قد يسأل سائل: هل يستحق الاستشراق والمستشرقون منا هذا الجهد في دراسة مؤلفاتهم والبحث في مناهجهم وفتح نوافذ الحوار معهم؟ الجواب برأينا، وبلا تردد ب نَعَم، على أن نعرف كيف ندرسهم، وكيف نحترم عقلية وثقافة وفكر الآخر من دون تشنج، وما نأخذ منهم وما ندع، في سياق تلاقح حضاري إنساني راقٍ .

قام المستشرقون بجمع المخطوطات العربية وفهرستها، وحققوا منها ما أمكنهم وما رأوه ضرورياً لدراستهم وأبحاثهم، ونشروها نشراً علمياً . وطبعوا في بلادهم العدد الجمّ من المؤلفات العربية المصادر، في التاريخ والأدب والتفسير والحديث والفقه . وترجموا إلى اللغات الغربية عدداَ كبيراً من المؤلفات العربية، ووضعوا المعاجم وكتب القواعد المخطط لها بطريقة علمية ووضعوا مثل ذلك بالكتب المؤلفة باللغات الإسلامية غير العربية . وبذلك عَرّفوا الغربيين بتراثنا، ووضعوا النصوص الأصلية المحققة، مع ترجماتها أحياناً، بين أيدي الدارسين الغربيين .

إلى ذلك، دَرَسَ وتعلّم على أيدي المستشرقين آلاف العلماء من العرب والمسلمين، فحملوا علومهم ومناهجهم إلى أوطانهم، وأثروا في ثقافتها ومناهجها وأساليب تفكيرها . كما كتب المستشرقون آلاف الكتب، وعشرات الآلاف من الأبحاث والمقالات عن العالم العربي والإسلامي، ما زال الكثيرون من أساتذتنا يعتمدون عليها، ويذكرون ذلك صراحة حيناً، ويكتمون ذلك في معظم الأحيان . لذلك، فإن فكر المستشرقين يستحق منا الاهتمام والعناية، فنحن، بإمكاننا أن نفيد من مناهج الاستشراق في تطوير مناهجنا وأساليبنا . ولا شك في أننا سنفيد من دراسة مؤلفات المستشرقين آراء جديدة في تاريخنا، كما سنستفيد من ذلك توضيحاً لأفكارنا نحن، وتقويماً لمناهجنا، ورؤية أنفسنا كما تبدو في قراءات غيرنا (الآخر) من العلماء والباحثين .

يؤخذ الاستشراق عادة، بعدة معان متداخلة ومتكاملة . ولعل أهم معنى للكلمة، هو المعنى الأكاديمي حيث تطلق كلمة مستشرق- بشيء من التجاوز- على كل من يتخصص في أحد فروع المعرفة المتصلة بالشرق من قريب أو بعيد . وحتى عهد قريب جداً، كانت هذه الكلمة تطلق على دارسي الآداب أو اللغات الشرقية أو المتخصص في تاريخ إحدى الدول الشرقية، أو حتى المتخصص في سوسيولوجية أو أنثروبولوجية الشعوب الشرقية، أو ما إلى ذلك .

ويبدو أن هذا الميل القديم لإطلاق مصطلح استشراق على كل هذه الدراسات المتعددة، المتباعدة، المتباينة، بدأ في الانحسار، بل إن لفظة مستشرق نفسها وَجدتها غير مستساغة، وغير مستحبة ومنهم من يفضل كلمة مستعربArabist عليها، فلدى العديد من المستشرقين الذين التقيتهم في حوارات حول مواضيع ذات صلة بالاستشراق هنا في الإمارات، تحسس من الكلمة، ربما لأنها تُذكّر بما كتبه إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، حيث باتت الكلمة تشير في بعض معانيها إلى المواجهة الأوروبية - الشرقية، ومشكلة المعرفة والقوة المعقدة المتشابكة . ولا نكاد نجد اليوم من يسره أن يحمل هذا اللقب الفضفاض، إن صح التعبير، فمن وجهة نظر أغلبهم إن أخذت الكلمة نفسها في الاختفاء في الأوساط العلمية والأكاديمية، لتحل محلها كلمات أخُرى أكثر دلالة على التخصص العلمي . إذا لا نكاد نجد عالم الانثروبولوجيا، أو فقه اللغة، أو اللسانيات، أو التاريخ الإسلامي أو الدراسات القرآنية مثلاً، يسمي نفسه مستشرقاً على غرار ما كان يحدث في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين .

وثمة مفهوم آخر للاستشراق أكثر عمومية، وهو اعتبار الاستشراق أُسلوباً للتفكير يرتكز على التمييز الانطولوجي والابستمولوجي، بين الشرق والغرب . وأدّى هذا المفهوم بعدد كبير من الكتّاب والفلاسفة والسياسيين، وحتى الاقتصاديين، ورجال الحكم والإدارَة الكولونيالية، إلى أن يتقبلوا فكرة التمييز بين الشرق والغرب، كنقطة انطلاق لإقامة نظرياتهم وكتاباتهم الاجتماعية ودراساتهم عن النمو الاقتصادي للشرق، وأفكارهم الخاصة عن الشعوب الشرقية ومصائرها، وما إلى ذلك . هذا المفهوم الواسع الفضفاض لكلمة استشراق، يسمح لنا بأن نُدخل في عداد المهتمين بالشرق كل فئات الكُتّاب والمفكرين والأدباء والرحالة وغيرهم، ممن عالجوا حياة الشرق في مؤلفاتهم، بصرف النظر عن ماهية هذه المؤلفات .

وليسَ من شك في أن الانتقال من مفهوم إلى آخر، أي بين المفهوم الأكاديمي والمفهوم التخيلي للاستشراق، كان قائماً طيلة الوقت، بحيث كان يحدث كثير من اللبّس والخلط بينهما . ولكنه ازداد بمرور الزمن، فأصبح اكثر تنظيماً في أواخر القرن الثامن عشر . وأدّى ذلك بالضرورة إلى مفهوم ثالث للاستشراق يتميز عن المفهومين الآخرين بوضوح النواحي التاريخية والمادية فيه . وتَمثّل هذا المفهوم، بوجه خاص، في المحاولات الكثيرة التي قامَ بها المتخصصون في الدراسات الشرقية، لإقامة نظريات منهجية متماسكة ومنطقية، تُعَبر عن وجهات نظر مُحَدّدة، وتستند إلى معلومات دقيقة ويقينية بقدر الإمكان . ثم تدريس هذه النظريات ومحاولة نشرها على نطاق واسع . بحيث أصبح الاستشراق في آخر الأمر أسلوباً غربياً لفهم الشرق والسيطرة عليه، ومحاولة إعادة تنظيمه وتوجيهه والتحكم فيه . وباختصار، أصبح هذا المفهوم يهدف إلى إخضاع الشرق للغرب، وأداة ووسيلة للتعبير عن التناقض والتباين بينهما . والواقع، أنه من دون هذه الفكرة، لن نستطيع فهم الطريقة التي أمكن للثقافة الأوروبية أن تدرس بها الشرق سياسياً واجتماعياً وإيديولوجياً وعلمياً، بل وخيالياً كذلك، إن أمكن استخدام هذه الكلمة هنا، أثناء فترة ما بعد عصر التنوير . إذ منذ ذلك الحين، أصبح الاستشراق يحتل مكانة مهمة بين مختلف مجالات العلم والمعرفة، ويفرض موضوعات معينة تدرس بطريقة معينة بالذات . ولا يعني ذلك، أن الاستشراق، كموضوع للتخصصّ، كان يحددّ على المتخصصين ما يمكن أن يُقال وما لا يُقال عن الشرق، بل يعني أنه أصبح مجموعة الاهتمامات التي كان يجب أن يأخذها الباحث والمختص في اعتباره، حين يتعرّض لدراسة موضوع يتعلّق بالشرق .

وضمن هذا الإطار، كان هناك دائماً اختلافات واسعة بين اهتمامات الفرنسيين والبريطانيين من ناحية، واهتمامات الأمريكيين من الناحية الأخرى، فيما يتعلق بدراسة الشرق ومجالات هذه الدراسة . كانت فكرة الاستشراق في الأصل، وحتى الحرب العالمية الثانية، مشروعاً ثقافياً بريطانياً وفرنسياً إلى حد كبير . وكان هذا المشروع من السعة والتنوعّ، بحيث كان يمتد ليشمل كل الشرق حتى الهند، ويغطي موضوعات متباينة، تتراوَح بين البحوث العلمية والفرق والمذاهب الدينية، وعلم الأجناس والسلالات، وفلكلور الشعوب، وتجارة التوابل، والجيوش الاستعمارية، والحكومات التي أمكن تطويعها، وقائمة لا شك طويلة من الموضوعات الأخرى المختلفة التي تكشف عن تفاوت وتنوع الاهتمامات، ومدى هذا التفاوت والتنوّع . وظلّ هذا الاهتمام قاصراً على بريطانيا وفرنسا، إلى أن تمكنت أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية من السيطرة على الشرق، وأصبحت تلعب، بالنسبة له، الدور الذي كانت تلعبه الدولتان من قبل .

وعلى أية حال، فإن هذا الاتصال بالشرق، من قبل الغربيين كان خصباً وكانت حصيلته هائلة . وهذه الحصيلة، هي التي تؤلف الآن المادة العلمية لما نسمّيه اليوم: الاستشراق .

حَريّ بنا، أن نذكر هنا، أن الغرب نفسه الذي ربما يكون قد نحت مصطلح الاستشراق، لا يبرئ الاستشراق من تعميماته وأن المستشرقين يبقون فئات مختلفة، وأوضح ملابسات هذه الإشكالية مكسيم رودننسون أحد أبرز مستشرقي الغرب المتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية، وعرفه العرب من خلال العديد من كتبه التي ترجمت خلال السنوات السابقة، وكانت لها أصداء متعددة لما تحمله من جهود علمية ألقت أضواء وتفسيرات ساهمت في تقريب التراث العربي من مناهج البحث الحديثة . وإذا اختلف معه البعض- ومنهم إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، حول بعض المنهجيات أو الآراء الذاتية فيما يتعلق بمسيرة الحضارة العربية السابقة والتحديات التي تلقاها النهضة المعاصرة وأساليب مواجهتها لهذه التحديات، فإن كتابات هذا المفكر ساهمت بصورة عامة وفعالة في محاولات إعادة النظر والتوضيح حول مشكلات اجتماعية وثقافية وسياسية تتعلق بماضي العرب وحاضرهم . وما يهمنا هنا تفسيره وتعريفه للاستشراق كأحد أبرز أبنائه من المتخصصين . فهو يَرى أن الاستشراق مصطلح ضعيف، نشأ عن عملية تعميم مجموعة من المواضيع ومواد البحث، وتصنيف متعسف لها، أدى إلى جمعها ضمن تخصص واحد . هو يَدل على الطريقة التي جرى بمقتضاها استنتاج المصطلح، ولا يدل على موضوع ذي مضمون واتجاه واحد ومحدد . وفي رأيه، انه لا وجود لما يسمى استشراقاً، بل ثمة مستشرقون فقط، أو لنقل تيارات من المستشرقين .

أما مقولة إن التغلغل الاستعماري كان وما زال الهدف من وراء الاستشراق، فإن الأمر كما يبدو، أكثر تعقيداً من هذا الحكم المتسرع، فالاستشراق لم يكن علماً، إذ إن الدراسات الشرقية تكونت من تيارات في غاية الاختلاف والتنوع . وإذا بحثنا عن بدايتها، وَجدنا أنها نشأت عن اهتمام بعض الباحثين بالإسلام من وجهة نظر المسيحي، ووجب الانتظار، كما هو معروف، حتى القرن التاسع عشر، حيث جَرى تأسيس الاستشراق على يد أفراد متحمسين لموضوع دراستهم، ومهتمين به، لم يكونوا موضوعيين بصورة تامة، لأن ذلك مستحيل . ويضيف رودنسون: حاوَل أولئك الأفراد المتحمسون أن يحققوا في بحثهم ما أمكن من شروط الموضوعية واتهامهم بالتمهيد للتغلغل الاستعماري، فيما قاموا به من دراسات، إن هو إلا تبسيط سخيف وبليد، على حد قوله، وهو خاطئ بصورة مطلقة . فهل كان سلفستر دوساسي، عندما نشر المقامات في جزءين ضخمين، وضمنها كل ما ورد من تعليقات عند العرب، يخدم بعمله هذا التغلغل الاستعماري في العالم العربي؟! يتساءل رودنسون، ويوضح: إن من البديهي أن ذلك كان يساعد بعض العاملين في إدارات الاستعمار على تعلم العربية . لكن أغلبهم لم يكونوا يكلفون أنفسهم عناء تعلم العربية، بل كانوا بصورة عامة يسخرون من ذلك سخرية تامة، والقول مازال لرودنسون، ولكن يبقى ثمة مجال رَحب، حتى في المجتمعات الأيديولوجية، لنشوء الموضوعية بصورة دائمة . في هذا المجال كان المستشرقون فئات مختلفة، فكان منهم من اهتم بدراسة المقامات فقط، وما شابهها من الدراسات، غير مهتم بما يمكن أن تؤول إليه فيما بعد . أما الآخرون من فرنسيين وألمان وإنجليز، فجعلوا من خدمة الوطن واجباً فرضوه على أنفسهم . بعضهم كان يتفانى في ذلك دونما حساب، والبعض الآخر بتفكير وانتقاد . وعندما كانت تُطلب منهم المشورَة، والسياسة منها أمر نادر جداً حسب رودنسون، كانوا يقدمونها . ولما كانوا من الذين يفتقرون إلى الأفكار النيرة الشاملة، فهم كانوا يعاودون استخدام الأفكار العامة السائدة في عصرهم . ومفادها أن الاستعمار مفيد للجميع، خاصة الشعوب المستعمَرَة (بفتح الميم والراء) . لم يكن هؤلاء في الحقيقة من أصحاب الفكر النير الممتاز . ولم تستحوذ المشكلات والمسائل الحقيقية على اهتمامهم بصورة كافية . والخلاصة، أنهم كانوا يفكرون بمنطق الأفكار السائدة في عصرهم . وأضيف فأقول: إنهم عندما كانوا يمضون عمرهم من أجل إصدار قاموس للغة التركية، أو لنشر ديوان المتنبي، فإن ذلك لم يكن ليخدم بصورة مباشرة أغراض الاستعمار، وإذا كان يفعل، وهو ممكن بالتأكيد، فبصورة غير مباشرة .

أما تصويرهم، باعتبارهم فرقة أو مجلساً بسلطات استثنائية، وعلى أنهم أرسلهم الاستعمار، وتوبيخهم، وتوبيخ المفكرين العرب لأنهم يستخدمون مناهج الاستشراق، فهي أمور في غاية الغرابة . إن هؤلاء هم الذين مَحصوا المناهج الأفضل، والأفضل بصورة موضوعية، لإنشاء تاريخ نقدي . وهم الذين علموا نقد النصوص . ورغم ما نجده عند ابن خلدون وغيره من نقد منهجي لما يحكيه رواة الحوادث والتاريخ، فإن أحداً لم يدفع بالمفكرين العرب بصورة منظمة ومنهجية نحو التاريخ النقدي مثلما فعلت المناهج الأوروبية عندما أعادت نشر المؤلفات العربية . ولم يحدث ذلك بسبب تفوق الأوروبيين على غيرهم، لكن لأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لعصرهم، سمحت لهم، فيما مضى، بأن يمضوا قدماً في طريق العلم قبل أن يحدث هذا الأمر في الثقافات الأخرى . طبعاً، لم تجر الأمور بصورة مستقيمة دائماً . بل إن هناك صعوداً وهبوطاً . ويمكن بالطبع توجيه الانتقاد إلى الكثير من أفكارهم، أرى شخصياً قصر نظر أكثريتهم، وافتقارهم للأفكار النيرة، وتكرارهم دونما نقد لأفكار كانت سائدة في مجتمعاتهم، . . .الخ، كل هذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً أنهم كانوا، بمقياس ما، أنموذجاً، فالشاغل الأساسي للمستشرقين كان الدراسة والبحث . وبصورة عامة لم يكونوا مهتمين بالعالم الإسلامي بما فيه الكفاية، فأغلبيتهم باستثناء المعمرين من الفرنسيين أساتذة اللغة العربية في مدارس الجزائر مثلاً لم تطأ أقدامهم هذا العالم . وكما كان يقول نولدكه، وكأن أعظمهم حسب رودنسون - فإن الشرق بالنسبة له هو فيينا . فهو لم يمض في رحلاته نحو الشرق أبعد من فيينا أبداً .

إن شهادة رودنسون هذه رغم اختلافنا مع بعض ما جاء بها، تبقى شهادة مهمة وأصيلة من شاهد من أهلها . إن هؤلاء الغربيين الذين يتعمقون في دراسة الحضارات الشرقية ويتحولون مع الزمن إلى علماء بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وتكون النتيجة أنهم يصبحون من دعاة المجد الشرقي ومن أنصار حضارته وتقاليده، ودياناتِه، أيضاً، فمن عرف شيئاً أحبه ومن جهل شيئاً عاداه .

لغويات

جاء في كتاب (المُزهِرْ) في علوم اللغة وأنواعها للإمام جلال الدين السيوطي:

قُدُم وقُثَم: رجل قُدُم يقدم في الحرب، وقُثَم يتقدم في العطاء .

ماكان يغرف بإناء فهو غَرْفَة .

عطعط : تتابع الأصوات واختلاطها في الحرب وغيرها .

العيظوم : الأكول .

رجل خابز ذو خبز، وتامر ذو تمر، ولابن ذو لبن، وتارس ذو تُرس، وفارس صاحب فرس، وماحض ذو مَحْض وهو اللبن الخالص، ودارع ذو دِرْع، ورامح ذو رمح، ونابل ذو نَبْل، وشاعر صاحب شِعْر .

اعتراف

تعلمت من مجلدات القاعة الشرقية، على نحو غير مباشر، فضل الاستشراق على التراث العربي، فقد قرأت الطبعة البريطانية من المفضليات بتحقيق لايل، ولا أذكر الدواوين التي حققها كرنكو أو غيره، وعرفت عن ما كتبه بلاشير الفرنسي عن تاريخ الأدب العربي عموماً، والمتنبي خصوصاً، فضلاً عن اكتشاف ماسينيون لنصوص الحلاج وتحقيقها، ولولا كتابه العمدة عن الحلاج ما استطاع صلاح عبدالصبور أن يكتب مأساة الحلاج متابعاً ما سبقه إليه أدونيس الذي أضاء معرفة الحلاج لعبدالوهاب البياتي وغيره . وكم أفدت في دراسة التراث الإسلامي من كتاب جولد تسيهر عن العقيدة والشريعة في الإسلام أو ما كتبه عن التفسير عموماً، ولا يزال معجم مفردات الحديث الذي قام به الألماني زامباور هو أهم معجم لألفاظ الحديث إلى اليوم وكيف أنسى كتاب دي بور الفرنسي عن الفلسفة الإسلامية بترجمة وتعليقات محمد عبدالهادي أبو ريدة، بل كيف أنسى أن نقد الشعر لقدامة بن جعفر قد عرفناه، أولاً، بفضل بونيباكر الإنجليزي، ومثله كتاب أسرار البلاغة لعبدالقاهر الجرجاني الذي طُبع، أولاً، في اسطنبول، وتجرني كتب البلاغة إلى كتاب البديع لابن المعتز الذي حققه وكشف عن أهميته المستشرق الروسي كراتشكوفسكي، ولا أنسى أن طبعات ألف ليلة وليلة ما كانت تصلنا لولا الجهد الاستشراقي، وينطبق الأمر نفسه على السير والملاحم ودواوين الشعراء .

د .جابر عصفور

أماكن في الذاكرة

هناك العديد من الأماكن التي يرد ذكرها في كتب التاريخ، وكتابات الجغرافيين والبلدانيين العرب والمسلمين، نقرأ تاريخها بشغف، ونتوق إلى رؤيتها، وزيارتها، ولكننا لانعرف أين تقع اليوم . هذه زاوية نعرّف من خلالها بهذه الأماكن . .

شنتمرية الغرب

وصفها صاحب (الرّوض المعطار): وشنتمرية على معظم البحر الأعظم، سورها يصعد ماء البحر فيه، اذا كان فيه المد، وهي مدينة متوسطة القدر، حسنة التربة، بها مسجد جامع، ومنبر وجماعة، وبها المراكب واردة وصادرة، وهي كثيرة التين والأعناب، وبينها وبين شِلب ثمانية وعشرون ميلاً . وهي مدينة تقع اليوم على شاطئ المحيط الأطلنطي، وهذا الاسم الحديث (فارو) هو لهذه البلدة الأندلسية القديمة، جاء ذكرها ووصفها في كتابات معظم البلدانيين والجغرافيين العرب تحت اسم (شنتمرية الغرب الأندلسية)، التي كانت أيام دول الطوائف في الأندلس دولة صغيرة مستقلة، هي دولة (بني هرون)، الذين حكموها من سنة 1026 الى سنة 1052م . ثم حكمها بنو عباد امراء إشبيلية، واستمرت بعد ذلك تحت حكم المسلمين أيام المرابطين ثم الموحدين، ثم سقطت في يد ألفونسو الثالث ملك البرتغال سنة 1249م، بعد أن حكمها المسلمون أكثر من خمسة قرون . شنتمرية الغرب هي مدينة فارو أو Faro - st Maria de Algarve التي تقع اليوم داخل حدود البرتغال .