البشير النذير هو النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى واصفاً إياه: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (سورة البقرة الآية:119)، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (سورة سبأ الآية:28)، قال ابن كثير رحمه الله عند تفسير البشير النذير قال: تارة يبشر المؤمنين وتارة ينذر الكافرين . انتهى .
وقال الطبري: مبشراً من اتبعك فأطاعك وقبل منك ما دعوته إليه من الحق بالنصر في الدنيا والظفر بالثواب في الآخرة والنعيم المقيم فيها، ومنذراً من عصاك فخالفك ورد عليك ما دعوته إليه من الحق بالخزي في الدنيا والذل فيها والعذاب المهين في الآخرة .
يشير كتاب أسماء النبي في القرآن والسنة للدكتور عاطف قاسم المليجي إلى أن القرآن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالبشير إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (سورة البقرة الآية: 119) . وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (سورة سبأ الآية: 28) .
ويشرح الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، تفسير هذه الآية فيقول: معنى بَشِيراً وَنَذِيراً . . (سورة سبأ الآية: 28) من البشارة، وهي أن تخبر بخير لم يأت أوانه بعد، ويقابلها النذارة، وهي أن تخبر بشرٍّ لم يأْتِ أوانه بعد، فميزة البشارة أنها نخبرك بالخير القادم لك لتأخذ بأسبابه وتقبل عليه وتجتهد في سبيله، وأنت مشتاق إليه، كذلك النذارة تحذرك من الخطر المقبل لتنصرف عن أسبابه وتدفعه عنك . وكلمة (كَافَّة) تعني جمع شتات الناس في كل زمان ومكان، بحيث لا يخرج منهم جنس ولا جماعة، ولا يشذ عن منهجه أحد .
من صفات الله
في تفسير القرطبي أن الرسول بعث مبشراً بالجنة ونذيراً من النار، قال تعالى: وما أرسلناك وكيلاً ولا مسيطراً، وقال تعالى: قل ما أسألكم عليه من أجر .
وفي تفسير ابن كثير أن الرسول بعث بشيراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين، مبشراً بالجنة لمن أطاع الله، ونذيراً بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله . يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (سورة الأحزاب الآية: 45) فهو صلى الله عليه وسلم مبشر المتقين برضى رب العالمين، ومبشر الخائفين بالأمن من يوم الدين، ومبشر المشتاقين بالنظر إلى وجه الملك الحق المبين، ومبشر لأهل الطاعة بالثواب والمغفرة وبالجنة والشفاعة .
ويخبر القرآن بأن التبشير صفة من صفات الله تبارك وتعالى لأنه يبشر عباده بكل خير . يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً (سورة مريم الآية: 7) .
إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (سورة آل عمران الآية: 45) .
وروى البخاري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يارب فيقول الرب: هل بلغت، فيقول نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير فيقول لنوح من يشهد لك؟ فيقول محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فتقول تلك الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟ فيقول لهم الرب سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون ربنا بعثت إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب: صدقوا .
البشير اسم فاعل من بشر . وقال في الصحاح: البشير: المبشر، فهو صلى الله عليه وسلم مبشر المتقين برضى رب العالمين، ومبشر الخائفين بالأمن من يوم الدين، ومبشر المشتاقين بالنظر إلى وجه الملك الحق المبين، ومبشر لأهل الطاعة بالثواب والمغفرة وبالجنة والشفاعة .
أعلى مقام
شاهد ومبشر ونذير بين الله عز وجل أنه يبعث الرسل إلى الأمم المختلفة ليقيم عليها الحجة ويغلق أمامها أبواب الاعتذار: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . ومحمد عليه الصلاة والسلام بمقتضى نبوته ورسالته كان شاهدا ومبشرا ونذيرا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً . فمحمد صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته بما بلغها من رسالة ربه عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً، وأمته شهيدة على الأمم الأخرى: وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . والشهادة لا تكون إلا بعد الإنذار والتبشير، والإنذار إنما يكون بما أنزله الله من وحي: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ . قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ . وأنذر بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . ومضمون الإنذار، بيان ما يأمر الله عز وجل به عباده أن يفعلوه، وما يناهم عنه أن يقترفوه، ثم تحذيرهم مما أعده للعصاة منهم من عذاب أليم يوم القيامة: وأنذر النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ . وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ . أما التبشير، فهو للمستجيبين لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذين اختاروا أن يكونوا مؤمنين طائعين .