تحقيق: محمد ياسين
تختلف الحالات المرضية التي تعرض على الأطباء وتتنوع طرق التشخيص وما يلزم من تحليل وأشعة، فخبرة الطبيب هي الفيصل في استخدام أدواته المعملية والتكنولوجية في فحص المريض والوقوف على مسبب المرض وعلاجه .
فما هي الضوابط العلمية للتشخيص السليم، وكيف تتم إجراءات الفحص بما يقلل من اختلاط الأمر على الطبيب في بعض الأمراض، لتشابه أعراضها المرضية وتلافي الوقوع في تشخيص خطأ تنتج عنه مضاعفات خطيرة .
تقول الدكتورة هالة بشرى اختصاصية طب الأطفال: "يعد معرفة التاريخ المرضي للطفل من خلال الحديث مع الأم أو الأب من الأمور المهمة جداً، فتختلف نظرة الطبيب عن نظرة الأم في طب الأطفال، ونعتمد على التاريخ المرضي الذي يعد مهماً جداً في التشخيص وقد نحتاج إلى طريقة لمعرفة الخلفية المرضية للطفل، مضافاً إليها بعض التحاليل التي تساعدنا على التشخيص والعلاج السليم، ومن خلال الفحص الإكلينيكي يتأكد ما قد نشك به، وقد لا نحتاج إلى تحليل لبعض الحالات مثل نزلات البرد، لكن تلك التي لها تاريخ مرضي نضطر إلى عمل تحاليل، فتداخل الأعراض المرضية يجعل الطبيب يشخص المرض وفق التاريخ المرضي والفحص الإكلينيكي، ويعتبر التهاب الزائدة الدودية أو نزلة معوية أو التهاب بكتيري من الأمراض المعروفة وعوارضها كذلك، لكن قد نحتاج في بعض الحالات إلي تحاليل وهذا يتأكد عند الفحص الإكلينيكي ومعرفة تاريخ المرض والحالة" .

التحول في التشخيص

ويتفق الدكتور علي رضا اقتداري اختصاصي جراحة عامة وجراحة المناظير، مع رأي الدكتورة هالة بأن الحديث مع المريض ومعرفة شكواه وتاريخه المرضي، إضافةً إلى الفحص الإكلينيكي يحدد كيفية البدء في معرفة المسبب الحقيقي للمرض ومن ثم يطلب التحاليل والأشعة المطلوبة، وطبقاً للمتغيرات التكنولوجية الحالية نجد كثيراً من الفحوص الطبية التي تبتعد عن التاريخ المرضي فتحول الأطباء إلى الفحص بواسطة الأشعة والتعامل مع الموجات الصوتية، من دون معرفة التاريخ المرضي للحالة .
ويقول الدكتور اقتداري "على سبيل المثال الإمساك عرض قد يكون ناتجاً عن حالة مزمنة عند مريض وفي حالة أخرى يكون فقط عرضاً طارئاً ومتغيراً نتيجة لبعض الممارسات الغذائية الخطأ، فمن دون معرفة التاريخ المرضي الصحيح والفحص الإكلينيكي للمريض ومعرفة المتغير المسبب للمرض يكون التشخيص والعلاج غير صحيحين" .

قواعد حاكمة

الدكتور أمين الصيرفي اختصاصي جراحة المسالك البولية وأمراض الذكورة، يتفق مع آراء الأطباء من حيث أهمية خطوات التعامل مع المريض منذ الزيارة الأولى للطبيب التي يحكمها وينظمها بروتوكولات محددة في جميع التخصصات وهناك ما يعرف بالقواعد الحاكمة في كل تخصص .
ويوضح الدكتور الصيرفي في هذه القواعد في 3 نقاط ابتداءً بالتاريخ المرضي المفصل للمريض ويشمل بيانات المريض وعمره وحالته الاجتماعية وطبيعة عمله وعاداته والأمراض السابقة والعمليات، وكذلك التاريخ المرضي للعائلة وكثير من التفاصيل التي يمثل كل جزء منها عاملاً مهماً في التشخيص .
أما النقطة الثانية فهي الفحص السريري للمريض ويشمل جميع أجزاء الجسم وأجهزته، ثم الفحص الموضعي الخاص بشكوى المريض . وبانتهاء تلك الإجراءات يصل الطبيب إلى تشخيص أولي قد يكون نهائياً في كثير من الأحيان من دون الحاجة لأبحاث أو فحوص إضافية ويتم تقرير العلاج مباشرة .
ويوضح الدكتور الصيرفي أن النقطة الثالثة والأخيرة هي الأبحاث والفحوص المتدرجة التي تشمل الفحوص المعملية والأشعة بأنواعها المختلفة والوسائل التشخيصية التداخلية كالتنظير وأخذ العينات وخلافه . ويلجأ إليها الطبيب للتأكد من التشخيص الأولي ليصل إلى التشخيص النهائي وتقرير العلاج، وتتم هذه الفحوص بشكل متدرج وتحددها المعايير الطبية في كل تخصص ويحاسب الطبيب مهنياً في حال عدم التزامه بهذه المعايير .

تشابه الأعراض المرضية

وتتفق الدكتورة هالة بشرى مع رأي الدكتور أمين الصيرفي من حيث الضوابط العلمية للتشخيص وفق الدراسة الأكاديمية، وتقول: "الخطوات العلمية أساس التشخيص ولا نستطيع أن نشخص بشكل عشوائي، فالتاريخ المرضي بكل أبعاده مهم في عملية التشخيص، حيث ينقسم إلى تاريخ مرضي سابق وتاريخ حساسية الأدوية والتاريخ العائلي وتاريخ التطعيمات وموعدها والتغذية والأمراض المزمنة التي أصابت الحالة بالإضافة إلى الفحص الإكلينيكي" .
وذكرت الدكتورة هالة بشرى أن التشخيص السليم بالإضافة إلى الخبرة التي يمتلكها الطبيب من خلال الكم الهائل من حالات المراجعين، قد توفر على المرضى والمراجعين العديد من التحاليل التي ترهق جيوبهم .
وتضيف "يلتبس الأمر في بعض الحالات عند التشخيص فمثلاً الأنفلونزا العادية تتشابه إلى حد كبير مع التهاب بكتيري أو التهاب فيروسي وأيضاً ألم البطن قد يكون بسبب فتق أو مشكلة في الخصية أو أمور كثيرة، فالقيء مثلاً عند الأطفال من العلامات الخطرة وقد يكون ناتجاً عن التهاب بسيط في الحلق أو حمى شوكية، وقد نستبعد بعض الأمراض في التشخيص طبقاً للفحص الإكلينيكي والتاريخ المرضي للمراجع، ودائماً طبيب الأطفال يستبعد الأمور الخطيرة ويبدأ البحث في الأمور الأقل خطورة" .

ضرورة الالتزام

ويعتبر الدكتور علي رضا اقتداري أن ضوابط التشخيص تتم وفق الأسس العلمية المتبعة، إضافةً إلى الخبرات التي يتمتع بها الطبيب، حيث يأتي إلينا مريض يشتكي ألماً في البطن قد يكون نتيجة المرارة أو الزائدة الدودية، ويلتبس الأمر في بعض الحالات نتيجة لطبيعة المرض، حيث يمكن أن يأتي مريض يشتكي من التهاب في الزائدة الدودية، لكن لا تظهر بالفحص الإكلينيكي، إنما بعد مرور 6 ساعات تحت الملاحظة تظهر علامات المرض في الأشعة وتحليل الدم حال إجرائها، لذلك نشدد على ضرورة التزام أهل المريض بنصيحة الأطباء بالإبقاء عليه مثلاً تحت الملاحظة لضرورة الفحص على مدار المدة التي طلبها الطبيب، حيث إن بعض الفحوص تستغرق أكثر من يومين لمعرفة مسبب آلام وبالتالي يتم العلاج الصحيح وفق التشخيص الصحيح .
وحول طرق الكشف تقول الدكتورة هالة بشرى: "الاختلاف وارد جداً في طرق الكشف من طبيب إلى آخر من حيث الخبرة وطرق الفحص وطلب التحليل والإشاعات" .
وتابعت "يعد التشابه في الأعراض المرضية أمراً محيراً وخصوصاً عند الأطفال حيث تتشابه الأعراض الأولية وتعتمد على خبرة الطبيب وحصيلته من خلال المراجعات المستمرة للمرضى، وحرص الطبيب بإعطاء الوقت الكافي للمريض لمعرفة مسببات الحالة المرضية" .
وتؤكد الدكتورة هالة بشرى أنه وفي حالة عدم شعور المريض بتحسن لا يذهب لأكثر من طبيب ويفضل مراجعة نفس الطبيب الذي شخص الحالة في أول مرة .
وشددت على أهمية التشخيص الصحيح لأن الخطأ قد يؤدي إلى تعقد الحالة المرضية، وربما في حالة عدم التشخيص المبكر قد يستدعي الأمر علاج المرض ومضاعفاته، وقد يتناول المريض طبقاً للتشخيص الخطأ أدوية تزيد من تعقد حالته، وبعض الحالات إذا لم تشخص بشكل سليم تؤدي إلى كارثة مثل إسهال الأطفال في بعض الأحيان يؤدي إلى الجفاف والحرارة لأسباب إما الحمى الشوكية أو التهاب فيروسي .

الاستفادة من الآخرين

ويختلف الدكتور علي اقتداري مع رأي الدكتورة هالة بشرى حول مراجعة طبيب آخر في حال استمرار المشكلة، ويقول: "أنصح بعض المرضى بمراجعة طبيب آخر في حال استمرت الحالة المرضية بناءً على تشخيصي، وفي بعض الأحيان أستفسر وأسأل زميلاً آخر، فتبادل الخبرات يعد من الأمور الجيدة في مهنة الطب والاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين يزيد من المعرفة" . ويكمل الدكتور اقتداري أن "الأخطاء الطبية واردة ولكن تنقسم إلى عدة أقسام، منها خطأ طبيب يتعلق بعدم إعطائه الوقت الكافي للتشخيص السليم، وخطأ مريض بعدم إتباع تعليمات المعالج من خلال عمل التحاليل والأشعة المطلوبة، وخطأ تشخيص مرض قد يكون صعباً وغير معروف أو متشابه مع أعراض مرض آخر وقد يكون مرض نادر وغير معروف لدى الطبيب" .
ويعتبر الدكتور اقتداري أن بعض المرضى يبالغون في اتهام الأطباء بعدم الفحص بواسطة الأجهزة المتاحة داخل غرفة الكشف، وعلى الرغم من إقراره بذلك إلا أنه أكد أن خضوع المرضى لتلك الفحوص هو نتاج خبرة الطبيب ومدى سوء حالة المريض الصحية التي تستلزم استخدام الأجهزة الطبية، إلى جانب أن هناك حالات لا تحتاج إلى أكثر من الفحص الإكلينيكي لوضوح المرض، وهذا الوضع يختلف في الأمراض النسائية حيث إن منطقة الخصر على سبيل المثال توجد بها عدة أعضاء يمكن أن تكون المسببة للمرض، وأيضاً في أمراض الأطفال تتشابه الأعراض ولا يستطيع المعالج التشخيص السريع إلا بعد وضع المريض تحت الملاحظة حتى تتضح الصورة المرضية .

الطبيب قاض

وينوه الدكتور أمين الصيرفي بضرورة إتباع المسار الصحيح في التشخيص للوصول بالمرضى في كثير من الحالات إلى الشفاء بإذن الله، مشيراً إلى أنه لا يوجد اجتهاد في العلاج إنما الاجتهاد يكون في التشخيص، فإن صح التشخيص استقام العلاج وأدى إلى الشفاء، وقد يكون السبب في عدم التحسن في صحة المريض على الرغم من الانتظام في العلاج، وهذا تعود أسبابه إلى عدم الدقة في التشخيص، وقد تكون الاستجابة بطيئة أو منعدمة نظراً لطبيعة المرض، ولحسن الحظ تلك الأمراض نادرة ويجب توضيح الأمر للمريض قبل بداية العلاج . وفي النهاية الطبيب كالقاضي يحكم بالبينة وبعد التأكد بالأدلة القاطعة على التشخيص قبل تقرير أي علاج .