الانتفاضة تعني احتجاجاً على وضع قائم مرفوض من قبل الشعوب، وتأخذ أساليب مختلفة وطرقا متعددة للتعبير عن هذا الرفض، وتشمل في معانيها الكثيرة المقاومة بأشكالها ووسائلها، وخصوصا مقاومة العدوان والاحتلال التي أقرتها القوانين الدولية والدين والعرف . وكون الفنان التشكيلي فرد فاعل في مجتمعه، فإن تعبيره عن نفسه هو تعبير عن ارتباطه بأرضه ومجتمعه، وبقدر شدة ارتباطه هذا، بقدر ما يعكس إنتاجه الفني صورة أصيلة عن أحاسيسه ومشاعره، بالأسلوب الخاص به، والفنان الأصيل هو الذي يربط بين فنه والناس الذين يحيا بينهم ويعبر عن قضاياهم الاجتماعية والقومية والنضالية . ويجب أن نضيف هنا أن هذا الالتزام من الفنان الذي يبين حرية التعبير، يجب أن يكون موازيا لحرية البحث الفني والمزاوجة بين المعاناة الصادقة والبحث عن العلاقات والصيغ التشكيلية البصرية المتطورة . إن فن المقاومة يعيش الأحداث مواكبا لها، ليس بمنظار التسجيل أو التأريخ، ولا ينظر إلى الحدث ليعبر عن ردة فعل ساخنة، وإنما فن المقاومة يجسد روح الثورة والنضال، كما يعبر عن الحق كأحد الأسلحة الفعالة والمشروعة في وجه العدو أياً كان .
حال تتبعنا تاريخ الفن، نجد الفنان التشكيلي شارك وبفاعلية في المقاومة، ولعب أدوارا عديدة ومهمة إلى جانب دوره الرئيسي والفعال، كما أسهم في التحريض على الثورة والنضال ضد أشكال الاضطهاد المختلفة، ويمكننا القول أن تاريخ البشرية القديم والحديث، وصل إلينا عبر الفن التشكيلي بأشكاله المختلفة، وذلك قبل اختراع آلة التصوير الضوئي وثورة الاتصالات الحديثة، فعند اكتشاف كهوف ألتيميرا في شمال إسبانيا، وجد أن الجدران كلها مزينة برسوم ونقوش صاغها الإنسان لحيوانات حوله، لغرضين، التدريب على هذه الرسوم في التغلب عليها، وأيضا للتعود على رؤيتها لكي يلغي الخوف منها، ويعود تاريخ هذه الرسوم الى160000 سنة قبل الميلاد أي منذ العصر الحجري الأول في ما قبل التاريخ .
في العصر الحديث، نجد أن الفنان الإسباني فرانشيسكو جويا رسم مجموعة من اللوحات المهمة، سماها ويلات الحروب مكونة من اثنين وعشرين عملا عن الحرب والمقاومة، مع تصوير مجازر الحرب ولاانسانيتها، في إحدى هذه اللوحات رسم جويا مكتبة الأسكوريال الشهيرة ليشهد التاريخ على أعمال الغازي المعتدي، ورغم أنه كان كارها للحرب إلا أنه كان مؤيدا للمقاومة، ورسم لوحتين مهمتين، الأولى عن هجوم المماليك، والثانية التي أطلق عليها اسم الثالث من أيار، وبين فيها إعدام المرافقين المدافعين عن مدريد إبان العدوان الفرنسي بقيادة نابليون على إسبانيا عام 1808 . لذا، يعتبر جويا من أوائل فناني المقاومة في العالم .
كذلك نجد الفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا، الذي عاصر الثورة الفرنسية ومقدماتها والظروف التي أدت إلى نجاحها، ففي لوحته المشهورة الحرية تقود الشعب بين الفنان انتفاضة 1830 وهي من الأسباب المهمة في إنجاح الثورة، وفيها فرنسا المرأة التي تحمل العلم ومعها جموع الشعب بطبقاته وفئاته المختلفة، تسير مندفعة إلى الأمام وتدوس في طريقها كل الفاسدين والظالمين والمحتكرين لحقوق الشعب .
فنان مهم آخر، هو الفنان بيكاسو، الذي رسم لوحته الجدارية غورنيكا والتي تحتل، عن جدارة، مكانا بارزا في قاعات هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وقد أتمها الفنان عام 1938 وهي تحكي عن ويلات الحرب الأهلية الإسبانية، واللوحة غنية بالرموز الواضحة، فهناك الثور الهائج والحصان الجامح وشعلة الحرية رغم العديد من الضحايا والمصابين، وفوق كل هذا، نرى العين المضيئة المراقبة، رموز واضحة كما قلت، إلا أنها غنية، بالتعبير عن الظلم والثورة وويلات الحرب .
المقاومة في الفن التشكيلي لم تكتف بالثورات والحروب، ولكنها شملت النضال ضد كل أسباب الظلم، فنجد فنان جنوب إفريقيا، ويلي بستر، وهو نحات يرفض في أعماله التمييز العنصري، الذي كان يسود جنوب إفريقيا، حيث كان يجمع النفايات والبقايا ليشكل منها نحتا بارزا ريليف ثم يرسم فوقه بالألوان الزيتية معاناة شعبه المغبون الحقوق في بلده الأصلي . أما في المكسيك، فنجد الفنان دييغو ريفيرا المتوفى عام ،1957 الأبرع بين الفنانين المكسيكيين، حيث عرف كيف يختصر تاريخ المكسيك العريق والمتشبع في جداريات شكلت رصيدا فنيا لا مثيل له في تاريخ وطنه، حيث امتلك الموهبة الفذة في إعادة إحياء تاريخ المكسيك المحروس بشبح الموت، والذي يرمز إلى البداية والأمل في المعتقد المكسيكي، والموشوم بفنونه الأصلية النابعة من حضارات عريقة كحضارة الأزتيك .
في الوطن العربي، برز هذا الارتباط الوثيق بين الفن التشكيلي والانتفاضة كشكل من أشكال المقاومة، وذلك للظروف التي يعيشها الوطن العربي من استعمار وقهر، ولوجود قضية العرب المركزية، قضية فلسطين، لذا نجد العديد من الفنانين التشكيليين في الوطن العربي، كانت معظم أعمالهم تحمل هذا الهم، وتعبر عنه بكل الأساليب الفنية والتقنيات المختلفة . ومن أهم هذه الأعمال، تمثال الفنان العراقي جواد سليم نصب الحرية الذي يعتبر من أهم الأعمال العربية التي تبين نضال الشعوب وكفاحها من أجل الحرية والاستقلال، كذلك أعمال الفنان الكويتي سامي محمد النحتية التي تظهر الإنسان العربي المقيد والمكمم والمهدد، كما تبينه وهو منطلق نحو التحرر في انتفاضة جامحة تكسر الحديد والقيود . هناك أيضا برهان كركوتلي من سوريا ومحمد عبلة من مصر، والعديد من الفنانين من الوطن العربي .
أما في الإمارات، فقد عبر الفنانون التشكيليون عن القضية الفلسطينية بكل أوجهها النضالية، وبكل الأساليب الفنية والتقنيات، وخصوصاً الانتفاضة الأولى وانتفاضة الأقصى، فنجد الفنان حسن شريف قدم أعمالا كبيرة الحجم تمثل القضية الفلسطينية بطريقة الطباعة بالشبكة الحريرية (السلك سكرين)، كما قدم الفنان عبد الرحيم سالم أعمالا ضخمة أيضا تمثل المارد العربي والمقاومة وذلك باستخدام النحت البارز على المعدن، أما الفنان عبد القادر الريس، فقد قدم أكثر من عمل زيتي عن الانتفاضة الفلسطينية اضافة لأعماله الأخرى التي عالج فيها القضايا القومية الأخرى وقد بيعت احدى هذه اللوحات الفنية خلال أحد المزادات عام 1989 بمبلغ وصل الى سبعين الف درهم في ذلك الوقت مما يعادل أضعافه هذه الأيام . كثيرون هم فنانو الدولة الذين مارسوا الفن التشكيلي المقاوم، منهم، على سبيل المثال لا الحصر، عبد الرحمن زينل، محمد الأستاذ، موسى الحليان، عبد الرحمن العويس، أحمد النصاري وعبد الله جابر .
خصوصية
الفنان التشكيلي الفلسطيني، نجد أعماله لا تنفصل عن رؤيته بالنسبة لقضيته، فقد عبر كل فنان حسب أسلوبه وتقنيته ومكان وجوده . ولا يسعنا المجال هنا لذكرهم جميعا، ولكن يجب التنويه بالفنان التشكيلي الرائد اسماعيل شموط الذي أرخ للقضية الفلسطينية من خلال أعماله الفنية المختلفة، كما أنه عرّف العالم بعدالة قضيته عبر المعارض التي أقامها أو أسهم في اقامتها في أنحاء متفرقة من العالم، أيضا الفنانة تمام الأكحل التي شاركت زوجها اسماعيل النضال الفني كأول فتاة تدرس الفنون التشكيلية أكاديميا . ولا ننسى الفنان المبدع مصطفى الحلاج الذي استغل الأساطير الكنعانية ورموزها ليعبر عن قضيته الفلسطينية، حيث أبدع في تسجيل تاريخ القضية في لوحة، بلغ طولها عند وفاته، 114 متراً . هناك أيضا الكثير من الفنانين الفلسطينيين الذين طبعت أعمالهم وعلقت في البيوت الفلسطينية والعربية، مثل سليمان منصور وبشير السنوار وكامل المغني .
تجربة فلسطينية رائدة في هذا المجال، هي تجربة الفنانين محمد الركوعي وزهدي العدوي، وهما شابان فلسطينيان كانا داخل المعتقل الصهيوني، وكانا يرسمان داخل سجنهما بالوسائل المتاحة أحيانا، والمهربة إلى داخل السجن معظم الأحيان، فكانت أعمالهما تعبر بصدق عن معاناة الشعب الفلسطيني وتوقه الى الحرية .
حين نتحدث عن الفن التشكيلي والمقاومة، يجب ألا نغفل دور الملصق (البوستر)، الذي انتشر في الخمسينات من القرن الماضي، وقد برز العديد من الفنانين في هذا المجال، اهمهم عبد القادر أرناؤوط الذي يعود اليه الفضل في تطور الملصق السياسي العربي، خصوصا من الوجهة الفنية، وفي المرحلة ذاتها، ظهرت أسماء أخرى أبدعت كثيرا في هذا المجال، مثل شفيق رضوان، الحلاج، محمد شبعة، محمد المليحي، خزيمة علواني، رافع الناصري، ضياء العزاوي، صالح الجميعي وبرهان كركوتلي، أضف الى ذلك مشاركة فنانين عالميين اشتهروا بانسانيتهم ومواقفهم المؤيدة للقضية الفلسطينية .
ولابد من الإشارة إلى أن الملصق هو إعلان عن موقف، وهو إبداع تشكيلي يحمل مقومات العمل الفني ولا يفقد شيئا من قيمته الفنية، ففيه كل الصفات التي تجذب الجمهور ويؤدي دوره كلوحة إضافة إلى دوره كملصق ويحمل قيمة أخلاقية أكثر منها مادية، وفي الوقت الراهن يدخل فن الملصق مرحلة مهمة على الرغم من مسيرته القصيرة نسبيا، وهي تجاوز الحدود المحلية مؤكدا بذلك عدم انفصاله عن سائر أشكال التعبير التشكيلي، لقد شهد الملصق فترة نضوج وازدهار من حيث الطباعة والتصميم والإخراج، كما عبر عن مواقف فكرية واجتماعية وسياسية، وكان لمضمون الملصق بحكم طبيعته الجارية وسرعة انتشاره وقوة تأثيره، دوره المهم في خلق الوعي باتجاه التقدم ودعم النضال الوطني والإنساني والقومي .