تحقيق: راندا جرجس

تعد العين النافذة التي يطل منها الإنسان على الكون، ولأنها عضو صغير حساس، فإن المحافظة على سلامتها ضرورية ومهمة، وخاصة أن هناك الكثير من الأمراض التي تصيب الجسم، وتسبب الأذي للعين، وأهمها داء السكري، والأمراض الاستقلابية، الولادية، القلبية، والدماغية، وفي حال إهمالها ربما تؤدي للعمى، والتي يمكن تجنبها بالذهاب المبكر لطبيب العيون فور ظهور أية علامات تدل على وجود مشكلة ما، وفي هذا التحقيق يسلط الخبراء والاختصاصيون الضوء على نوعين من هذه الأمراض بكافة مشاكلها، مع ذكر النصائح والطرق الوقائية والعلاجية.
يقول الدكتور بريم تنوار، اختصاصي أمراض العيون، إن التراخوما أو الرمد الحبيبي هو مرض تلوثي ناجم عن عامل شبيه بالجرثومة يمسى المتدثرة، وهو شائع، لدى المجموعات السكانية ذات الأنماط والعادات السيئة والمتردية في مجالات حفظ الصحة، مثل عدم النظافة، انتشار الذباب والحشرات الطائرة الأخرى التي تنقل البكتيريا المسببة والناقلة للمرض، كما أنه أحد الأسباب الأكثر شيوعاً للعمى، حيث يوجد في العالم ما يقارب نصف مليار مصاب، كما يعتبر المرض متوطناً في منطقة الشرق الأوسط، ويُصنف أيضاً من الأمراض المدارية المُهملة، ويصيب العين بفعل نوع من أنواع البكتيريا، التي تُسبب حبيبات صغيرة تحمل الفيروس في السيتوبلازم.

أعراض التراخوما

يفيد د. تنوار أن هذا المرض يرافقه الكثير من الأعراض التي لا تظهر مباشرةً إلا بعد أسبوع من الإصابة به، حيث تنتشر عدوي المرض إذا لم يُعالج بسرعة، إضافة إلى تطور المرض وإصابة العين بالعمى في بعض الحالات بعد سن الثلاثين أو الأربعين، وتتمثل أعراضة فيما يلي:
* يشعر المريض بعد مرور اثني عشر يوماً على الإصابة به بالتهاب ملتحمة العين، وتهيج يُشبه الذي يحدث عند إصابة العين بمرض الزهرية.
* انتفاخ ملحوظ في الجفون.
* إفرازات كبيرة من العين.
* تورم العُقد الليمفاوية الموجود في مقدمة الأذن.
* ندوب في القرنية.
* انحراف الأهداب، أي نموها بشكلٍ داخلي.
* ألم شديد في الجفون.
* الإحساس بوجود جسم غريب في العين، احمرار، تدميع، حساسية للضوء وإفرازات سائلة أو قيحية.

تشخيص التراخوما

يوضح د. تنوار أن مرض الرمد الحبيبي يمكن تشخيصه، من خلال فحص يجريه طبيب العيون، بمساعدة جهاز يسمى «المصباح ذو القلعة»، كما يمكن رؤية أعراض التهاب في ملتحمة العين، وخاصة تلك التي تغطي الجفن العلوي من الداخل، حيث ينشأ في القرنية التهاب يتجسد في تعكّر العين، ولاحقاً تحدث ندوب في نسيج الجفن من الداخل، وفي القرنية، وأيضاً تغيير في اتجاه نمو الرموش، وينمو جزء منها نحو الداخل لتخز العين مع حدوث جفاف في نسيج العين، وعند إجراء الفحص الشامل للكشف عن مرض التراخوما، يقوم مختص العيون بفحص العين وتحديد مرحلة الإصابة، ومن الممكن أخذ عينة من باطن الجفن لفحصها مخبرياً.
يضيف: تكثر الإصابة بالتراخوما النشطة بين الأطفال وينتشر هذا المرض نتيجة الاشتراك باستخدام بعض الأغراض الشخصية، المناديل والمناشف، أدوات تجميل العينين، وعدم اتباع الأساليب الصحية السليمة والنظافة الشخصية، وكذلك وجود الأطفال والازدحام، وأيضاً عدم وجود المياه النقية تعتبر عوامل مساعدة لانتشار مرض التراخوما.

المضاعفات

يذكر د. تنوار أن عدم العلاج مبكراً، يسبب تلفاً تدريجياً للعين على مدى سنوات عديدة، وربما تكون الحكة أو الحرقة في العينين هما العرضين الوحيدين لهذا المرض، وفي المراحل المتأخرة، يمكن أن تؤدي الإصابة بالرمد الحبيبي إلى انقلاب أهداب الجفن للداخل واحتكاكها بالعين، ما ينتج عنه معاودة الإصابة بالالتهاب، وفي النهاية حدوث ندوب بالقرنية، وضعف شديد للبصر، وتصنف مراحل الإصابة إلى أربع مراحل تنحصر بين مرحلة الإصابة الخفيفة، وفقدان البصر، وربما تؤدي التقرحات التي تصيب الملتحمة إلى التفاف الجفن إلى داخل العين، ما يجعل نسبة إفراز الدموع تنقص، وحدوث جفاف في العين، وأيضاً حدوث انكماش وتقلص الملتحمة وبالتالي تلف الغدد الدمعية الإضافية.

العلاج

يشير د. تنوار إلى أنه يجب علاج مريض الرمد الحبيبي في المراحل الأولى من الإصابة، بحيث يقوم بمراجعة طبيب العيون لأخذ المضاد الحيوي والدواء اللازم، والعلاج المبكر لضعف البصر، وفي حالات المرض المتقدمة يجري الطبيب جراحة للعين؛ لإزالة الندوب والحبوب، ويتم علاج التراخوما الحاد بواسطة المضادات الحيوية كعلاج موضعي للعين، أو عن طريق الفم، كما يصف الطبيب بعض المراهم أو القطرات في حالة الجفاف بالعين، وربما يتطلب الأمر في المراحل المتقدمة إجراء جراحة تقويمية لجفون العين.

إرشادات وقائية

يوصي د. تنوار بالتقيد بالعادات والإرشادات الصحية السليمة، والمحافظة على العين نظيفة دائماً، بالغسيل المتكرر بالماء الفاتر والنظيف، وعدم مشاركة الأدوات الخاصة بالشخص المريض مهما كانت الظروف والأسباب، ولتجنب الإصابة بمرض التراخوما، ينبغي اتباع الإرشادات التالية:
* استشارة طبيب العيون، عند ظهور احمرار، حكة، أو حرقان في العين.
* يجب على جميع أفراد الأسرة أخذ الأدوية الخاصة بعلاج التراخوما عند إصابة أحد الأفراد به.
* عدم التوقف عن أخذ العلاج حتى عند الشعور بتحسن.
* ربما يؤدي استخدام المرهم، لوجود حرقان طفيف بالعين، وهو أمر طبيعي ربما يستغرق عدة أسابيع فلا داعي للقلق.
* يجب على المصاب ألا يستخدم ملابسة في مسح عينية، بل المناديل الورقية النظيفة، والتخلص منها على الفور بعد الانتهاء.

المياه البيضاء «الساد»

يوضح الدكتور وسيم الطرودي، مختص طب العيون، أن مرض المياه البيضاء أو «الساد» يعد من الأمراض التي تؤثر في النظر بشكل كبير، فهو يستهدف عدسة العين الطبيعية القائمة خلف الحدقة فيعتمها ويفقدها شفافيتها، ما يسبب ضعفاً في البصر، ويعاني المصاب بالساد ضعفَ الرؤية، تحسسه للإنارة المبهرة والقوية مع ضعف في النظر ليلاً، وربما يصيب عيناً واحدةً أو كلتا العينين، ويمكن أن يصيب هذا المرض أي فئة عمرية، ولكنه في الأغلب يصيب كبار السن بنسبة أكبر، وفي بعض الحالات القليلة يصيب الجنين داخل رحم الأم؛ نتيجة بعض الأمراض الإنتانية أو الاستقلابية التي تحدث لدى الأم، و تؤثر في الجنين عند الولادة ويسمى الساد الولادي.

أعراض «الساد»

يذكر د. الطرودي أن الأعراض المرافقة لإصابة العين بمرض المياه البيضاء يختلف من حالة لأخرى، ففي حالة سن الشباب، تتضمن الأعراض رؤية ضبابية، وليلية، وهالات حول الضوء، مع حدوث مشاكل في رؤية الألوان الساطعة، إضافة إلى عدم وضوح في الرؤية، وبتقدم حالة المريض، يشعر بوجود غشاوة على العين مع بعض الوهج، وعدم القدرة على تحمّل الضوء الساطع، أما بالنسبة للأطفال فالأمر مختلف؛ حيث إن الصغير لا يستطيع أن يعبر، وخاصة حديثي الولادة، وتظهر الإصابة بالساد عند الفحص من قبل طبيب الأطفال، وإذا تم ملاحظة أي شيء يتم تحويل الطفل إلى طبيب العيون المختص، وفي حال ملاحظة الأهل أي اختلاف بالعينين، سواء باللون أو ظهور نقطة بيضاء داخل العين، أو أي تغيير أخر، يجب التوجه إلى الطبيب المختص على الفور.

التشخيص والأسباب

يشير د. الطرودي إلى أن الطريقة الوحيدة لاكتشاف الإصابة بمرض الساد هي فحص العين بالكامل، الشبكية، ضغط العين، ثم يتم أخذ قياسات العين لمعرفة قوتها، وقياس العدسة التي سوف يتم زراعتها، وبعدها يكون المريض جاهزاً للعملية، أما أسباب الإصابة بالمياه البيضاء فتتمثل في الآتي:-
* التقدم بالعمر، وهو يعتبر من أكثر الأسباب شيوعاً لتكوين مرض الساد، والسبب في ذلك يرجع إلى تبدلات البروتينات الموجودة في عدسة العين، وتحولها من شكل شفاف إلى المعتم، وهذا ما يسمى الساد الشيخي.
* إصابة العين بأذى أو حادث، وتعرض العين للرضوض القوية نافذة أو غير نافذة ربما تسبب مرض الساد أو المياه البيضاء.
* إصابة العين بالفيروسات، كالحصبة أو الأمراض التي تصيب الأم خلال فترة الحمل، وممكن أن يصاب الطفل بالساد خلال الولادة.
* الإصابة بالأمراض الجلدية، التي تؤثر في العدسة كالتهاب الجلد التأتبي والأكزيما.
* التهاب النسيج العنبي داخل العين.
* العوامل الوراثية، حيث يلعب العنصر الوراثي دوراً في بعض الحالات.
* بعض الأمراض الجهازية، حيث يمكن أن يكون نتيجة لوجود متلازمة معينة مثل متلازمة داون أو مرض الشبكية الصباغي أو السكري.
* استخدام بعض الأدوية، و خاصة التي تحتوي على مادة الكورتيزون.

مضاعفات المرض

يفيد د. الطرودي أن أعراض الإصابة بالساد تختلف باختلاف مراحل تطور المرض والمرحلة العمرية، ففي البداية يشعر المصاب بالساد بضعف تدريجي في حدّة الإبصار، وعدم وضوح في الرؤية، وبتقدم حالة المرض يشعر بوجود غشاوة على العين وتدني القدرة البصرية، وفي حالة التأخر بالمعالجة؛ يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع ضغط العين وتطور مرض الساد إلى الزرق أو الجلوكوما فيجب الحذر من الوصول إلى هذه المرحلة، أما الساد الولادي أو الساد الخلقي حيث يولد به الطفل حيث يؤدي إلى كسل في العين، وخاصةً لو كان وحيد الجانب وفي هذه الحالات مهم جداً التشخيص والعلاج المبكر منعاً لحدوث كسل العين.

العلاج

يذكر د. الطرودي أن العلاج المفيد الوحيد لمرض الساد هو إجراء عملية جراحية لإزالة العدسة الضبابية، وهي تعد من أكثر العمليات شيوعاً ونجاحاً، وتسمى الخبز اليومي لجراح العيون، كما أن نتائجها باهرة، وتكاد تكون من أنجح العمليات في الجسم بشكل عام، نحن قادرون على نقل المريض خلال عشر دقائق من شخص فاقد وظيفياً للقدرة البصرية إلى شخص يستطيع الرؤية بشكل طبيعي، وممارسة حياته اليومية بعد العملية، وبالتأكيد هناك تطور في التقنيات الجراحية في الآونة الأخيرة، حيث كنا نضطر في الماضي إلى إجراء جرح كبير وخياطته، أما في وقتنا الحالي فاختلف الأمر ليصبح جرحاً صغيراً 1-2 ملم، ولا يحتاج للخياطة، وإنما يتم سحب الماء الأبيض، وزراعة عدسة جديدة، حيث أصبح اليوم هناك طيف واسع من العدسات التي تساعد المريض على الرؤية القريبة والبعيدة، وغالباً لا يحتاج للنظارات، وهذا مفيد للأشخاص الذين يصيبهم الساد في فئة عمرية صغيرة، كما أن المريض لا يحتاج لاستخدام النظارات الطبية كما في السابق، والجدير بالذكر أن هذه الجراحة تتم تحت التخدير الموضعي من دون الحاجة إلى التخدير العام إلا في حالة الأطفال، ولا تأخذ وقتاً طويلاً ونسبة نجاحها تصل 98%.

الانتظام في الأدوية

تكمن صعوبات التخلص من مرض الرمد الحبيبي في أن المرضى الذين يشعرون بأعراض بسيطة، يستهينون بالأمر، ولا يذهبون لاستشارة طبيب العيون، وحينما تزداد المشكلة يكون من الصعب القضاء على الجرثومة المسببة للمرض، وعلاجها بالأدوية ربما يستمر فترات طويلة، ومن الأسباب أيضاً التي تجعل هناك صعوبة في التخلص من التراخوما هي عدم انتظام المريض في أخذ أدويته بانتظام طوال مدة العلاج، مع عدم التزام بقية الأسرة بأخذ علاجات الوقاية للحد من العدوى.