ترجمة: محمد إبراهيم فقير
هل تكره نوعاً محدداً من الخضروات؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد يكون للأمر علاقة بالجينات، ذلك أنها تتحكم بمدى حساسية براعم التذوق الموجودة في اللسان .
كما تتحكم الجينات بكثير من المظاهر الجسمانية والصفات والمزايا الإنسانية، كالشبه في المظهر بين الابن وأعمامه، وسرعة الغضب التي يرثها بعض الأبناء من آبائهم .
ومؤخراً اكتشف العلماء أن الجينات لا تتحكم بالمظهر فحسب، بل تتعداه وتتحكم حتى بنزعات إنسانية صرفة مثل الفوبيات (انواع الرهاب المختلفة)، والتي تشمل الخوف المرضي من أشياء قد لا تكون مخيفة بالدرجة التي يتصورها مريض الرهاب الفوبيا . ويقول العلماء إن الفوبيات يمكن أن تنتقل ويتم توارثها من جيل إلى جيل .
وقد اكتشف العلماء أيضاً أن كثيراً من أوجه صحتنا العامة وأسلوب معيشتنا، كمنهجيات النوم، وما إذا كنت تحب الخضروات أم لا، والكثير الكثير من سمات الحياة الأخرى قد تتأثر بالجينات أيضاً .
وفي التحقيق التالي نستعرض عدة سمات وأشياء قد يتفاجأ القارئ حينما يعلم أنها يمكن أن تكون متوارثة .

كره الكرنب


إذا كان أكل نوع محدد من الخضروات كاكرنب (الملفوف مثلاً) يجعلك تتجشأ أو تتقيأ، فقد يكون للأمر علاقة بالجينات، لأنها تتحكم بمدى حساسية براعم التذوق .
ويقول العلماء إن غالبية البشر يكون لديهم في المتوسط 25 نوعاً من مستقبلات تذوق الأطعمة المرة في ألسنتهم، بيد أن البعض لديهم أكثر .
ويقول الخبراء: "إن زيادة براعم التذوق في اللسان تعني أنك على الأرجح ستجد مذاق الكرنب لاذعاً أو مريراً" .
وهؤلاء الناس لديهم إحساس عال بالمذاق المر، ويسمون بالمتذوقين الخارقين وهذا يعزى لتركيبتهم الجينية .
وهم يشعرون بالمذاق اللاذع بكثافة تصل إلى 60 ضعفاً أكثر بالمقارنة بالأشخاص الذين يتسمون بعدد متوسط من براعم التذوق .
والكرنب غني بحمض الفوليك، وهو عنصر ضروري لصحة الدم وللحيلولة دون الإصابة بالأنيميا . وأجسامنا لا يمكنها تخزين حمض الفوليك ولذلك نحن بحاجة لما لا يقل عن 2,0 ملليغرام من هذا العنصر في غذائنا اليومي .
وإذا كنت لا تحتمل تناول الكرنب، ينصحك الخبراء بأكل البروكولي، أو البازلاء (البسلة) أو الهليون لأنها غنية بحمض الفوليك .

الحساسية للألم


يقول العلماء إن الكيفية أو الطريقة التي يمكنك تحمل الألم عبرها، تتباين بما يصل إلى 100 ضعف اعتماداً على حمضك النووي .
وفي دراسة أجرتها جامعة بريطانية، طلب من المتطوعين الضغط على زر عندما يشعرون بأن الحرارة المنبعثة من مجسّ "أو مسبار" موصول بأذرعهم أصبحت مؤلمة للغاية .
ومن ثم حلل الباحثون الحمض النووي الخاص ب 200 من أكثر وأقل الناس حساسية للألم .
واكتشف الباحثون أن الذين يعانون حساسية للألم يتسمون بفوارق متباينة في جينات الألم الخاصة بهم بالمقارنة مع الأشخاص الذين يتصفون بحساسية أقل إزاء الألم .
ويعلق العلماء بقولهم: "أظهرت تجارب أجريت على حيوانات أن وجود جينات معينة أم عدم وجودها بدل الحساسيات للألم أو الدواء بمعدل يصل إلى 100 ضعف . ونحن نعتقد أن ذلك قد ينطبق على البشر أيضاً" .
والجينات يمكنها أيضاً التأثير في الكيفية التي تستجيب بها أجسادنا للكوديين ومسكنات الألم الأخرى .
وعلى سبيل المثال، تذكر إحصاءات أن نحو 15% من الناس لا يستفيدون من الكوديين، ويعزى ذلك لافتقارهم لإنزيم يسمى سايتوكروم P450 2C9، وهو يسهم في استقلاب الكودين وتحويله لمورفين للتخلص من الالم .

الخوف من الزواحف


هل تخشى الزواحف كالعناكب؟ أو الثعابين؟
يعتقد أغلبية الناس أن مثل هذه المخاوف لها علاقة بالكيفية أو الطريقة التي نشأت أو تربيت بها، وعلى سبيل المثال إذا صرخت والدتك عند مشاهدتها لعنكبوت، فإنك ستتعود على فعل الشيء نفسه .
بيد أن العلماء اكتشفوا مؤخراً أن الخوف من التجارب والمشاعر غير المريحة، كالخوف من العناكب يمكن أن ينتقل ويتوارث عن طريق الحمض النووي، من جيل إلى جيل .
ومؤخراً، أجرى علماء جامعة إيموري بالولايات المتحدة، تجربة بحثية، قاموا خلالها بتدريب أو تعويد فئران على الإحساس بالخوف من رائحة أشبه برائحة أزهار الكرز بمقاربة الرائحة بصعقة كهربائية خفيفة .
وقد أظهرت الاختبارات التي أجريت على ذرية أو سلالة الفئران أنها اتصفت بردة فعل يشوبها خوف زائد إزاء نفحات زهرة الكرز بالمقارنة مع رائحة محايدة، وقد حدثت هذه الاستجابة بالرغم من أن الفئران لم يسبق لها مطلقاً اشتمام أي من هاتين الرائحتين من قبل .
ولاحظ العلماء أن الاستجابة أو ردة الفعل نفسها تكررت مع الجيل التالي من الفئران .
وحتى عندما حبلت ذرية الفئران عن طريق التخصيب الاصطناعي وتربت مع حيوانات مختلفة، كانت لا تزال متخوفة من الرائحة، وهذا يشير إلى إمكانية دمغ الجين بالخوف .
ويقول البروفيسور غاريث إيفانز، أستاذ طب الجينات وعلم الأوبئة في جامعة مانشستر: "بدأنا نفهم المزيد عن الكيفية التي تؤثر بها جينات من أجيال سابقة في سلالة أو ذرية تأتي في المستقبل . ومن المحتمل أن تقود اكتشافات ظهرت في دراسات أجريت على حيوانات "كالفوبيات المتوارثة"، إلى ابتكار تشخيص أفضل للأختلالات النفسية ولأنماط أخرى من الأمراض النفسية" .

رداءة النوم

بعض الناس يجدون صعوبة في النوم بالليل لأنهم يفتقرون إلى جينات الراحة اللازمة للنوم السهل .
وهؤلاء لا يستجيبون لمشاعر الاسترخاء والحميمية التي يحصل عليها الأشخاص الطبيعيون من استلقائهم في سرير النوم، وهذه المشاعر تجعل الشخص العادي يستسلم للنوم في غضون 15 دقيقة من إطفاء الأنوار والمصابيح .
وبدلاً من شعورهم بالنعاس، يظل الأشخاص الذين يفتقرون إلى جين الراحة مستسلمين لحالة من اليقظة العقلية، وهي حالة تجعل النوم الطبيعي الطويل مستحيلاً .
وهم ينامون نوماً متقطعاً حتى إذا غالبهم النعاس، ويتحججون بسوء حالة فراشهم أو صعوبة إيجادهم لوضع النوم الصحيح . وهذه الحجج تجعلهم أكثر قابلية للإصابة بالأرق .
ويقول العلماء إن جينات الأرق نشأت في الأصل في العصر الحجري حيث كان الناس في تلك العصور الغابرة، يختارون واحداً أو اثنين من أعضاء القبيلة الذين يمكن الاعتماد عليهم في البقاء متيقظين لحراسة المجتمع من الهجمات المعادية أثناء النوم .
والمشكلة هي أن الأرق يمكن أن يكون مؤشراً إلى تعرض المصاب به لمشكلة صحية خطرة، لأن الحرمان من النوم له علاقة بالسمنة، وأمراض القلب وتدني المناعة إزاء الإصابة بالالتهابات .
كما أن نقص النوم قد يقلل مدى العمر أيضاً .
ويقول العلماء إن الجينات ليست سوى جزء من المشكلة، إذ توجد أسباب أخرى يمكن أن تقود للإصابة بالأرق كالقلق والتوتر، وهذه عوامل تؤدي إلى تراكم مستويات عالية من هرمون الكورتيزول .

صعوبة الوصول إلى لياقة بدنية سليمة


إذا كنت تشعر بصعوبة في التنفس بعد دقائق قليلة من بدء ممارستك لتمرينات لياقة بدنية، فقد يكون للأمر علاقة بجينات أو هرمونات ورثتها من والديك .
ويقول العلماء إن واحداً من كل خمسة من البشر، ورث جينات ضعف في اللياقة البدنية .
وفي دراسة علمية موسعة أجريت في عام 2010 طلب علماء من عدة مراكز علمية من أكثر من 600 شخص ممارسة رياضة ركوب الدراجات، ومن ثم تتبعوا ورصدوا التحسن اللاحق الذي طرأ على لياقتهم البدنية .
وقد قاس العلماء مقدار التحسن بمعايرتهم لمقدار الأوكسيجين المستنشق، حيث يعد مقدار الأوكسيجين المستنشق أو الداخل للرئتين مؤشراً إلى مقدرة القلب على ضخ الدم ومن أفضل العلامات التي تدل على إمكانية التمتع بشيخوخة طويلة تتسم بصحة سليمة .
وبفحص الحمض النووي للمتطوعين المشاركين في هذه الدراسة اكتشف العلماء أن واحداً من كل خمسة أشخاص، أو نحو 20% لديهم توليفة جينية وهذا يعني أن استنشاقهم للأوكسيجين لم يطرأ عليه تغيير يذكر بالرغم من ممارستهم لرياضة الدراجات لعدة أسابيع .
ويرى العلماء أن اكتشاف وتحديد الجينات غير اللائقة بدنياً يمكن أن يعين الأطباء ومدربي اللياقة البدنية على وضع وتصميم برامج لياقة بدنية تناسب كل شخص على حدة . وقد وجدت دراسة أخرى، أن بعض الناس لديهم "جينات عضلية"، وهذا يعني أنهم ولكي يبنوا عضلاتهم ويقووها، يحتاجون لتمرينات لياقة بدنية تقل كثيراً عن التمرينات التي يحتاجها الآخرون لبلوغ الهدف نفسه .
ويقول العلماء إن الطبيعة أو السمة التي تمكنك من تدعيم متانة عضلاتك وتحسين لياقتك البدنية تتحكم بها العوامل الوراثية بدرجة كبيرة .

إنجاب أبناء أذكياء

إذا كنت ترغب في إنجاب أبناء أذكياء فتزوج امرأة ذكية، لأن الدراسات تقول إن الرجال الأذكياء يدينون بأدمغتهم اللماحة لأمهاتهم .
ومؤخراً كشفت دراسة نشرت في مجلة لانسيت الطبية أن الجينات التي تحدد مدى الذكاء متموضعة في الكرومزوم X، وهو الكروموزوم الذي يرثه الرجال من أمهاتهم .
وهو يقترن بكروموزوم أصغر كثيراً وهو كروموزم Y يرثه الرجل من والده .
أما المرأة فإنها ترث 2 من كروموزومات X أحدهما من الأب والثاني من الأم .
وفي الآونة الأخيرة بات فهم العوامل التي تؤثر في الذكاء، يكتسب أهمية متزايدة، خاصة بعد أن أصبح حاصل الذكاء مؤشراً جيداً لمدى العمر، والتحصيل العلمي والدخل المادي .
وتشير كثير من الدراسات إلى أن نحو نصف فوارق الذكاء التي تميز بعض الأشخاص عن البعض الآخر، تنجم من عوامل جينية، ومن أسلوب وطريقة التنشئة التي يربى بها الأبناء .


الهوس بالنحافة


يقول العلماء إن بعض الناس لديهم جينات نحافة تدفعهم لأن يصبحوا نحيلين .
ومؤخراً استطلع باحثو جامعة ميتشيغان بالولايات المتحدة، مئات من الشقيقات التوائم، حول نظرتهن لأجسادهن بالمقارنة مع النساء الرشيقات اللائي يرونهن كل يوم في وسائل الإعلام والأفلام السينمائية، وإلى أي مدى يرغبن في أن يصبحن كهؤلاء النساء .
وأطلق الباحثون على مثل هذه التطلعات مسمى "مثالية النحافة" . وفي هذا الاستطلاع ذكرت التوائم المتطابقة اللائي يتشاركن في الجينات أنهن يرغبن سوية في أن يبدون نحيفات .
بيد أن العلماء لاحظوا أن ثمة فارقاً كبيراً جداً في مستوى مثالية النحافة وسط مجموعات توائم البيضتين، وهذا النوع من التوائم يتشاطر في المتوسط في نحو نصف الجينات فقط .

عشق السكريات والحلويات

أكتشف العلماء جيناً يمكن تسميته ب "جين الأطعمة الحلوة"، وهذا ما يمكن أن يفسر ضعف مقاومة بعض الناس للحلويات والشيوكولاته والفطائر الحلوة، والكيك . . . إلخ .
ومؤخراً، أعد باحثو كلية الطب بجامعة هارفرد تجارب استخدموا فيها فئراناً تتسم بفوارق في مقدرتها على تذوق الأطعمة الحلوة .
وقد قارن الباحثون حمض الفئران النووي واكتشفوا تغيراً في جين يطلق بروتين يسمى ب "مُستقبل المذاق الحلو" .
ويميز هذا المستقبل المحتويات الحلوة للأطعمة ويصدر إشارات للدماغ يفيده فيها بأن طعاماً حلواً قد تم تناوله .
ويعتقد العلماء أن جين عشق الأطعمة الحلوة، يؤدي لتفضيل الأطعمة الحلوة .
ويتطابق هذا الجين مع جين موجود عند البشر، ولذلك يرى الباحثون أنه إذا كان والداك يحبان الأطعمة الحلوة، فعلى الأرجح ستحبها أنت أيضاً .


الصخب والضوضاء


ذكرت دراسات حديثة أن مخاطر وراثة بعض الناس لمرض الشقيقة "الصداع النصفي" من أمهاتهم تتراوح نسبتها بين 70% و80%
ومؤخراً اكتشف باحثون أن جيناً معطوباً يتسبب في تعطيل وظيفة بروتين يسمى "تريسك"، وهذا يعني أن الجسم يستجيب بسرعة أكبر للمثيرات والأشياء الموجودة في بيئتنا البيئية كالصخب والضوضاء والجبن والكافيين، وهي عناصر تثير في الدماغ مراكز الألم التي تسبب الصداعات النصفية .
ويقول العلماء إن النساء أكثر أرجحية لتوارث الميل للإصابة بالصداعات النصفية لأنهن يحملن أعداداً أكبر من هذه الجينات المعطوبة .
ولدى نحو 20% من النساء و10% من الرجال المصابين بالصداع النصفي، أب أو أم يعانون هذا المرض، وتتضاعف نسبة الخطر إذا كان الأب والأم يعانون معاً الشقيقة .

كيف يؤثر الآباء في سن اليأس؟

من المعروف أن توقيت دخول المرأة في سن اليأس له علاقة بتجربة والدتها والمرحلة العمرية التي بلغت فيها هذه السن .
ويوضح العلماء بقولهم إنه إذا بلغت امرأة سن اليأس في مرحلة مبكرة من عمرها، فعلى الأرجح ستفعل ابنتها مثلها .
وهذا قد يعزى لإمكانية وجود علاقة جينية تؤثر في معدل موت الخلايا في المبايض .
بيد أن تجربة المرأة مع سن اليأس لا ترتبط بالجينات التي ورثتها من والدتها فقط .
ويرى العلماء أن توقيت سن اليأس وأعراضه قد تتحدد أيضاً بما يسمونه ب "حرب جينية" تنشأ بين الحمض النووي الذي ترثه المرأة من والدتها ووالدها . وفي دراسة حديثة، نشرت في الشهر الماضي، قال علماء من جامعات بريطانية ويابانية، إن هذا "التشاجر الهرموني" مرده لرغبة جينات والدها في منعها من إنجاب أبناء، في حين ترغب جينات والدتها في الاستمرارية .
ويوضح الدكتور فرانسيسكو أوبيدا الذي شارك في إعداد هذه الدراسة: "جينات المرأة الأبوية تدفع باتجاه بلوغ سن اليأس في مرحلة مبكرة، في حين تسعى جيناتها الأموية لإبطاء عملية الوصول إلى هذه السن" . ويؤدي هذا الصراع للإصابة بأعراض مثل التعرق الليلي، والتقلبات المزاجية .
ويقول الباحثون إن صراع المصالح هذا، يمكن أن يفسر ليس الأسباب التي تجعل النساء يصلن لسن اليأس فقط، ولم تستمر لفترة طويلة ومضطربة للغاية .
ويرى العلماء أن فهم الكثير من الأمور التي تتعلق بالجينات التي تشارك في عملية وصول المرأة إلى سن اليأس، يمكن أن يؤدي لابتكار فحص يخبر المرأة بالمدى الزمني الذي ينبغي فيه أن تنجب وتكون أسرة .
وفي العام الماضي، ذكرت دراسة دنماركية، أن خصوبة المرأة قد تكون، بدرجة ما، موروثة من والدتها .
واكتشف الباحثون الدنماركيون بعد مراجعة أجروها لمجموعة مكونة من أكثر من 500 امرأة تراوح أعمارهن بين 30 و40 عاماً، أن احتياطي المبايض "عدد البويضات التي تركتها المرأة في مبايضها" تراجع بسرعة وسط النساء اللائي دخلن في سن اليأس في مرحلة مبكرة من عمرهن .