأول بينه وبين الإمام مالك بن انس.
ويقول حول صلته به: قدمت على مالك وقد حفظت الموطأ ظاهرا فقلت: إني أريد أن اسمع الموطأ منك، فقال: اطلب من يقرأ لك، قلت: لا عليك أن تسمع قراءتي، فإن سهل عليك قرأت لنفسي، قال: اطلب من يقرأ لك، وكررت عليه فقال: اقرأ، فلما سمع قراءتي قال: اقرأ، فقرأت له حتى فرغت منه.
ويضيف الذهبي على هذه الرواية قول الشافعي: ثم سألته مسألة فأجابني ثم أخرى، فقال: أنت تحب أن تكون قاضيا.
كان الشافعي في مجالسته لمالك دارسا يريد جمع العلم من منابعه وقد تعدد الذين جلس إليهم فكان يأخذ من كل منهم ما يريد ويترك ما لا يتفق معه فيه.
وفي المدينة أيضا اخذ عن إبراهيم بن يحيى الأسامي وكان من المعتزلة الفقه والحديث وترك له اعتزاله ولم يتأثر به حتى إن ابن يحيى كان يقول له: تخالفوننا وتسمعون منا، فإذا ظهر لأحدكم شيء، دخل فيه.
وفي اليمن أخذ عن مطرف بن مازن وهشام بن يوسف القاضي. وفي بغداد أخذ عن عمر بن الحسن ولازمه، وعن إسماعيل بن علية وغيرهما، وقد تعرف الشافعي إلى علم الليث بن سعد بعد وفاته وكان يقول عنه: الليث أفقه من مالك.
وهكذا تنوعت مصادر تلقي العلم عند الشافعي وساعده على ذلك كثرة ارتحاله وسعة عقله وانفتاح افقه فلم ينغلق على اتجاه بعينه أو شيخ بذاته حتى انفرد بمذهبه (الشافعي) المعروف حتى اليوم.
منهج محدد
كان الشافعي على وعي تام بما يطمح إليه وهو يتلقى العلم وكان له منهج محدد وهو التعرف إلى ابرز اتجاهات الفكر في عصره، فقد استوعب فكر السلف عند الإمام مالك، كما استوعب فقه الرأي في مدرسة أبي حنيفة حين جلس إلى محمد بن الحسن الشيباني وكذلك تلقى فقه الأوزاعي عن صاحبه عمر بن أبي سلمة وأيضا فقه الليث بن سعد الذي أخذه عن صاحبه يحيى بن حسان، فاجتمع له فقه مكة والمدينة والشام ومصر والعراق كما يقول الشيخ أبو زهرة.
كما لم ينغلق الشافعي في التلقي على علماء أهل السنة وإنما كان يدرس آراء الشيعة وكان يرى أن مقاتل بن سليمان وهو شيعي زيدي إمام في التفسير.
لم يكن الإمام الشافعي في بحثه عن التعلم يقصد ويهدف إلى وجاهة الدنيا أو جمع الأموال بل كان همه الأول أن يعرف الحق ليعرفه ويعلمه للناس، فالعالم في نظره يسأل ليتعلم أو يثبت ما يعلمه، يقول الأجمعي: سمعت الشافعي يقول: العالم يسأل عما يعلم وعما لا يعلم، فيثبت ما يعلم ويتعلم ما لا يعلم والجاهل يغضب من التعلم ويأنف من التعليم.
وقد عرف عن الشافعي شدته في المناظرة ولم تكن هذه الشدة لإثبات مقدرة، أو سعيا نحو الوجاهة، وإنما كانت لحبه الشديد لإثبات الحق ومن أجل ذلك كان يقول: ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة كما قال: قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب. ولأنه كان دائم البحث عن الحق فقد كان يقدر من ينصاع للحق ويحتقر كل من يجادل بالباطل ويقول: ما كابرني أحد على الحق ودافع إلا سقط من عيني، ولا قبله إلا هبته واعتقدت مودته.
كان الشافعي رحمه الله يرى أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.. يقول الإمام الذهبي: قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة، ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا، وإن لم نتفق في مسألة؟
مناظرة ابن حنبل
وقد ناظر الإمام الشافعي الإمام أحمد بن حنبل كما ذكر عبد الوهاب السبكي صاحب طبقات الشافعية حول حكم تارك الصلاة. ونص ما ذكره السبكي حكي أن احمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة، فقال له الشافعي: يا أحمد أتقول إنه يكفر؟ قال: نعم، قال إذا كان كافرا فبم يسلم؟ قال يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه، قال احمد: يسلم بأن يصلي، فقال الشافعي: صلاة الكافر لا تصح، ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع احمد بن حنبل وسكت.
وقد خاض الشافعي الكثير من المعارك فجادل الزنادقة والقدرية وكان له رأي واضح فيهم عن علم ومعرفة بمعتقداتهم.
ويذكر أبو نعيم حول ذهاب الشافعي إلى اليمن بعد موت مالك بن انس أنه وجد هناك خارجيا تمرد خرج على هارون الرشيد، وطغى الشافعي على الخارجي حتى احضره وهم بقتله، ثم لما عرف فضله وعلمه عفا عنه وعرض عليه قضاء اليمن فامتنع الشافعي، وحدث أن قبض على الخارجي والشافعي وأحضرا إلى الرشيد وأمر بقتلهما فاستمهله الشافعي وقص عليه حقيقة الأمر بأدب جعل الرشيد يدعو له بأن يكثر الله في أهل بيته مثل الشافعي.
وكان الشافعي لا يخشى الجهر بالحق حتى لو جر عليه ذلك المتاعب والمحن، وذات يوم وردت مسألة من الخليفة هارون الرشيد يدعو الناس إليها وقد استكتمها الفقهاء فأجابوه إلى ذلك وقبلوها منه طوعا منهم أو كرها فجيء بالمسألة إلى الشافعي فلما نظر فيها قال: غفل والله أمير المؤمنين عن الحق وأخطأ المسير عليه بهذا، وحق الله علينا أوجب من حق أمير المؤمنين، وهذا خلاف ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلاف ما اعتقدته الأئمة. فكتب بذلك إلى هارون فكتب هارون في حمله مقيدا.
ويروي أبو نعيم أن الرشيد قال لمحمد بن الحسن وبشر المريسي: هذا القرشي الذي خالفنا في مسألتنا جاء إلينا مقيدا، وطلب رأيهما فيه فقالا غير الصواب ثم كانت مناظرة بينه وبين بشر المريسي حول قضايا عقدية أفحم الشافعي فيها خصمه فجعل الرشيد يقربه إليه في مجلسه وكأنه يعتذر إليه عما حدث.
في مصر
وقد كانت تلك المحن التي تعرض لها الشافعي سببا في ابتعاده عن الوظائف العامة وتفرغه للعلم وخاصة مع ما كان يراه من محن يتعرض لها غيره من دون انتهاء، وسافر الشافعي إلى مصر التي تلقاه أهلها بفرح لحبهم لأهل العلم والعلماء فأكرموا وفادته وتبنوا مذهبه في الفقه حتى انتشر في ربوعها، ورغم مكانته العلمية إلا أنه كان دائم التعلم، وعاش بين أهلها حتى وافته منيته ودفن فيها في مدفن أقيم بجانبه مسجد لا يزال يسمى باسمه في حي ينسب إليه بجنوب القاهرة وهو حي الإمام الشافعي.
وحتى اليوم لم ينقطع الأخذ بمذهب الإمام الشافعي في الفقه ليس في مصر وحدها وإنما في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي، وخاصة بعد أن ترك الكثيرين من الذين تتلمذوا على يديه وانتسبوا إلى مذهبه، وأيضا ما ترك من كتب ومصنفات تصل إلى أكثر من مائتي مصنف كان أهمها ما كتبه في مصر وهي الكتب التي شهد لها الإمام أحمد بن حنبل حينما سأله محمد بن مسلم بن وارة: ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين أحب إليك أو التي بمصر؟ فقال ابن حنبل: عليك بالكتب التي عملها بمصر فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها ثم رجع إلى مصر فأحكم تلك، وقال لأحمد: ما ترى لي من الكتب أنظر فيه رأي مالك أو الثوري أو الأوزاعي؟ فقال: عليك بالشافعي فإنه أكثر صوابا وأتبعهم للآثار. وإذا كان كتاب الإمام الشافعي الأم أشهر ما ترك فإن له الكثير من الكتب والمصنفات التي لا تقل مكانة وعلما. ويكفي الشافعي رحمه الله انه أول من ألف في الفقه. وصاحب مبدأ اختلاف الفتوى وفقا للزمان والمكان.