البراء هو شقيق أنس بن مالك أكثر الصحابة رواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم، حيث عاش أنس في كنف النبي خادماً مطيعاً، وتلميذاً نابهاً ومبلغاً أميناً وراوية ثقة، بعد أن وهبته أمه أم سليم للنبي صلى الله عليه وسلم حين ذهبت إليه وهو في العاشرة من عمره وقالت: يا رسول الله، هذا أنس غلامك يخدمك، فادع الله له، فاستلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله بين عينيه ودعا له دعوة بقيت تظلله بالخير والبركة طوال حياته، حيث قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له وأدخله الجنة .
وبفضل هذه الدعوة المستجابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش أنس بن مالك تسعا وتسعين سنة، ورزقه الله الكثير من البنين والحفدة، كما أجزل عطاءه من المال، وسبحان الذي يرزق من يشاء بغير حساب .
ولم يكن أنس والبراء بعيدي النسب عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فهما ابنا مالك بن النضر بن ضمضم من بني النجار أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أشراف الخزرج في المدينة .
وإذا كان أنس قد عاش عمراً طويلاً عامراً بالإيمان والعطاء فإن أخاه البراء بن مالك قد نال الشهادة في إحدى معارك الفتوحات الإسلامية، وقد عاش الإخوان حياتهما معاً في سبيل الله ولم يتخلفا عن موقعة مع رسول الله ولا عن معركة دعيا إليها بعد وفاته، صلى الله عليه وسلم، وكانا في كثير من المعارك التي شاركا فيها متقاربين ومتلازمين يشد كل منهما أزر أخيه .
بطل الحديقة
كان البراء بن مالك يقبل بكل جسارة على المشاركة في الغزوات والمواقع ففي معركة اليمامة التي كانت فاصلة وحاسمة في القضاء على فتنة الردة وادعاء النبوة، بادر البراء بالانضمام إلى جيش المسلمين تحت قيادة خالد بن الوليد، تماما مثلما فعل كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، الذين هبوا للدفاع عن دينهم منتصرين لقول الله عز وجل: ولينصرن الله من ينصره، وقوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .
اندفع المسلمون الصادقون في مواجهة عاتية مع قوى الكفر والضلال بقيادة مسيلمة الكذاب مدعي النبوة، واحتدمت المعركة وسقط القتلى والجرحى من الجانبين، ولاح في الأفق أن كفة الحرب تميل لمصلحة جيش المرتدين، فدب الخوف في قلوب بعض المسلمين وكادت تتفرق صفوفهم، وأدرك قادتهم مقدار الخطر الذي يتهدد دينهم وأمتهم في حاضرها ومستقبلها، فاستنفروا خطباءهم وشعراءهم يستنهضون همم المقاتلين ويذكرونهم بوعد الله بنصر عباده المسلمين .
ونادى خالد بن الوليد البراء بن مالك قائلا: تكلم يا براء .
وكان البراء بن مالك جميل الصوت عالي النبرة، فهتف بإخوانه من الأنصار: يا أهل المدينة: لا مدينة لكم اليوم، إنما هو الله والجنة .
وكان لكلمات البراء وغيره من قادة الجند أثرها السحري في نفوس المقاتلين الذين تسابقوا لقتال المرتدين، ولم يكتف البراء بهذا، بل قرن القول بالعمل وتقدم بكل جسارة واندفع إخوانه لا هدف لهم جميعا سوى النصر أو الشهادة، فبدأت جموع المرتدين تتراجع وجموع المؤمنين الموحدين تتقدم وتتلاحم وتستعيد زمام المبادرة والثقة والنصر .
واحتمى جنود الكفر بحديقة ذات حائط سور مرتفع، وهنا ظهرت شجاعة البراء بن مالك واستعداده للتضحية، حيث لاحظ المسلمون وجود حائط قد أغلق بابه فجلس البراء بن مالك على ترس وقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم .
ولم ينتظر أن يفعلوا فاعتلى الجدار وألقى بنفسه داخل الحديقة وفتح بابها مما مكن جنود الإسلام أن يقتحموا الحديقة فأدركوه وقد قتل منهم أي من المشركين عشرة .
وعاد جيش المسلمين إلى المدينة وقد كتب الله سبحانه له النصر وتمكن من إخماد الفتنة في معركة اليمامة الفاصلة، وكان نصيب البراء بن مالك من هذه الموقعة الفاصلة بضعة وثمانين جرحاً .
شجاعة نادرة
نهض البراء بن مالك من مرضه بعد أن شفيت جروحه وواصل مشواره في قتال الكفار، وكانت وجهته بلاد فارس، حيث تخوض جيوش الإسلام معارك ضارية ضد الفرس الذين ناصبوا الإسلام العداء، ثم تربصوا بالمسلمين بهدف القضاء عليهم، فقد أصاب الفرس فزع شديد حينما رأوا حلفاءهم العرب الذين يجاورونهم يدخلون في الإسلام، يعلنون ولاءهم للدولة الإسلامية، ورأوا أن دولة الإسلام تهدد إمبراطوريتهم التي كان الروم يخشونها .
في إحدى معارك المسلمين مع الفرس استعمل جنود الفرس كلاليب مثبتة في أطراف سلاسل محماة بالنار وكانوا يلقون بكلاليبهم من الحصن الذي تحصنوا به فتخطف من تطوله من المسلمين المحاصرين للحصن، وسقط أحد هذه الكلاليب على أنس بن مالك فتعلق به، وخشي أنس أن يمس السلسلة الملتهبة خوفاً من أن تحرق يديه، وكاد الفرس أن يرفعوه إليهم ليقتلوه لولا أن هب لنجدته الفدائي البراء بن مالك الذي أسرع إلى أخيه ليخلصه من محنته وقبض على السلسلة بيديه واجتهد في قطعها فقطعها، واحترقت يدي البراء غير أنه أنقذ شقيقه من القتل وأثنى المقاتلون على شجاعته النادرة .
شهيد تستر
وخاض البراء مع جيوش الإسلام معركة تستر التي استسلم في نهايتها هرمزان الفرس، وكان الهرمزان يقود جيش الفرس، إضافة إلى أهل الأهواز الذين انضموا إليه، وحاصر المسلمون الفرس عدة أشهر جرت خلالها معارك ضارية، وكان البراء يندفع بين جنود الفرس فيقتل منهم ما يشاء، وقد كثرت المبارزة طوال فترة الحصار، وذكرت كتب التاريخ أن البراء بارز مئة مقاتل فارسي فصرعهم جميعا، وفي الزحف الأخير للمسلمين على الفرس استنجدوا بالبراء وقال المسلمون له: يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم فقال: اللهم اهزمهم لنا واستشهدني .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره . . منهم البراء بن مالك .
واستجاب الله سبحانه للبراء بن مالك، فقد انهزم الفرس في هذه المعركة واستشهد الفدائي البطل البراء بن مالك، كما استسلم الهرمزان قائد الفرس وحملوه إلى عمر بن الخطاب في المدينة، وحينما طلب الهرمزان الأمان من عمر حتى يشرب الماء أمنه، فلما رفض شربه وقال لعمر: لقد أمنتني، قال عمر: أنا أؤمّن قاتل مجزأة والبراء بن مالك؟ وأخيراً أسلم الهرمزان فأبقاه عمر في المدينة وفرض له عطاء بلغ ألفي درهم .
وكان البراء مقيماً في البصرة قبل أن يلحق بجيش النعمان بن مقرن الذي حارب الهرمزان، وكان أبو موسى الأشعري حينذاك أميراً للبصرة، فكتب إليه عمر بن الخطاب بإرسال جيش إلى الأهواز، وقال له: اجعل أمير الجند سهيل بن عدي وليكن معه البراء بن مالك، وقيل إن عمر لم يطلب تأمير البراء على الجنود لما يعرفه من أن البراء يستعجل الشهادة، وكان معروفاً عنه جرأته وإقدامه على قتال المشركين من دون أن يناور أو يحتال لهزيمة عدوه بأقل الخسائر، فالبراء لا يهتم بالخسائر البشرية، لأن الشهادة في سبيل الله ظلت أمنية ينشدها في كل حروبه ضد المشركين، ولهذا لم يتخلف عن معركة أو غزوة . وذات مرة زاره بعض الصحابة في مرض له، فتفرس وجوههم، وظهر له أنهم يخشون وفاته في مرضه هذا، فقال لهم: لعلكم ترهبون أن أموت على فراشي، لا والله لن يحرمني ربي الشهادة، وقد أقسم أن الله لن يحرمه الشهادة، وكان واثقاً من قسمه بعد أن قال عنه صلى الله عليه وسلم إنه لو أقسم على الله لأبره .