يشترك محمد عابد الجابري مع غيره من المفكرين العرب الحداثيين في الانحياز الثقافي إلى خيار النهضة والحداثة والتقدم وفي الدفاع عن ذلك الخيار لا يغيّر من ذلك أن الرجل صرف الشطر الأعظم من وقته وتأليفه في دراسة التراث العربي - الاسلامي. فقد فعل ذلك مسكوناً بفكرة الحداثة، بل افترض انشغاله الدائب بتأسيس رؤية جديدة للتراث تعبيراً كثيفاً عن إرادة الانتصار للحداثة. هذا يعني أننا أمام رهان آخر من رهانات الحداثة الثقافية لا يشبه المألوف من الرهانات السائدة في الفكر العربي المعاصر، بل يختلف عنها في المقدمات والفرضيات وإن تقاطع معها واشترك في الأهداف والغايات.
كان المألوف أن يُقرأ خطاب الحداثة في الفكر العربي بما هو خطاب قطيعة مع التراث في المقام الأول. والقطيعة هنا لا تقتصر على الرؤية المعرفية والموقف الفكري فحسب، وإنما تشمل الموضوع نفسه: موضوع التراث. وهكذا لا تكون الحداثة قطيعة مع رؤية تراثية تقليدية فقط، بل تكون أيضاً قطيعة مع الاهتمام بالتراث نفسه الذي يمثل مجرد الانشغال بأمره انجراراً إلى سلطته وسقوطاً في وهم إمكانية الإفادة منه. وبمقتضى هذا الموقف الرافض للتراث بحسم قاطع، لا يكون لأية رؤية نقدية أو عصرية، أو حتى تنويرية، للتراث ما يشفع لها أو يعترف لها بمساحة ما من مساحات المشروعية، لأنها بحسبه - واقعة تحت سلطان موضوعها وإن ادعت لنفسها تحرراً من النظرة التراثية الى التراث.
لعل كلا من زكي نجيب محمود وعبدالله العروي أكثر من عبر عن فكرة القطيعة النهائية مع الماضي ومع التراث في كتاباتهما الأولى(1). وهي فكرة غذّاها المنزع الوضعي العلموي للأول والمنزع التاريخاني الحداثي للثاني، وتقدير مشترك لمعنى التقدم يقترن مع الاعتقاد بأن هذا التقدم إنما يبدأ من نقطة معلومة: الفكر الحديث ومكتسباته المعرفية والعلمية. ولذا، بدا كل اتجاه نحو التفكير في ما قبل نقطة البداية هذه فلسفة الأنوار مضيعة للوقت وغرق في أوحال الميتافيزيقا أو التقليد. وقد وجد هناك من بنى على هذه المقدمات كي يذهب برفضه للتراث الى حدود العدمية وفي ظنه أن القطيعة مع التراث كموضوع تقود حكماً الى القطيعة مع الوعي التراثي(2). ولم تلبث الماركسية العربية والعلمانية العربية العقائدية - المسكونتان بفكرة معاداة الدين - أن كرستا تلك النظرة العدمية الى التراث: مضموناً وموضوعاً(3)، وأشاعتها على أوسع نطاق اجتماعي وثقافي وجامعي!
حين بدأ الأستاذ محمد عابد الجابري يؤلف في حقل دراسات التراث، منذ مطالع عقد السبعينات من القرن العشرين الماضي، كان بعض مفكري الحداثة العرب يتحرر - شيئاً فشيئاً - من فكرة القطيعة مع المجال الفكري للماضي، ويتصل اتصالاً مباشرة بالتراث من أجل إعادة وعيه بأفق معرفي مختلف. كان جيل جديد من الباحثين في مجال الاسلاميات قد دخل ميدان التأليف مسلحاً برؤى جديدة ومناهج حديثة ومستوعباً موقعه الجديد في ساحة الأفكار بما هو الموقع النقدي المتقدم لكسر احتكار قراءة الاسلام وتراثه من قبل تيارات حاول رجالها دائماً تقديم أنفسهم وكأنهم حراس الماضي، بعض أبناء هذا الجيل من الباحثين في التراث استكمل تعليمه العالي في جامعات غربية ومنها تخرج حسن حنفي ومحمد أركون وهشام جعيط ومحمد الطالبي وناصيف نصار وعلي أومليل وطه عبدالرحمن، وبعض ثانٍ منهم درس في البلاد العربية محمد عابد الجابري وحسين مروة، غير انه جمع بينهم الطموح الى إعادة قراءة الموروث بعقل غير تراثي، وإلى إعادة وعي العلاقة بين الحاضر الاجتماعي والثقافي وبين ذلك التراث على نحو جديد ومتحرر من ضغط الطلب الايديولوجي والسياسي(4). وهو مشترك فكري ومنهجي لم يغير منه الاختلاف في الاختصاص (فلسفة وتاريخ ومنطق وعلوم لغة وسيميائيات)، بين هذا وذاك منهم.
كتب الجابري، اذن، في هذا المناخ من صعود نخبة جديدة في ميدان الدراسات التراثية، وكان ما يكتبه منذ ذلك الحين، شديد الاتصال بسؤال التقدم، أي منخرطاً في هاجس بناء حداثة فكرية عربية. وظل حريصاً في المقدمات التي يصدّر بها كتبه وفي الاستنتاجات التي يثبتها في نهاية كل تأليف على إضاءة اشكالية الحداثة عنده بما هي الاشكالية التي لا تقبل مقاربة علمية وتاريخية صحيحة الا متى مرت من بوابتها الطبيعية: إعادة التفكير في التراث وفي الماضي، وإعادة تصويب علاقتنا به على النحو الذي نتحرر فيه من سلطته المرجعية في تفكيرنا وفي اجتماعنا السياسي وفي حياتنا المدنية. لم يكن الجابري مختلفاً مع غيره من القائلين بأن الحداثة ليست شيئاً آخر سوى القطيعة بعد قراءتنا لهذا التراث وليس قبل ذلك. فالتحرر من التراث تحرر من سلطانه الفكري، وهذا لا يحصل إلا متى كشفنا بالتحليل حدود ذلك السلطان الفكرية والتاريخية، أي: متى استوعبناه من أجل أن نتجاوز.
لا بد لحداثتنا - في رأي الجابري - من أن تأتي من الداخل: من داخل التربة الفكرية العربية وإلا كانت حداثة مستعارة، قيصرية، مفروضة من فوق، مما لا تكتب لها حياة معها. نحن، إذن، أمام مفهوم للحداثة يشدد على بعديها التاريخي والنسبي.
(هوامش):
(1) اختلف الأمر في كتاباتهما المتأخرة ولكن مع اختلاف في الوجهة والمآل: ففيما تصالح صاحب خرافة الميتافيزيقا مع الرؤية التراثية للتراث، ظل عبدالله العروي وفيّاً لمنطلقاته التاريخانية والحداثية مع انفتاح أكبر على دراسة النص التراثي برؤية عصرية بعيداً قليلاً عن فكرة القطيعة مع التراث كموضوع.
(2) إن أكثر المنفصلين عن التراث في عملهم الأكاديكي - كالعلماء مثلاً - تراثيون في وعيهم أو محكومون بسلطة الحقائق التراثية.
(3) ربما كان حسين مروة مختلفاً عن بني مذهبه من الماركسيين العرب كما يدل على ذلك كتابه: النزعات المادية في الفلسفة العربية - الاسلامية. وبمعزل عن نوع قراءته المادية المنمطة للتراث العربي، فإن مجرد عنايته بدراسة التراث مثّل خروجاً عن تقليد عدمي راسخ عند الماركسيين والعلمانيين، والشيء نفسه ينطبق على كتابات مادية أخرى في التراث لباحثين آخرين مثل طيب تيزيني ونايف بلوز وهادي العلوي.
(*) علي أومليل وطه عبدالرحمن من جيل الأربعينات ولادة بينما السابق ذكرهم من مواليد الثلاثينات، أما الطالبي، فمن جيل العشرينات.
(4) لا تنطبق هذه الملاحظة على الجميع، فقد شذ عنها - بتفاوت - كل من حسين مروة وطيب تيزيني وحسين حنفي وطه عبدالرحمن.