الجزية والغنيمة والفيء والخراج والعشور، مصطلحات فقهية قديمة عرفها المسلمون وغير المسلمين في العهود الأولى من الإسلام، حيث إن الدول الإسلامية كانت تشتبك مع غيرها في حروب .
وتعرف أجيال اليوم الضرائب والرسوم التي تفرضها الدول على بعض السلع أو مقابل بعض الخدمات التي تقدمها، أو عقوبة لمخالفات ترتكب ضد القوانين .
لكن شتان بين هذه وتلك، لأن الحكم يختلف باختلاف الأحوال وظروف الزمان والمكان، وإذا كان بينهما تشابه فمن وجه وليس من كل الوجوه .
فالجزية على سبيل المثال مشتقة من الجزاء وهي ما يؤخذ من أهل الذمة، والغنيمة هي الأموال والأسرى من أهل الحرب إذا استرقوا، والفرق بينهما أن الجزية تؤخذ من غير قتال، والغنيمة تؤخذ بعد قتال .
والفيء ما يتركه غير المسلمين بعد هروبهم خوفاً من المسلمين أو مقابل عدم مقاتلتهم، فالمهم أنه مال يحصل عليه المسلمون من غير قتال أيضاً .
والخراج ما تفرضه الحكومة الإسلامية على أرض غير عشرية من حقوق مالية ويؤدى إلى بيت المال، وهو يشترك مع الجزية في كونه يفرض على أهل الذمة، لكنه يختلف في كونه يفرض على الأرض، والجزية توضع على الأشخاص، والجزية تسقط بالإسلام، أما الخراج فلا يسقط .
والعشور ما يؤخذ من غير المسلمين على أموالهم المعدة للتجارة، وهو يختلف عن الجزية في كونه يؤخذ على المال، والجزية على الأشخاص ويختلف عن الخراج في أنه يؤخذ من أهل الذمة والمستأمنين من أهل الحرب .
شرعت الجزية في العام التاسع من الهجرة، عندما نزلت الآية الكريمة: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . (الآية رقم 29 من سورة التوبة)
- ويذكر أبوعبيد في كتاب الأموال (ص41) أن أول من أعطى الجزية بعد نزول هذه الآية أهل نجران وكانوا نصارى، وفي العام نفسه أخذ الرسول الجزية من مجوس هجر (البحرين قديماً) وأخذها من أهل أيلة بالعراق وأذرعان في الجزيرة العربية، كما يروي ابن القيم في زاد المعاد (ج2 ص28)
إذن فإن الجزية لم تشرع في البداية، وعندما شرعت فإنما شرعت بمواصفات معينة أوجزتها الآية الكريمة، والحديث المروي في صحيح مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال له: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين .
فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم هذا وللمقال بقية .