د. محمود أبو زيد الصوصو *
جاء التشريع الإسلامي بالأوامر والنواهي لأجل مصلحة الناس في معاملاتهم، وهذه الأوامر والنواهي لا تتعارض مع العقل السليم، ومنها: ما ورد في معاملات البيع، فهي وإن كان الأصل فيها الإباحة إلا أن أدلة التشريع نهت عن بعض حالات البيع من أجل مصلحة المتعاقدين.
وفي وقتنا الحاضر كثرت وتنوعت معاملات البيع، ومنها أن بعض المتعاقدين يظنون أن القبض (أي الأخذ) ليس شرطاً في البيع، فاشترطوا أموراً اجتهادية في القبض والتصرف في المبيع.
أما السادة الفقهاء فقد اختلفوا في كيفية القبض، ولكن اتفقوا على أن القبض لم يرد تحديده في التشريع، فيرجع فيه إلى العرف والعادة، وقالوا: (قبض كل شيء بحسبه)، وقد ذكر الكاساني في حاشيته، «بدائع الصنائع. تعريف القبض» فقال: (معنى القبض هو التمكن والتخلي وارتفاع الموانع عرفاً وعادة وحقيقة).
اتفق أئمة المذاهب الأربعة على منع التصرف في الطعام بالبيع قبل قبضه، واختلفوا في بيع ما عدا الطعام من المنقول والعقار قبل القبض على أربعة أقوال:
القول الأول: يجوز بيع الدور والأراضي قبل قبضها، وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل القبض، وهذا قول الإمام أبي حنيفة للأدلة التالية:
١- إن ركني البيع وهما الإيجاب والقبول صدرا من أهلهما أي: من العاقل البالغ في محله وهو المال المملوك، وهو يقتضي الجواز.
٢- إن الهلاك في العقار نادر، والنادر لا يعتد به، بخلاف المنقول فإن الهلاك فيه غير نادر.
٣- إن بيع العقار قبل القبض في معنى بيع المنقول بعض القبض، فيجوز كما يجوز بيع المنقول بعد القبض.
القول الثاني: يجوز بيع ما عدا الطعام قبل قبضه، وهذا القول المشهور في مذهب الإمام مالك للأدلة التالية:
١- عموم قول الله تعالى: (أحل الله البيع وحرم الربا..) (البقرة: ٢٧٥).
٢- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه) (رواه البخاري ومسلم). ووجه الدلالة: أن رسول الله صلى الله علين وسلم خص بيع الطعام بالنهي قبل القبض، فدل على أن ما عداه بخلافه.
٣- إن الشراء نوع يملك به، فجاز أن يُباع ما مُلِك به قبل القبض كالميراث والوصية.
القول الثالث: لا يجوز التصرف في المبيع قبل قبضه مطلقاً وهذا القول المشهور في مذهب الإمام الشافعي للأدلة التالية:
١- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعن شيئاً حتى تقبضه» (رواه الطبراني والبيهقي) ووجه الدلالة: أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ عام، فيشمل المبيع مطلقاً، فلا يستقر ملك المشتري على المبيع إلا بالقبض.
٢- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) ووجه الدلالة: أن ما لم يقبض فليس في ملك الإنسان، فلا يحق له التصرف فيه، بنص الحديث، وهو عام في كل ما لم يقبض.
٣- أن رسول الله صلى الله وسلم: «نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) (رواه أبو داود) ووجه الدلالة: نَهيُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم عامٌّ في كل سلعة، فيشمل العقار والمنقول مطلقاً.
٤- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه» قال العيني رحمه الله تعالى في حاشيته «البناية في شرح الهداية»: «والنهي يقتضي الفساد فيكون البيع فاسداً قبل القبض لأنه لم يدخل في ضمانه».
القول الرابع: لا يجوز التصرف في المبيع قبل قبضه إذا كان مكيلاً أو موزوناً، وهذا القول المشهور في مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
* أستاذ المعاملات المالية في جامعة طيبة المدينة المنورة