يعد التفكير السلبي نوعاً بسيطاً من أنواع التفكير الوهمي؛ إذ يتوهم فيه الشخص أن كل شيء سيكون على أسوأ حال، وأن المشكلات لابد واقعة، فهذه النظرة التشاؤمية التي تنغرس في التفكير، إذا أطلق لها العنان تتحول لمرض نفسي، يملأ صاحبه بالإحباط والاكتئاب والقلق المزمن، وربما يتطور ليصبح نوعاً من أنواع الوسواس القهري.
نتناول في هذا الموضوع مشكلة التفكير الوهمي بالتفصيل، والعوامل والأسباب التي تؤدي إلى تعمقه داخل الشخص، والأعراض التي تبدو على المريض بهذه الحالة، ونعرض طرق الوقاية والعلاج المتبعة والحديثة.
حالة إدمان
يظهر التفكير السلبي نتيجة المبالغة في القلق، وتوقع النتائج والظروف الأكثر تشاؤماً، وأحياناً ما ينتج عن توقع السيناريوهات المحتملة؛ لتحديد كيفية التعامل مع كل منها، وهذا طبيعي غير أنه يؤدي إلى الاعتقاد بالظرف الأسوأ دائماً، خاصة لو مر المصاب بتجربة سابقة قاسية.
ويسلك الشخص المريض بهذه المشكلة طريقة التفكير المستمر دون راحة والتركيز على أمر معين، ثم الانتقال إلى أمر آخر تابع له ثم غيره وغيره والعودة للبداية، وتكرار ذلك يومياً بشكل مقلق ومسيطر على الدماغ يؤدي إلى خروج التفكير عن طبيعيته ومنطقيته، وإعطاء الأمور أكبر من حجمها، مما يقود هذا الشخص إلى إدمان التفكير السلبي، والتوقف عن التفكير الإيجابي.
ويعد التفكير الخرافي من أنواع التفكير الوهمي، وتكمن خطورته في انتشاره في مجتمع كامل، وإن كان في الغالب ذاك المجتمع صغيراً مغلقاً على ذاته، كالمجتمعات القروية التي تنتشر بها خرافات يصدقها معظم أبناء القرية، مثل أساطير السلعوة والنداهة، وكلاهما يخرجان ليلاً ليقضيا على الرجال الأشداء.
وتنتشر الخرافة وتتناقلها الأجيال السابقة إلى اللاحقة، وربما ينسبون جرائم قتل إلى أشخاص أبرياء، دون البحث عن الجاني الحقيقي، ويصاب الرجل الكبير المصدق للخرافة بالرعب، ويهرول بعيداً من أي صوت لا يستطيع تفسيره في جوف الليل.
جنون الارتياب
يشمل التفكير الوهمي مرض جنون الارتياب، ويسمى كذلك بالوهام أو البارانويا، والذي يعتقد فيه المصاب أنه دائماً ضحية مؤامرة، وأنه معرض على طول الخط للاضطهاد ممن حوله.
ويقوم بتفسير أفعال وردود أفعال الناس بما يتسق مع نظرته المريضة، ويمتلك من الدلائل ما يمكن أن يكون مقنعا أو مستندا إلى شيء من المنطق المقبول، غير أن كل هذا ليس غير وهم لا أصل له عند دراسة جميع أبعاد الموضوع.
ويتدرج جنون الارتياب عند المريض حتى يصبح اعتقاداً راسخاً لا يتزحزح، ويتحول إلى مرض مزمن يقتنع فيه المريض بمسؤولية الآخرين عن أخطائه، ويعيش في وهم الخوف من حدوث أمور سيئة، وربما يتطور المرض لتوهم هلاوس مسموعة أو مشاهدة.
وتكمن خطورة جنون الارتياب في أنه ربما يصيب مجتمعاً كاملاً إذا وجد بيئة خصبة، فتشغل التوهمات كبيرة كانت أو صغيرة فكره، وتبعده عن التطور والتقدم اقتناعاً بالمؤامرات التي تحاك ضده.
وتتعدد أنواعه من جنون الاضطهاد وجنون العظمة؛ حيث يظن المريض نفسه شخصاً مهماً يستحق ما يحاك ضده، وجنون التلميح الذي يوقن فيه أن كل من يتهامسون يتكلمون عنه، ويفكرون في إيذائه معنوياً أو بدنياً.
توهم المرض
يعد التوهم المرضي من أخطر أنواع التفكير الوهمي، والذي من الممكن أن يؤدي بصاحبه إلى الهلاك؛ حيث يتخيل المريض النفسي أنه مصاب بمرض عضوي، ومهما أخبره الأطباء وأظهرت له التحاليل والإشعاعات سلامته البدنية لا يصدقهم.
ويتسبب استمرار توهم المرض في الإصابة به بالفعل، وهو ما أثبتته الدراسات فيبدأ الأمر بتكرار الشكوى من آلام معينة تشابه أعراض مرض معين، ويفسرها المريض لنفسه على أنها ناتجة عن إصابته بمرض خطر، وفي العادة تكون مرتبطة بالقلب أو الكلى أو السرطان.
وتكون الآلام في أحيان كثيرة غير مرتبطة بمكان معين في الجسم، فتتكرر زيارات المريض للأطباء من التخصصات المختلفة، ولا يصدق تأكيداتهم بخلو جسده من الأمراض.
ويقول العلماء إن الظن في وجود المرض وتوقع الإصابة به يؤدي للشعور بأعراضه بالفعل، فتوهم آلام المعدة والرغبة في القيء تدفع لذلك بالفعل، ويصل الأمر للموت الحقيقي، إذا ما توهم المريض أنه سيموت.
ويزيد الطبيب من توهم المرض من دون قصد منه عند المرضى الحقيقيين؛ وذلك إذا بالغ في وصف مضاعفات المرض، ما يجعل المريض لا شعورياً يقتنع ببدء ظهور هذه المضاعفات عليه.
نفسية وعضوية
تتعدد أسباب التفكير الوهمي كما تتعدد أنواعه، وإن كانت أغلبها عبارة عن أسباب نفسية تؤدي إلى مشكلات نفسية أو أمراض عضوية، ومن أبرز الأسباب تعرض الإنسان في طفولته ومراحل تكون شخصيته للحجر على فكره، وجره إلى الاعتقاد في الخرافات والأساطير.
وزرع الأفكار التشاؤمية أو الاعتقادات السيئة في عقول الصغار، مثل أن الناس أشرار لا ينبغي الوثوق بهم، أو أن العالم غير آمن ومملوء بالمخاطر، يؤدي إلى التأثير على عقولهم وطريقة تفكيرهم بعد بلوغهم سن الرشد.
ويعمل اضطراب الجو الأسري وكثرة مشاكل التنشئة الاجتماعية وشدة التسلط على الأطفال في اضطراب نمو الشخصية، وعدم سلامة نموها وتعزيز المشاعر السلبية، مثل القهر والخوف والصراعات النفسية.
وتؤثر مصائب الحياة بتأثيرات مختلفة على الناس، فمنهم من يقعده فقده لعمله أو لمنزله أو لعزيز عليه عن السعي في الحياة ومواصلة البحث عن حلول وأفكار واقعية لمشاكله، ويقع في مستنقع الحزن والغم.
قلة النوم
ويساهم الاكتئاب بأنواعه والقلق الدائم، وكذلك دوام النوم السيئ أو قلته في الإصابة بالتفكير الوهمي والتوهمات المرضية؛ إذ تؤدي هذه الأسباب إلى العصبية الدائمة، وإلى عدم التقدير الصحيح للأمور ووضعها في حجمها المناسب وعدم الشعور بالأمان. وتساعد العزلة والوحدة في أي فترة من فترات العمر، ولأي أسباب في تحفيز الوهم والخيالات المرضية، خاصة إذا صاحب ذلك متابعة أخبار الحوادث والكوارث والجرائم. وتعمل المخدرات والمشروبات الكحولية على تقليل ارتباط الشخص بالواقع وتعزيز الأوهام والهلوسة لديه، وكذلك تفعل بعض الأدوية الكيماوية والمنشطات التي يتناولها بعض من الرياضيين.
الوساوس
تظهر أعراض التفكير الوهمي واضحة على المريض من الوساوس وتسلط فكرة المرض عليه، وعدم إحساس المريض بالراحة وتضخيم الأمور، وكثرة الشك وإدمان التفكير السلبي والعاطفي، مع البعد عن التحليل والتفكير الإيجابي.
فيتصور المصاب بالتوهم المرضي أن المغص سببه قرحة في المعدة، ويشخص لنفسه المرض في أشد صوره سوءاً، في حين يتصور مريض التفكير السوداوي أن المشاكل من حوله هو سببها، وهو بذلك يستحق أن يلحق به العقاب والعذاب.
وتحدث الكثير من المضاعفات الخطرة لمريض التفكير الوهمي، من ضمنها الفشل في حياته المهنية والاجتماعية، واستسلامه التام لمصيره الأسود الذي رسمه لنفسه.
ويصل به الأمر للرهاب والفوبيا، وهو مرض نفسي يخاف فيه المريض بشكل دائم من مواقف ونشاطات معينة، ومن أنواعه الرهاب الاجتماعي ورهاب الخلاء، والذي يخاف فيه المريض من مغادرة المنزل، ورهاب الحيوانات وغيرها.
ويمكن اعتبار بعض حالات مرض الوسواس القهري من مضاعفات مرض التفكير الوهمي؛ إذ يرى العلماء أن المعتقدات الخاطئة والخوف المرضي من التعرض للأذى أو الخطر من أبرز أعراض التفكير الوهمي؛ حيث إنها تلعب دوراً في إصابة المريض بالهلع والقلق وأعراض الوسواس القهري.
سلاح المعرفة
يحتاج مريض التفكير الوهمي للمعرفة الصحيحة الواضحة فهي سلاحه ضد معتقداته الخاطئة، وفي الحالات المزمنة يجب أن يكون الطبيب النفسي هو من يبين له مدى خطأ تفكيره، وأن أهداف الناس مختلفة عن بعضها، فليس من الممكن أن يجتمعوا كلهم على إيذائه على سبيل المثال.
ويقنع المريض نفسه بأن الخلل من عنده، وباستحالة صحة كل الأفكار التشاؤمية التي تراوده، ويصرف نفسه عن كثرة التفكير والتحليلات المفرطة بكثرة النشاطات والرياضات والأعمال، ويتعلم الانخراط في المجتمع والتعامل معه بسلاسة وعدم الانعزال أو الهروب.
ويكتب الطبيب للمريض الأدوية المهدئة والمعالجة لحالته، خاصة في الحالات التي يكون بها خلل فعلي بسيط بالدماغ يؤثر في سلامة تفكيره، ويمكن علاجه بالأدوية المناسبة، ويعرف الطبيب طرقاً لتحويل الوهم إلى علاج عن طريق الإيحاء.
الأفكار التشاؤمية
تشير دراسة أوروبية حديثة إلى أن مرضى التفكير الوهمي يتخيلون الكثير من الأفكار التشاؤمية، التي يقدر العلماء أن 94% منها لا يحدث، ويصيب الوسواس القهري 2.5% من سكان العالم، وتعتبر بعض حالاته من مضاعفات التفكير الوهمي.
وتبين الدراسة أن نحو25% أصيبوا بصداع فعلي نتيجة معلومة وهمية، وذلك في تجربة أجريت على طلاب تم إقناعهم فيها أن صعود الجبال يؤدي للإصابة بالصداع النصفي، ما يثبت تأثير الأوهام في الجسد إذا ما اقتنع بها المرء.
تتعرض الفئة العمرية من 18 إلى 35 عاماً للتوهم المرضي بشكل أكبر، وذلك يرجع إلى النشاط والحيوية التي يتملكهما الشباب، وتكثر أسباب التأثير فيهما بشكل كبير.