كان في الدنيا من الزاهدين، وفي الآخرة من الراغبين، وعلى الصيام والقيام من المحافظين المداومين.
الإمام البيهقي (994 1066م) الحافظ الفقيه أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى الخسروجردي البيهقي، محدث شهير، وفقيه شافعي كبير، ولد في شهر شعبان سنة 384 بقرية خسروجرد إحدى قرى بيهق. وتوفي في جمادى الأولى 458ه بنيسابور ودفن في بيهق.
تلقى دروس الفقه على أبي الفتح ناصر بن العمري المروزي (نسبة إلى مدينة مرو) جد في طلب الحديث، ورحل من أجله شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا في بلاد الإسلام.
جمع وألّف ورتب وصنف ونبغ في علوم الحديث، وأصبح من أعلامه المرموقين ورواته المعروفين، حافظا لمتونه، خبيرا بعلله وأسانيده وطبقاته.
كان في حياته من الزاهدين المتقين العاملين المحسنين، وصاحب خلق ودين.
قال أبو الحسن عبد الغفار الفارسي في ذيل تاريخ نيسابور عن الإمام البيهقي: هو الفقيه الحافظ الأصولي الورع واحد زمانه، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله.
وقال عنه الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ: بورك في عمله، لحسن مقصده، وقوة فهمه وحفظه.
وقال ابن صلاح عن كتاب سنن البيهقي: ما تم كتاب في السنة أجمع للأدلة من كتاب السنن الكبرى للبيهقي وكأنه لم يترك في سائر الأقطار حديثا إلا قد وضعه في كتابه.
شرحه وعلق عليه العلامة علاء الدين بن علي المارديني (الشهير بالتركماني) المتوفى سنة 747ه، وطبع الكتاب مع شرحه في 10 مجلدات بالهند سنة 1344ه.
والإمام البيهقي غزير في إنتاجه العلمي وقيل إنه كتب ألف جزء (كراسة أو مذكرة).
ومن مؤلفاته: السنن الكبرى، السنن الصغرى، دلائل النبوة، شعب الإيمان، مناقب الشافعي، مناقب الإمام أحمد بن حنبل، نصوص الشافعي (10 مجلدات)، المدخل، الدعوات، الزهد، البعث والنشور، المعتقد، الترغيب والترهيب، الأسرى، الآداب، فضائل الأوقات، الأسماء والمصنفات، المدخل، الآثار، السنن والآثار (16 مجلدا).
يقول عنه د. أحمد عمر هاشم أستاذ الحديث بجامعة الأزهر في موسوعة أعلام الفكر الإسلامي: طلب منه العلماء الانتقال إلى نيسابور فأتاها سنة 441ه (وعمره 57 سنة) وكان له فيها مجلس علم وفقه وحديث يشهده الأئمة. وكان على سيرة العلماء قانعا باليسير متجملا في زهده، وورعه، كثير الصيام.
أشهر المسانيد
اقتصر تدوين السنة النبوية في أول الأمر على كتابة الحديث فقط، لحفظ لفظه ومعناه لاستنباط الأحكام، ودراسة الفقه والتفسير، كما فعل عبد الله بن موسى الضبي، وأبو داود الطيالسي وغيرهما، ثم جاء الإمام أحمد بن حنبل ومن جاء بعده الذين أثبتوا الحديث في مسانيد رواتها من الصحابة، ومنها مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكل ما روي عنه، ومسند عمر بن الخطاب وهكذا باقي الصحابة.
وأثبت البعض الأحاديث في أبوابها، ومنها أحاديث الصلاة في مسند، وأحاديث الصوم في آخر، وأحاديث الزكاة في الثالث وهكذا.
وظهرت مسانيد أخرى تذكر متن الحديث وشرح غريبه، وإعرابه، ومعانيه، ولا تتعرض هذه الكتب لذكر الأحكام كما فعل أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة وغيرهم.
ومنهم من أضاف في مسانيده الأحكام وآراء الفقهاء واجتهادات العلماء، كأبي سليمان أحمد بن محمد الخطابي في معالم السنن، وأعلام السنن، ومنهم من اقتصر على غريب الحديث، وشرح الكلمات الغريبة بعد تبويبها وترتيبها، كما فعل أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي.
ومنهم من استخرج الأحكام الشرعية غير الجامعة، فدونها وأخرج متونها، كما فعل أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في المصابيح.
وكانت مدرسة أهل الحجاز في الأسانيد أعلى مما سواها وأمتن في الصحة لاشتدادها في شروط النقل والدقة والضبط، ومن أعلامها الإمام مالك صاحب الموطأ ومن بعده أصحابه الشافعي والعتبي وابن وهب ومن بعدهم الإمام أحمد بن حنبل.
ومن أشهر مسانيد الحديث الشريف: مسند ابن أبي أسامة الحارث التميمي (توفي 282ه)، مسند ابن أبي شيبة للإمام أبي بكر الواسطي الكوفي (ت 235ه)، مسند ابن أبي عاصم للإمام أحمد بن عمرو الشيباني (ت 287ه)، مسند أبي عمرو: للإمام محمد العدني (ت 243ه)، مسند ابن جميع، للإمام محمد بن جميع الغساني (ت 402ه)، مسند ابن راهويه للإمام إسحاق (ت 238ه)، مسند ابن شيبة للحافظ أبي يوسف الدوري، مسند أبي داود، للإمام سليمان بن داود الطيالسي (ت 204ه)، مسند أبي العباس السراج للإمام محمد بن إسحاق النيسابوري (ت 313ه)، مسند أبي هريرة للإمام أبي إسحاق بن إبراهيم العسكري (ت 282ه)، مسند الإمام أبي عبد الرحمن بن مخلد القرطبي (ت 772ه)، مسند الإمام أبي محمد بن حميد الكشي (ت 249ه)، مسند الإمام أبي يوسف، مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت 241ه)، مسند الإمام أبي حنيفة النعمان الكوفي (ت 150ه)، مسند الإمام موسى بن جعفر الكاظم، مسند انس بن مالك للإمام أبي جعفر الحنيني، مسند الأوزاعي، مسند البزار، مسند حسن بن سفيان، مسند الحلواني، مسند الحميدي، مسند الخوارزمي للحافظ أبي بكر البرقاني (ت 425ه)، مسند الديلمي، مسند الرامهرمزي، مسند الروياني، مسند الشافعي، مسند الشاميين للإمام أبي زرعة، مسند الشهاب، مسند الصحابة للسيوطي، مسند العشرة للإمام أبي بكر القطيعي، مسند علي بن موسى الرضي في فضل أهل البيت، مسند عمر بن الخطاب للإمام أبي بكر أحمد النجار، مسند العنبري للإمام أبي إسحاق إبراهيم الطوسي (ت 280ه)، مسند الفردوس لأبي نصر الديلمي، مسند القضاعي، مسند القاسم بن سلام البغدادي، مسند مسدد بن مسرهد (ت 228ه)، المسند المنتخب للإمام علي بن عبد العزيز البغوي.
بيهق وخسروجرد
تشتمل منطقة بيهق بخراسان على عدد من القرى، منها قرية خسروجرد التي ينتسب إليها الإمام البيهقي. وتشتهر باستخراج الرخام من محاجره، وتصنيعه.
وينتسب إلى هذه المنطقة عدد من الأعلام في العلوم المختلفة، منهم محمد البيهقي (996 1077م) وهو مؤرخ فارسي شهير له كتاب تاريخ سلاطين غزنة، ويقع في 30 مجلدا ويسمى أيضا تاريخ بيهق.
قال عنه عبد الملك النيسابوري (إمام الحرمين) (1028 1085): كان أكثر الناس انتصارا للمذهب الشافعي، وما من شافعي إلا وللشافعي عليه منّة (فضل)، إلا البيهقي فإن له المنة على الشافعي، لتصانيفه في شرح مذهبه، وتخريج الأحاديث التي استدل عليها.
تعلم على الحاكم أبي عبد الله وأبي بكر بن فورك، وأبي عبد الرحمن السلمي. وتتلمذ عليه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو الحسن عبد الله بن محمد، وابنه القاضي إسماعيل، وأبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي.
يقول الإمام الحافظ أبو العلا محمد عبد الرحمن المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي خلال حديثه عن كتب السنن: منها السنن الكبيرة والصغيرة، وهما كتابان لأبي بكر أحمد بن الحسين بن على الخسروجردي البيهقي، وهما على ترتيب مختصر المزني، لم يصنف في الإسلام مثلهما، روى عنه أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الأشجعي وغيره. كما صنف الشيخ علاء الدين علي بن عثمان (ابن التركماني الحنفي، المتوفى سنة 750ه) كتابا سماه الجوهر النقي في الرد على البيهقي لخصه زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي، المتوفى 879ه) وسماه ترجيح الجوهر النقي. رتبه على ترتيب حروف المعجم حتى وصل فيه إلى حرف الميم.
قال عنه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: له التصانيف التي سارت بها الركبان إلى سائر الأمصار، وكان أوحد أهل زمانه، في الإتقان والحفظ والفقه والتصنيف.
كان فقيها محدثا أصوليا، أخذ العلم عن الحاكم أبي عبد الله النيسابوري، وسمع على غيره شيئا كثيرا، وجمع أشياء كثيرة لم يُسبق إلى مثلها، ولا يُدرك فيها، منها كتاب السنن الكبير، وكتاب نصوص الشافعي، والسنن الصغير، والآثار، والمدخل، والآداب، وشعب الإيمان، والحديث، ودلائل النبوة، والبعث والنشور، وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار المفيدة التي لا تُسامى ولا تُدانى. وكان زاهدا متقللا في الدنيا، كثير العبادة والورع، توفي بنيسابور، وحمل تابوته إلى بيهق في جمادى الأولى 458ه.
ومضى ابنه إسماعيل على طريقه في طلب العلم وسافر إلى الأقطار من أجله، ودرس بمدينة خوارزم، وكان من علماء الحديث، توفي في بيهق سنة 507ه.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.