أفادت دراسة أمريكية جديدة، بأن إيذاء الأطفال نفسياً من قبل الوالدين أو القائمين على تربيتهم، قد يتسبب في الحاق أضرار عاطفية قد تفوق مقدار ما تلحقه أنواع الأذى الجسدي أو الجنسي الأخرى . وقال الدكتور جوزيف سبينازولا، المدير التنفيذي لمركز الصدمات بمعهد جاستيس ريسورس في ولاية ماساتشوسيتس الأمريكية، والذي قاد الدراسة: "عندما تنظر إلى قوة الأعراض، فإنه لا يوجد اختلاف بين الأشكال الثلاثة لإساءة المعاملة" .
أوضح أن الصدمات النفسية تختلف عن "الاختلال في التربية"، الذي يحدث عندما يفقد الآباء والأمهات أعصابهم بين الحين والآخر عند التعامل مع أولادهم .
وأَضاف سبينازولا قائلاً: "إن الحاق الأذى النفسي بالطفل، يماثل العيش من دون حصول على أي نوع من الحب أو الدفء، وإنما الشعور بالعداوة والخوف من التهديدات أو التسليم باستحالة المطالب، وكأن الطفل عدو أو وحش أو مخلوق بائس غير محبوب" .
وكشفت الدراسة التي نشرت في دورية "الصدمات النفسية" والبحث عن أن الأطفال الذين يتعرضون للأذى النفسي يصبحون عرضة أكثر بنسبة 78% للاكتئاب و80% للإصابة باضطرابات القلق و92% للتوتر . وبمقارنتهم بأطفال تعرضوا للأذى الجنسي توصل الباحثون إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للأذى النفسي يكونون أكثر عرضة لمواجهة مشاكل دراسية، وممارسة الأنشطة الإجرامية وإيذاء أنفسهم جسدياً .
وأشار الباحثون إلى أنه رغم هذه النتائج إلا أن الأذى الجسدي والجنسي يحظى باهتمام أكبر من إيذاء الطفل نفسياً .
يذكر أن دراسة أمريكية سابقة أثبتت أن الأطفال الذين تعرضوا لسوء المعاملة والعنف النفسي أو الجسدي، هم أكثر الأشخاص تعرضا إلى الأمراض مستقبلاً، مؤكدة أن سوء معاملة الطفل قد يتسبب في إحداث خلل جيني لديه .
وقال الباحثون في الدراسة التي نشرت في مجلة "موليكولار سيشياتيري" المتخصصة: إنهم قد اكتشفوا خلال الدراسة خللاً في المجموع الوراثي للأطفال، الذين تعرضوا لسوء معاملة وعنف، وإن هذا الخلل يمكن أن يؤثر سلبا في هؤلاء الأطفال مستقبلاً .
ووفقاً للباحثين فإن هذه العواقب السلبية تكون أسوأ ما يمكن لدى الأطفال الذين عانوا أكثر من شكل من أشكال العنف، حيث تتضرر لديهم طبقة التيلومير التي تحمي الحمض النووي للخلية مثل الطبقة البلاستيكية .
وأوضح العلماء أن هذه الطبقة هي نهايات للصبغيات الوراثية، وأن تقلص هذه النهايات يعرض صاحبها لمخاطر صحية عالية مثل الإصابة بأمراض مزمنة وسرطانات . وقد فحص فريق الباحثين، تحت إشراف إيدان شاليف من جامعة ديوك في مدينة دورهام الأمريكية، المجموع الوراثي لأطفال من سن خمسة إلى عشرة أعوام، وذلك اعتماداً على 236 عينة لأطفال بريطانيين ولدوا بين عامي 1994 و1995 وكانت نسبة 42 في المئة من هؤلاء الأطفال عرضة للعنف ولو لبعض الوقت على الأقل، وهو ما علمه الباحثون من خلال استطلاع واسع لآراء الأمهات .
كما جمع الباحثون أيضاً معلومات حول ما إذا كان هؤلاء الأطفال قد تعرضوا لعنف ومضايقات منزلية ومتى أو أنهم تعرضوا لمعاملة سيئة على أيدي بالغين خارج الأسرة .
وتبين للباحثين أن الأطفال الذين تعرضوا على الأقل لشكلين من أشكال العنف، قد تقلصت لديهم طبقة التيلومير في عمر خمس إلى عشر سنوات بشكل واضح مقارنة بأقرانهم الذين لم يتعرضوا للألم النفسي .
كما تبين أيضاً أن الأطفال الذين أسيئت معاملتهم أو تعرضوا للتحرش الجنسي، أكبر سناً من الناحية البيولوجية (الحيوية) عما يدل عليه تاريخ مولدهم .
وقال الباحثون إنهم وجدوا أن الجنس والبيئة الاجتماعية والوزن والحالة الصحية لا تلعب دوراً في ذلك، وأن إساءة معاملة الأطفال، وتعريضهم للعنف يمكن أن يضع قاعدة لمشاكل صحية في المستقبل .
وقال تيري موفيت من جامعة ديوك: إن "غراماً من الوقاية خير من كيلوغرام من العلاج" .
ودعا موفيت إلى حسن استثمار مليارات الدولارات، التي تنفق في علاج أمراض الكبر مثل السكر وأمراض القلب والعته، من خلال حماية الأطفال من التعرض لمتاعب نفسية جراء تعرضهم للعنف .
ويعتزم العلماء من خلال المزيد من الدراسات تحليل طبقة التيلومير الخاصة بالأطفال الذين أصبحوا الآن بالغين لمعرفة الآثار بعيدة المدى للعنف في الطفولة على شيخوخة الجينات الوراثية لديهم .