البدعة من المفاهيم الشرعية التي كثر الجدل حولها عبر التاريخ الفقهي القديم، خاصة أن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية حذرت من الابتداع في الدين، كما ربط البعض بين ظهور بعض الفرق المنحرفة دينيا وبين البدعة والابتداع .

وفي الوقت الحالي، يشتد الجدل حول مفهوم البدعة . وهل هي في أمور الدين فقط أم هناك بدع في أمور الدنيا؟ ومتى تكون البدعة ضلالة في الحكم الشرعي؟ وكيف قرن البعض بين البدعة ومخالفة السنة؟ وكيف يدافع البعض عن الابتداع، رغم أن كثيراً منه فيه مخالفة واضحة لشرعية الدين وعباداته؟!

العالم الفقيه الدكتور محمد المختار المهدي أستاذ الدراسات الإسلامية بالأزهر وعضو هيئة كبار العلماء يضبط مفهوم البدعة، ويقول: البدعة تعني في الاستخدام اللغوي الاختراع على غير مثال سابق، وفي القرآن وردت الكلمة نحو أربع مرات في هذا المعنى، من ذلك قول الحق بديع السماوات والأرض أي الله خالق السماوات والأرض ابتداء وليست تقليداً لمثال سابق .

وهي تعني بالمفهوم الشرعي طريقة في الدين اخترعها البعض تشبه الطريقة الشرعية المعروفة، يمارسها الإنسان في العبادة والسلوك، قد تكون بقصد المبالغة في التدين، وقد تكون بقصد المخالفة في التدين .

هي إذن محدثة من المحدثات التي أحدثها البعض بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقف الوحي، على اعتبارها من الدين أو الشرع، بداعي الشبهة أو التشبه أو التأويل الذي أبعد الفعل عن طريقة الدين والتدين، ولم يأمر بها الشرع ولم يقرها الرسول .

الحقيقة والإضافية

ويفرق العلماء بين نوعين من البدع:

- الأولى: الحقيقية أي أن العقل كله مبتدع ولم يدخل في الدين لا من ناحية القرآن الكريم ولا من ناحية السنة وعمل الصحابة . مثال الرهبانية وترك الزواج كله، فهذا من البدعة الحقيقية .

- الثانية: وهي البدعة الإضافية، وهي أن يكون الفعل له أصل شرعي ولكن يدخله البدعة، بالإضافة في الزمان أو المكان أو الكيفية أو الكمية مثل: الطواف، فهو في ذاته مشروع في مكان الكعبة، ولكن يفعله بعيدا عن الكعبة فهو بدعة، وصيام الاثنين والخميس سنة شرعية، ولكن من يصوم مثلاً يوم ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم أو عند النصف من شعبان باعتباره من الدين، فهو بدعة، وذكر الله عمل مشروع ولكن من يحرف في طرق الذكر فهو مبتدع .

وهكذا تسمى البدعة الإضافية لكونها إدخالاً على الدين ما لم يكن منه في المكان أو الزمان أو الكيفية .

ولا يوافق معظم العلماء على فكرة تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، فالأمر إن كان له أصل من الدين والسنة فهو من الدين والسنة، وإن لم يكن له أصل فهو من المحدثات .

أما ما قاله بعض العلماء مثل الإمام الشافعي من أن البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فالمقصود بهذا ما ابتدع في المصالح والمنافع في المعايش الدنيوية، فهذه تقاس بمدى تحقيقها لمصالح البلاد والعباد .

وهكذا يميل العلماء إلى أن مفهوم البدعة خاص بما يتعلق بالعقائد والشرائع والعبادات، أي بالأمور الدينية، أما ما يتعلق بالحياة والمعايش وما يدور حولها فهو من القضايا الواسعة التي تتسع فيها دائرة النفع والضرر والذم والقبح، وتقاس بمقاصد الإسلام ومصالح العباد واجتهاد العلماء فيما يحقق النفع العام للناس في الدين والدنيا .

خطورة الابتداع

ورغم وضوح دين الإسلام وأحكامه، فقد وقع بعض الناس في شبهات البدع ومخالفات الابتداع .

ويشير الدكتور المهدي إلى عشرات النصوص الشرعية التي بينت خطورة الابتداع في الدين، من ذلك قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون، وفي آية أخرى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم .

وفي الحديث: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا ثم قال: هذه سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا: وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون .

وفي حديث مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أي بدعة مردودة .

وهكذا تكون البدعة المردودة ما يستحدث بعيدا عن الشريعة والسنة في أمر الدين، وذلك هو جماع حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي .

أما لماذا وقع الناس في البدع والابتداع . فقد رصد العلماء أسباباً عدة لهذا، بعضها يرجع إلى سلوكيات العامة من الناس، وبعضها يعود إلى اختلاف بعض الفقهاء في استنباط الحكم الشرعي .

فبعض البدع نشأت بميل الناس للتقليد والتخفف من التكاليف . أو بسبب الجهل بصحيح السنة النبوية أو سكوت العلماء عن تقويم البدعة وتوجيه الناس، وقد تكثر البدع بوجود المفتين الجهال، الذين حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منهم عندما قال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا .

وقد توجد البدعة بسبب اتساع رقعة العالم الإسلامي واختلاطه بشعوب ذات عادات قديمة، بل ووجود بعض المذاهب مثل الباطنية والملاحدة وغلاة الصوفية، ممن أسسوا ودافعوا عن البدع، كما حدث في مستحدثات القبور والنذور والموالد والأعياد والملابس والمساجد وبدع التعصب المذهبي .

وقد تتكاثر البدع بسبب ميول بعض الحكام الشخصية عندما مارسوا المستحدثات ووضعوها في طقوس شعبية أو استخدموها لاستمالة شريحة معينة من المتدينين على حساب شريحة أخرى، بل استخدم الحكام في بعض الأحيان العلماء والفقهاء لتبرير بدعهم حتى وقع بعضهم في داء التعصب ووقع آخرون في داء التقديس أو الإطراء للحاكم أو للعالم أو للوالي، وهو الخطأ الذي حذرنا منه الإسلام الحنيف ففي القرآن: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون . وفي الحديث: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله .

لا تهوين ولا تهويل

ويحذر العالم الدكتور محمد المختار المهدي من التهوين من أمر البدعة والابتداع، ومن التهويل أيضا في أمر البدعة والابتداع، ويضع عدة ضوابط شرعية يمكن أن تحدد المفهوم الشرعي للبدعة، بحيث لا يتحلل البعض من الدين والسنة ولا يتشدد البعض الآخر بما ليس من الدين والسنة، ومن هذه الضوابط:

- التفريق في درجات المخالفة في البدع، فبعض المخالفات قد تخرج صاحبها من الملة، وبعض المخالفات من المعاصي الهينة يعالجها الدين بالتوبة وحسن النية والعمل .

فبدع الغلو في الصالحين، قد تدخل في الشركيات المناهضة للتوحيد، وقد تقع المعاصي في الاعتقاد بمعرفة الولي بالغيب وربما السجود له أو النذر له من دون الله، أو بدعة الاستغناء عن السنة والاكتفاء بالقرآن الكريم فقط . وهي بدع في العقيدة وأصول التشريع لا يجوز التخفيف من خطرها، ولهذا قال الحق: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته وقال: وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو، وفي حديث يقول رسول الله: من تعلق تميمة فقد أشرك .

- البعد عن انشغال العامة بالاختلافات التي يراها العلماء . فالابتداع من الأمور التي تتصل بأصول التشريع وهي المسائل التي يهتم بها الفقهاء، ومن الخطر أن ينزل العلماء بخلافاتهم إلى البسطاء من الناس، بل للعلماء أن يبسطوا الأمور للعامة وأن يأخذوا كثيرا من تصرفاتهم بحسن النية وبغلبة العادات عليهم، لأن كثيراً من البدع هي من أمور العادات والتقاليد، كما في بعض عادات الأكل والسلام، أو في بدع الاحتفالات وبدع الجنائز والأعياد، أو بدع رفع الصوت وإنشاد الضالة في المسجد أو بدع المآتم والسرادقات .

- فهم النصوص النبوية بضابطها الشرعي، بحيث نفهم الحديث في ضوء القرآن ونعرف درجة سنده، ونعرف الحديث الوارد في الموضوع، ومقاصد الأمر أو النهي، كما ينبغي أن نعرف لغة الحديث وهل هو على الحقيقة أم على المجاز؟

وهذا الضابط إن لم يراعه المسلم وقع في المحظور . وسوف أسوق مثالاً واحداً على ما أقول: فعندما يقول البعض بتقصير الثوب بداعي أن الحديث نهى عن تطويل الإزار وقال: ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار .

فيجب هنا أن نفهم هذا في ضوء الحقائق الشرعية الكلية، وهي أن الإزار أو الجلباب في حد ذاته ليس هو المطلوب، بل المطلوب هو ستر العورة، وأن لكل زمن لباسه، فتطويل الملابس الآن أو تقصيرها يتبع نوع اللباس ووظيفته، ومسألة التشبه بالقوم نسبية وحسب النية والقصد . كما يجب أن نفهم أن قصد النهي واضح في أكثر من حديث عندما ربطه الرسول بعلة الغرور والكبر، كما وضح في حديث البخاري: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة .

إن واجب المسلمين اليوم أن يتجنبوا مظاهر الخلاف، وأن يحتكموا إلى كتاب الله وسنته، وأن يتعاونوا على أصول الإسلام الكلية، وأن يقاوموا التفريط أو التطرف، وعلينا جميعا أن ندرك أن كل الناس خطاؤون وأنه لا أحد لديه العصمة في الفهم والفقه . فكل مسلم، سواء كان من عامة الناس أو من علمائهم، عليه أن يعرف قدر جهده، ويتقي الله قدر استطاعته، وأن يجدد نيته بالإخلاص لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .