كثرت أسباب الضوضاء في عصرنا بسبب انتشار استخدام الآلات الحديثة ووسائل المواصلات المختلفة بالإضافة لاستخدام الآلات ذات الضجيج العالي في المصانع والبناء وغيرها حتى أصبح التلوث الضوضائي من أكثر أنواع التلوث البيئي الذي يشكو منه عصرنا الحالي، حيث إنه لا يقل خطورة عن تلوث الماء والهواء والتربة لأنه يشكل تهديداً كبيراً لحياة الناس وصحتهم، فهو يؤذي السمع ويتعب الأعصاب ويشوش الفكر ويقلق الراحة .

لذلك فقد حذر الإسلام من الضوضاء واستخدام الصوت العالي في كثير من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ووجه الإنسان إلى الاعتدال في كل شيء لأن ازدياد التلوث الضوضائي يخلف وراءه الكثير من المشكلات النفسية والجسدية للإنسان مما يسبب خسائر كبيرة مادية وبشرية للمجتمع ككل حيث تشير الدراسات إلى أن واحداً من كل أربعة رجال وواحدة من كل ثلاث نساء يعانون من الأمراض العصبية بسبب الضوضاء .

حول هذه الظاهرة يقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف المصري الأسبق إن الإسلام يهتم بالأخلاق، والأخلاق هي علاقة الإنسان بأخيه الإنسان على نمط معين يتسم بالأدب والاحترام ومراعاة شعور الآخرين . . ومن هذا الجانب نرى أن من بين قيم وأخلاق الإسلام التي نبه إليها أن يحافظ الإنسان على سمع أخيه فلا يرفع صوته حتى لا يزعج هذا الإنسان أو يكون سبباً في تعكير صفوه وتغيير مزاجه .

ولهذا نبه القرآن الكريم إلى أن على الإنسان أن يلتزم بعدم رفع صوته على أخيه فقال سبحانه واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (لقمان: 19) .

فالإسلام أمر بغض الصوت أي أن يكون الصوت خافتا غير مزعج لأي أحد مهما كان وخفض الصوت معناه أن تسمع نفسك وغيرك بهدوء ولعل أعظم آية تشير إلى ذلك قول الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (الإسراء: 110) .

وقد أشار القرآن الكريم إلى أن الأصوات العالية قد تكون نوعاً من العقاب وهذا ما حدث مع قوم عاد فقال تعالى وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (الحاقة: 6) وذكر أيضاً في سورة هود وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كما قال جل شأنه في سورة يس إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون، كل هذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى حذر من استخدام الأصوات العالية .

وعلى هذا الأساس فالمسلم مطالب أن يكون عنده ذوق وأدب في مراعاة شعور الآخرين فلا يرفع صوته ولا يستخدم نفير السيارة بلا داع إلى ذلك، ولا يرمي بشيء ثقيل يكون له صوت ولا يستعمل الدراجة النارية ذات الصوت الذي يهز الجدران، لأن كل ذلك يؤثر في الآخرين فربما هناك طالب يدرس أو مريض يتألم أو اثنان يتكلمان .

من أعظم النعم

ترى الدكتورة فاطمة إبراهيم خبيرة الشؤون البيئية في بحث لها بعنوان تلوث الضوضاء أن حاسة السمع من أعظم النعم التي أنعم الله بها على البشر ولولاها ما تمت اللغة ولا استطاع الإنسان أن يتعلم ويكتسب المهارات ولا تحقق الاتصال بين المجتمعات، فمن فوائد السمع تجنب المخاطر سواء في الطرق أم المصانع أم المنازل، كما لا ينسى فضل السمع في الاستماع لشتى الفنون السمعية والمرئية من موسيقا وطرب وغيره .

وعلى الرغم من أن للتقدم العلمي والتكنولوجي في مجالات عديدة من الحياة نتائج مبهرة ومفيدة لحياة الإنسان فإن له أيضاً آثاراً جانبية على صحة الإنسان نتيجة زيادة نسبة التلوث البيئي، ومنه التلوث السمعي الذي يأتي نتيجة زيادة نسبة الضوضاء خاصة في المدن الكبرى ومجالات العمل المختلفة والذي يؤثر بدوره في حاسة السمع ثم تأتي بقية أجهزة الجسم في المرحلة الثانية .

كذلك تؤثر الضوضاء في الإنسان في مراحل حياته المختلفة بدءا من مرحلة قبل الميلاد وهو جنين فقد أثبتت الأبحاث أن الأمهات المعرضات للضوضاء بصفة منتظمة ينجبن أطفالاً أكثر عرضة للإصابة بضعف السمع من غيرهم .

اضطرابات متعددة

تؤكد الدكتورة فاطمة أن الضوضاء تؤثر في فسيولوجيا الإنسان فتؤدي إلى اضطرابات في الهرمونات من خلال زيادة إفراز الأدرينالين التي تؤثر في الجهاز العصبي والدوري والهضمي ويؤدي إلى ارتفاع في ضغط الدم وزيادة نسبة الحموضة بالمعدة التي تتسبب في قرح المعدة والاثنى عشر إلى جانب الإصابة بالاكتئاب النفسي وفي دراسة عن تأثير الضوضاء في الريف والحضر وجد بالكشف السمعي لدى المسنين حتى سن الثمانين أن حالة السمع لديهم طبيعية مقارنة بالأعمار المتوسطة والمسنة في المدن، ذلك بخلاف تأثير الضوضاء على متوسط الأعمار فيها حيث يقل عمر الإنسان في المدن عنه في الريف لأسباب منها التلوث السمعي، كما بينت دراسة جدوى اقتصادية في تأثير الضوضاء في الإنتاج أن الضوضاء تؤثر في حركة الإنتاج، حيث إن إصابة العاملين بضعف السمع وطنين الأذنين والأمراض العضوية الأخرى يعوق الإنتاج نتيجة تغيبهم عن العمل وعدم القدرة على الأداء المطلوب . إضافة إلى تكاليف العلاج والأبحاث السمعية والفحوص العضوية الأخرى .

التغلب على المشكلة

عن كيفية التغلب على آثار الضوضاء تقول الدكتورة فاطمة: يكون ذلك عن طريق مواكبة التطور الميكني بالإحلال والتجديد للماكينات القديمة المتهالكة التي قد تكون سبباً في زيادة نسبة الضوضاء علاوة على أنها تعوق حركة الإنتاج، وحث العاملين في مجالات الصناعات المختلفة على استعمال واقيات الضوضاء سواء السماعات أو واقيات داخل الأذن مع عمل الفحوص السمعية الدورية للعاملين في الحقل الصناعي الذين يتعرضون للضوضاء، كما ترى أن الكلام بأصوات مرتفعة صاخبة كالذي يحدث في المجتمعات في المدن الكبرى يعتبر من الضوضاء الاجتماعية، لذا تدعو إلى رفع شعار الحديث الهادئ فهو أكثر إقناعاً وتحضراً من الحديث بأصوات مرتفعة أسوة بنصيحة لقمان إلى ابنه، وقال تعالى إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا (الإسراء) وقد دعانا الرسول عليه الصلاة والسلام إلى انتقاء الكلمات في الحديث فقال الكلمة الطيبة صدقة .