حذر عدد من علماء الشريعة الإسلامية من التأثير الإعلامي والسياسي والشعبي في الأحكام القضائية في عالمنا العربي والإسلامي . . وطالبوا بإعطاء الفرصة للقضاة لإدارة محاكمات عادلة، وأكدوا أن الإسلام دين عدل وإنصاف ويرفض الظلم بكل صوره وأشكاله ويعتبر المحاكمة العادلة من أهم حقوق الإنسان، ولا فرق هنا بين متهم وآخر، فالكل أمام عدالة القانون سواء وهذا يقتضي أن تتم المحاكمات في أجواء تسودها روح المساواة والعدالة واحترام حقوق الإنسان .

في البداية يؤكد د .محمد الشحات الجندي أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر أن الإسلام لا يقر الاتهامات العشوائية ولا مطاردة الناس باتهامات لا دليل عليها ولا سند، فالمتهم أمام القضاء أياً كانت صفته له في ميزان شريعة الإسلام حصانة، وله حقوق أبرزها حق الدفاع عن نفسه في محاكمات قضائية لا تخضع لأي مؤثرات سياسية كانت أو إعلامية .

ويضيف: المحاكمة العادلة من أهم حقوق الإنسان فكل فرد من حقه الحصول على محاكمة عادلة تنصفه وتعيد إليه حقه، وهنا يقف الإسلام الحنيف بشريعته الغراء شامخاً بقيمه ومبادئه وأحكامه التي لا تقر فقط حق الإنسان في هذه المحاكمة العادلة بغض النظر عن دينه وجنسه ولونه، وإنما تجعل من هذا الحق واجباً على كل أفراد المجتمع بمختلف طوائفه وطبقاته يلزمهم تطبيقه وتجسيده في واقعهم الحياتي المعاش باعتباره فرض عين .

ويطالب د .الشحات الجندي المسلمين حكاماً ومحكومين بضرورة الانحياز للعدل فهو نداء الخالق لكل خلقه إن الله يأمر بالعدل والإحسان، كما يطالبهم بالتخلي عن شهوة الانتقام، وتذكر قول الحق سبحانه ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى .

ويقول: العدل قيمة عظمى من قيم التشريع الإسلامي، عليه أقيمت نظرياته وشيدت أصوله وأحكمت قواعده .

وقد أولاه الإسلام عنايته الكبرى لما له من أثر فعال وإيجابي في حياة الناس من حيث انتظام الأمور وإيتاء الحقوق وتجذر الطمأنينة في نفوس الناس جميعاً بغض النظر عن اختلاف الدين أو الجنس أو اللون أو اللغة أو الوضع الاجتماعي .

قيمة لا تتجزأ

د .أحمد كمال أبوالمجد الفقيه القانوني والمفكر الإسلامي يدين كل صور التأثير في القضاء في عالمنا العربي والإسلامي سواء أكان مصدر هذا التأثير سلطة أو شعباً أو إعلاماً ويؤكد أن الإسلام ألزمنا بتوفير كل أجواء المحاكمة العادلة للمتهم أياً كانت صفته وأياً كانت جريمته، وفي ساحة القضاء ينبغي أن يحظى كل متهم بحقوقه ومن أبرز هذه الحقوق حق الدفاع عن النفس .

ويضيف: العدل من أرفع القيم التي ينبغي أن يتحلى بها القاضي في كل ما يصدر عنه من أحكام . . ومن هنا لا يجوز الانسياق وراء رغبات الناس والاستجابة لشهوة الانتقام التي تسيطر على كثير منهم، فالإسلام يأمرنا بأن نقف بكل شجاعة وصلابة في وجه الظلم وأن نمد أيدينا لنصرة المظلوم . ويؤكد د . أبوالمجد أن الشيء الرائع الذي أكد عليه القرآن في ترسيخه لقيمة العدل ونبذ الظلم أنه لم يتهاون في تطبيق هذه القيمة العظيمة في تعاملات المسلم مع من يكرههم أو يعاديهم . . فالله سبحانه وتعالى يقول: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى . . والإسلام يعلن بذلك أنه لا يقبل أنصاف الحلول في تطبيق العدل، فالعدل ينبغي أن يسود في كل الأحوال حتى ينعم الناس بالسكينة والاستقرار ويتفرغوا للبناء والتعمير وفعل الخير .

والعدل قيمة لا تتجزأ ولا تعرف الانتقاء في تطبيقها، فالكبير والصغير والغني والفقير والقوي والضعيف، والحاكم والمحكوم أمام موازين العدل سواء . . ومن هنا يؤكد الإسلام على تطبيق مبدأ العدل على جميع الناس من دون استثناء، وكما يقول القرآن الكريم: ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين والنبي صلى الله عليه وسلم يضرب لنا المثل حين يقول: والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها . . وعندما تولى أبوبكر الصديق، رضي الله عنه، الخلافة قال في أول خطبة له: الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله .

الاحتكام إلى الشريعة

الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية والعميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بالأزهر يؤكد أن شهوة الانتقام التي تسيطر على نفوس كثير من الأفراد ضد حكامهم وأثريائهم من شأنها التأثير في مجرى العدالة في المحاكمات القائمة وهنا يطالب د .عثمان بضرورة الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية التي أدى غيابها عن التشريعات العربية إلى نشر الظلم بين الناس ويقول: نحن أمة تحكمها شريعة . . شريعة تتسم بالإنصاف والعدل في كل أحكامها وتشريعاتها، وعندما تغيب الأحكام الشرعية ونستعيض عنها بقوانين وتشريعات وافدة من هنا وهناك، فمن الطبيعي أن تتلاشى قيمة العدل، وهنا يؤكد الدكتور عثمان ضرورة أن تكون الشريعة الإسلامية بأحكامها العادلة وتشريعاتها التي لا تفرق بين حاكم ومحكوم هي المصدر الأساسي للتشريع في عالمنا الإسلامي .

وإلى جانب ذلك يؤكد ضرورة نشر ثقافة العدل بين الناس والترحيب بكل المنظمات والهيئات والمؤسسات التي تعنى بحقوق الإنسان وترفض كل أشكال الظلم التي يتعرض لها .

ويضيف: يجب أن تعلم الأنظمة الحاكمة في عالمنا الإسلامي أن تطبيق قيمة العدل بين كل الناس هو طريق الأمن والأمان والاستقرار والعدل يتحقق بإعطاء كل ذي حق حقه، سواء كان حاكماً أو محكوماً وهذا أمر من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار الذي يبحث عنه أي مجتمع .

وسبيل العدالة في الدولة الإسلامية كما يقول د .رأفت عثمان أن تقوم على تطبيق الشريعة بالإنصاف والقسطاس المستقيم من دون تفرقة بين العدو والصديق، والمسلم وغير المسلم، وهذا هو العدل الذي عناه الإسلام . . فهو يكون بتحري المساواة، وبإيصال الحق إلى صاحبه من أيسر الطرق وأسهلها .

منهج شامل

وقد تشدد الفقهاء في طلب العدالة من القاضي تأسياً بالنصوص والأحكام التي وردت في ذلك وهو ما حكاه الرازي عن الإمام الشافعي بقوله: ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء: الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم عليهما . فهذه توجيهات رشيدة ينبغي على القاضي أن يتمثلها كدستور يسير عليه لتحقيق المحاكمة العادلة .

وحتى تكون المنظومة المتعلقة بعملية التقاضي محكمة في عناصرها فإن الإسلام وضع منهجاً شاملاً يختص بعناصر التقاضي الثلاثة، الأول: القاضي: وهو رأس العملية وقد اعتنى الشارع به في صفاته الدينية والدنيوية التي تجعله على أكفأ ما يكون، وأهلاً للاضطلاع بأعباء وظيفته وأبرز الشروط التي تمكنه من ذلك: القدرة العقلية والصحة الدينية والجسدية والفضائل النفسية وهي جماع الحقائق ومكونات طبيعية ومكتسبة تضمن العدالة في إصدار الأحكام .

ثاني العناصر: إدارة الجلسة وتكون على مقتضى التسوية بين الخصوم وعدم التمييز لأي سبب من الأسباب التي قد تحمل على مجاملة خصم دون الآخر .

أما العنصر الثالث في عملية التقاضي كما يقول د .الجندي فهو الخصوم: وقد سلك الشارع مع الخصوم شأنه في سياساته لضمان الالتزام بأحكامه . . طريقة التربية الإيمانية وغرس الضمير الديني ليكون للخصم وازع من نفسه ومن أعماقه الداخلية ما يحد من اندفاعه وراء أطماعه وطموحاته التي قد تجاوز الحق وتؤدي إلى أكل المال بالباطل فقال تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون .