محمد الأسعد

ينبه عنوان كتاب، صدر منذ سنوات قليلة، إلى التطور النوعي غير المسبوق في حقل الترجمة، على صعيد المعنى والوظيفة والغايات، والأكثر أهمية، على صعيد تحولها إلى علم من العلوم البحثية احتلّ مكانة متميزة بين بقية الاختصاصات الأكاديمية الغربية. اللافت للنظر بين كل هذا حديث عدد من الباحثين في موضوع ما أصبح يُعرف باسم «نظرية الترجمة»، عن الترجمة بوصفها فعلاً من أفعال المقاومة، والتغيير الاجتماعي، في سياقات سياسية وأيديولوجية ودراسات برزت أكثر في المرحلة التي يطلقون عليها حالياً في الأوساط الغربية مرحلة «ما بعد- الاستعمار».

عنوان الكتاب الذي أعنيه هو «الترجمة.. المقاومة والفعالية» الصادر بالانجليزية تحت إشراف ماريا تيموكسكو، أستاذة الأدب المقارن في جامعة ماساشوستس الأمريكية، وواحدة من أبرز المنظرين في حقل بحوث الترجمة، بفضل الاتجاهات الجديدة التي شقتها في هذا المجال. الكتاب يتضمن عدداً من المقالات ينصب أغلبها على دور المترجمين كعناصر تغيير، وعلى الترجمة، ليس بوصفها مجرد عملية تبادل ألسني، بل بكونها عامل توجيه لسلطة ومقاومة وتمرد، بل وثورة حتى. ويركز كتابها في تقصيهم لوجوه الترجمة الأيديولوجية على ما يمثله المترجمون وفاعليتهم، خلال ما يقارب قرنين من الزمن، وصولا إلى العالم المعاصر، وعلى الاستراتيجيات المتنوعة والفعالة لأبرز حركات الترجمة، وأشهر المترجمين. ويتبين للقارئ أن استراتيجيات الترجمة، بدءاً من النصوص الخرساء وصولاً إلى التلاعب الراديكالي بالنصوص، هي أدوات تغيير ثقافي فاعلة، ومداخلات تاريخية. وأنها تؤدي دوراً حيوياً في الصراع والحوار الأيديولوجي، بما يتضمنه هذا من مقاومة الاضطهاد، والقيود من كل الأنواع. ويعزّز المترجمون، كل من مكانه وزمنه وتاريخه وسياقه السياسي، جداول الأعمال الفكرية بإبداع حكايات ثقافية جديدة، وتكتيكات هدفها إيصال التأثير الاجتماعي والسياسي إلى أعلى الدرجات.
إضافة إلى أن مقالات الكتاب تتقصى طرقاً لقراءة الترجمات والنظر إليها كسجلات تحد ثقافي، ونضال فكري، وحرب على الرقابة، والإكراه الجسدي، والقمع الثقافي، والهيمنة السياسية، ونصوص ترسّخ تشكيلة واسعة من الغايات، بدءاً من صياغة الهوية الوطنية الثقافية وصولا إلى المواجهة المسلحة. وبهذا يوضح كتاب هذه المقالات أن الأعمال المترجمة والفعالة هي أفعال إنجازية ضمن سياقات سياسية وفكرية أوسع.

* * *
بالعودة إلى الأبحاث المبكرة المعنية بالترجمة، في الشرق والغرب على حد سواء، وخاصة في وطننا العربي، نجد أن الباحثين شغلوا أنفسهم بالعلاقة بين الترجمة والإبداع الأدبي، وهمهم إظهار أن الترجمة تخدم أغراضاً ابتكارية في النظم الأدبية المأزومة أو الضعيفة أو الناشئة حديثاً نسبياً. علاوة على النظر إليها كتعلة لتقديم المختلف. في تلك الأزمان تم إهمال دور الأيديولوجيا في جوانب ترجمة الأعمال الإبداعية، ولم يبدأ التعبير عن هذا الدور إلا مع ظهور نظرية الخطاب، ونظريات ما بعد المرحلة الاستعمارية، وبدأ ينظر إلى الترجمة، كشكل من أشكال واجهات التواصل الألسني يقدم تحولات الخطاب، ويقلق المعاني الشائعة، ويوجد وجهات نظر بديلة إلى الواقع، وينشئ تصورات وتمثيلات جديدة، ويجعل ميلاد هويات جديدة ممكنة. كل هذه التغيرات يمكن أن تأتي بنتائج إبداعية وزخماً في نظام أدبي، وهو ما بدأ يظهر في السنوات الأخيرة.
هذا على صعيد النظرية، أما على صعيد الممارسة فما كان يدور حقيقة هو «حرب ترجمات» حسب تعبير الفلبيني فيسانتي رفائيل في حديثه عن دور اللغة والترجمة في تصفية استعمار اللسان والمخيلة في وطنه، حرب لمسناها في الوسط الثقافي العربي، من جانب، على شكل استراتيجيات غزو أدواتها ترجمات كتب تشرف عليها مؤسسات أشهرها مؤسسة فرانكلين الأمريكية، ومجلات تترجم (حوار وشعر وأدب.. إلخ) تديرها منظمة حرية الثقافة الأمريكية أيضاً، بعد الحرب العالمية الثانية، ومن جانب آخر، على شكل ترجمات مقاومة، وإن لم تكن معلنة تمتلك مصطلحاتها، بدأها أفراد وشجعتها أحزاب مثلتها ترجمات تحمل أيديولوجيات مضادة، أبرزها ترجمات الأعمال الإبداعية الشرقية، روسية وصينية وهندية.. إلخ، وترجمات فكرية لمفكرين من العالم الثالث والدول الاشتراكية مقاومين للنظم الرأسمالية وفلسفاتها، المثالية والمنفعية.
ويعرض الكتاب، الذي لفت نظرنا إلى علاقة الترجمة بالمقاومة، عدداً من نماذج وأشكال الترجمات المقاومة، التي كانت أدوات تغيير في مجتمعاتها، وساهمت في الحوار الأيديولوجي وحتى في الصراع في سياقاتها الخاصة بها، ويعرض أيضاً بعضاً من الترجمات المناوئة للمقاومة. مثال ذلك مقالة جون ملتن الذي يظهر كيف أن ترجمات جوزيه بنتو مونتيرو عزّزت حركة الحداثة في البرازيل، وساهمت في مقاومة سياسات استبداد جتولو فاركاس في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. ويوضح براين جيمس بير، كيف أنه بدءاً من الفترة نفسها وصولا إلى النصف الثاني من القرن العشرين، تم استخدام ترجمة كلاسيكيات الأدب الغربي إلى اللغة الروسية كخطاب معارض لبعض من سياسات الاتحاد السوفييتي الثقافية، وكانت وسيلة لإنشاء مثقفين سوفييت نخبويين.
وفي مقال «المترجم غير المرئي»، رأى الأمريكي لورنس فينوتي في استراتيجية الترجمة التي اتبعها الكاتب الإيطالي إيجينيو أوجو تاركتي، أداة خروج على أفكار الأدب المقبولة. وكان هذا الكاتب خصماً لأفكار الاتجاه الواقعي في الأدب الإيطالي في زمنه (النصف الثاني من القرن التاسع عشر)، فاختار للترجمة نصوصاً أجنبية، واحتذى أسلوبها أيضاً في الروايات التي كتبها. ويرى فينوتي أن هذا النشر لمعتقدات وموضوعات فنتازية جاء تحدياً جوهرياً للتمثيل الواقعي، وخاصة مع كتابته لأول رواية قوطية في إيطاليا، وأرجع فينوتي اهتمام القرن التاسع عشر المتزايد بالأساليب القوطية إلى تاركتي، ويعتبره هو من قوض الواقعية الإيطالية بالنزعة الأخيولية.
من جانب آخر، تناقش الأستاذة منى بكر، من جامعة مانشستر، والناشطة البارزة في أوساط حركة مقاطعة الأكاديميين العنصريين الصهاينة العالمية، في مقالتها «الترجمة والفعالية.. ظهور أنماط الجماعات السردية»، عمل جماعات المترجمين المعاصرة (غير الربحية) التي ترجمت ونشرت وثائق أخرستها مصادر الأخبار والمعلومات الغربية، بوصفها فعلا مقاوماً، يقف في وجه مصالح الشركات المتعددة الجنسيات، والعولمة، وشركات الأسلحة، ويعمل على توسيع تبادل أكثر توازناً للأفكار في العالم. وتقدم منى بكر بالإضافة إلى هذا إطاراً نظرياً لفهم ما تفعله حركات ترجمة مثل هذه.
* * *
واتساقاً مع ما يشهده عالمنا من نهوض للشرق وعودته إلى التاريخ، لا يدهشنا أن نجد أستاذة هندية بارزة في مجال الدراسات الإنسانية هي «ميني جاندرن»، تجعل أبحاث الترجمة في صلب اهتماماتها، فتقدم مقرراً دراسياً مهماً محوره الأساسي المقاومة أيضاً. ونجدها تبدأه بالقول «المترجم قادرٌ حين يختار نصاً واستراتيجية للترجمة على القيام بفعلين؛ المقاومة والهدم». وتلاحظ أن الأدوار التي لم يمكن أن يؤديها المترجم محدودة قياساً بأداء الكاتب الإبداعي، ولكن هناك دور واحد يمكن أن يقوم به، مثلما يمكن أن يقوم به الكاتب، ألا وهو دور المحارب المقاوم. وتعني المقاومة هنا معارضة أو مساءلة الأفكار الأدبية التي نتلقاها، والثقافة والأعراف الاجتماعية، ويمكن أن تكون مستوياتها متنوعة. وأي مترجم أمامه أسئلة قليلة لابد أن يطرحها على نفسه قبل أن يباشر الترجمة هي: لماذا أترجم؟، ماذا أترجم؟، لمن أترجم؟ و كيف أترجم؟. وتقول، ونحن معها، إن الأجوبة على هذه الأسئلة ذات أثر حاسم في تحديد نوع الترجمة التي ستأتي بعد ذلك. وبالنسبة لكاتب إبداعي يتخذ قراراً من هذا النوع سيكون القرار ذا دلالة بالغة الأهمية.ومع اتساع هذا العالم، عالم الترجمة وما استجد فيه من أفكار، يلح على الذهن سؤال في النهاية؛ أين الثقافة العربية من هذا الحقل المعرفي الذي يغتني كل يوم في كل اللغات.. إلا اللغة العربية؟