تحقيق: هديل عادل
التغيير سنة كونية تخضع لها جميع المخلوقات على وجه الأرض، والتغيرات التي تحدث للإنسان هي التي تدفعه إلى السعي المستمر نحو حياة أفضل، حيث يختار سلوكياته من خلال وعيه وتفكيره، ليستطيع التكيّف مع تلك المتغيرات، ولكن البشر مختلفون في نظرتهم إليها وردود أفعالهم تجاهها، إلا أنهم جميعاً متفقون على ضرورة فهمها والتعامل معها، لتحقيق الاستقرار والأمان النفسي والعاطفي والاجتماعي والمادي، الذي يحلم به كل فرد يعيش على هذه الأرض.
وفي هذا التحقيق نستعرض أوجه التغيير في حياتنا وتأثيرها علينا، وأسلوبنا في التعامل معها.
يتطلع علاء سعيد، مهندس مدني، دوماً إلى التغيير الإيجابي في حياته، ويسعى إليه متسلحاً بقوله تعالى: «إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ»، ولهذا فهو حريص على الأخذ بالأسباب من أجل تحقيق هدفه في تغيير نفسه وحياته إلى الأفضل. ويقول: «منذ أن أدركت معنى الحياة ودور الإنسان في بناء نفسه ومستقبله، وأنا أحاول جاهداً اكتساب خبرات وصفات جديدة تدعم تطلّعاتي المستقبلية، والتخلّص من العادات التي تعرقل مسيرتي نحو الحياة التي أستحقها وفق رؤيتي الجديدة، وطالما عاهدت نفسي على إكمال المشوار مهما واجهت من صعوبات. و من أجل تحقيق هدفي كنت صريحاً مع نفسي لأكتشف مواطن القوة والضعف في شخصيتي. ولعل أكبر التحديات التي تواجهني، هي ضعف إرادتي أحياناً في الوصول إلى أهدافي، وحتى أستطيع تجاوز هذا التحدي وتحقيق هدفي في التغيير، كنت ومازلت حريصاً على الاحتكاك بالشخصيات الإيجابية، و قراءة الكتب المتخصصة، والاستماع إلى المحاضرات أو الندوات التي تناقش فكرة التغير بأساليب مختلفة، وبفضل الله كان لهذه الجهود أثر كبير في تغيير نمط حياتي إلى الأفضل، إلا أنني أحياناً أشعر بالبطء في الإنجاز والتغيير، وكأنني أراوح مكاني».
تشعر أم أحمد، ربة بيت أنها مقيّدة من الداخل، وأنها فاقدة للرغبة في التغيير، وإن كان في صالحها. وتقول: «مشكلتي ليست في عدم فهمي للحياة أو لنفسي، أو عدم إيماني بأهمية تغيير سلوكياتنا وقناعاتنا؛ لما يحقق لنا النجاح والسعادة، إلا أن المشكلة تكمن في طبيعتي. فأنا أشعر دائماً بأنني شخصية سلبية لا تتحمس لأي تغيير مهما كان مغرياً في ظاهرة، سواء كان هذا التغير عبارة عن تجديد ظاهري في بعض سلوكياتي، أو تغيير جوهري من أجل التخلّص من وزني الزائد، أو التعوّد على ممارسة الرياضية كجزء من عاداتي اليومية، أو حتى قراءة كتاب مفيد، ولا أعرف لماذا هذا الجمود من جهتي أمام هذه الأفكار التي ستؤثر إيجابياً على حياتي؟ قد يكون السبب أنه ليس لدي استعداد حقيقي لتحدي ذاتي».
وتؤكد جيهان سرحان، معلمة تربية رياضية، أنها مستعدة لتغيير عاداتها وصفاتها واكتساب عادات وقيم جديدة، لتحقق النجاح الذي تطمح له في الدنيا والآخرة. وتقول: «نحن كبشر مطالبون بتقييم وتقويم أنفسنا باستمرار. وأنا بطبيعتي لا أحب الهروب من الحقائق ومقاومتها؛ ولهذا لا أقاوم فكرة التغيير ما دامت لصالحي، وكلما استطعت أن أغير شيئاً من شخصيتي إلى الأفضل شعرت بسعادة حقيقية، خاصة أن تعديل أبسط عاداتنا أو صفاتنا يتطلب منا وقتاً وجهداً كبيراً، ولكنني مؤمنة بأهمية القيام بذلك، حتى لو فشلت مراراً، وشعرت بالعجز أحياناً، فمحاولة تغيير عادة سلبية في أعماقنا ليست مسألة سهلة، ولكنها ليست مستحيلة أيضاً، وهذا ما أكرره في داخلي كثيراً، حتى أنجح في تغيير نفسي إلى الأفضل».
ولا ترفض إيمان سالم، موظفة، فكرة التغيير في نفسها أو سلوكياتها، إذا كانت النتيجة في صالحها، خاصة أن طبيعتها المرنة تساعدها على القيام بذلك، ولكن التحدي الأكبر بالنسبة لها هو أنها إنسانة غير صبورة، كما تصف نفسها. وتقول: «أتحمس كثيراً أمام أي فكرة، وأحب تطوير نفسي باستمرار، ولا أخاف من المجهول، مما يمنحني القوة للتغيير، إلا أنني إنسانة غير صبورة وملولة في نفس الوقت، ولا شك أن اكتساب صفات جديدة أو التخلص من عادات قديمة، يحتاج إلى صبر واستمرارية، ولهذا فإنني أعاني كثيراً إذا أردت تعديل وتبديل أي من عاداتي، وأحياناً لا أمتلك قدرة على القيام بذلك».
ويتحدث الدكتور عبد الحميد درويش، عالم نفس إكلينيكي، عن مراحل التغير الطبيعية التي يمر بها الإنسان، وقدرته على التعامل معها، قائلاً: «حياة الإنسان سلسلة من المتغيرات النفسية والجسمية والاجتماعية. وفي بعض الأحيان لا يستطيع التوافق معها، كأن يتقبّل المراهق التغيرات التي تحدث نتيجة لنموه الجسمي، أو عدم قدرة الفرد على القيام بأدواره العائلية أو الاجتماعية بكفاءة، وفي مثل هذه الحالات يلجأ البعض إلى أساليب سلبية للتأقلم مع حياته كالتمحور حول الذات أو الهروب منها، وهذه الأساليب قد تخفف على الإنسان بشكل مؤقت، إلا أنها لا تحل مشكلاته حلاً جذرياً».
و يتابع: «يجب أن يتحمل الفرد مسؤوليته في تحقيق التوافق مع محيطه، والتغيرات التي تطرأ على حياته، حتى يكون على قدر ما تتطلبه الحياة من استجابة لمتغيراتها، وذلك لا يتحقق إلا من خلال الوعي بذواتنا، والتحكم في أفكارنا السلبية والتخلّص منها، ومواجهتها بأفكار أخرى إيجابية. ويمثّل تغيير السلوك عنصراً هاماً في التغلّب على عدم القدرة على التوافق مع المتغيرات المختلفة، مما يحقق لنا أكبر قدر من الانسجام و السعادة في الحياة».
ومن منظور اجتماعي، يناقش د. موسى شلال، أستاذ علم اجتماع بجامعة الإمارات، مسألة التغيير على مستوى الفرد والمجتمع، قائلاً: «يشمل هذا الأمر المجتمعات والأفراد، وعلى مستوى المجتمع، فإن عملية التغير تتحقق من خلال تغيير أنظمته الاجتماعية كالنظام السياسي والاقتصادي والعائلي، وذلك في حدود فترة زمنية محدّدة، ونتيجة عوامل ثقافية واقتصادية وسياسية يتدخل بعضها ببعض ويؤثر بعضها في الآخر. فالتغير صفة أساسية للمجتمعات على اختلافها سواء كانت نامية أم متقدمة.
أما التغير على مستوى الفرد، فيتحقق من خلال تغيير أفكاره وسلوكياته. وعموماً فإن الإنسان في حالة عدم ثبات دائم لأوضاعه المختلفة، ولكن هناك تغييراً مقصوداً وآخر غير مقصود، والحالة الأولى هي المطلوبة لتحقيق الانسجام والتفاعل مع متغيرات الحياة، وقليلون هم من يضعون أهدافاً مرحلية بعينها، لتساعدهم على التغيير الذي يطمحون إليه، وهؤلاء قادرون على تحقيق النجاح في حياتهم أكثر من غيرهم.
والتحدي الأكبر الذي يواجه معظمنا حين يسعى إلى التغيير بإرادته، هو معرفة وتحديد النية والوجهة التي يقصدها من ذلك، والتخطيط بوعي لها. ومن أهم القواعد التي يجب أن يعرفها كل من يرغب في خوض هذه التجربة، أن التغيير المادي أسهل من الفكري، والتغييرات الكبيرة تحتاج إلى تضحيات كبيرة، والجهل أهم أسباب الرفض، وأصحاب الطموح هم أقدر الناس على النجاح في تحقيق نياتهم تجاه التغيير، والاحتكاك بالمتميزين يزيد إمكانية النجاح، والصبر والتفاؤل والمرونة والتخطيط السليم أهم الأدوات».