لو أخذنا بالرأي السائد بين المحدثين، ولا سيما المتأخرين منهم، لرأينا الحديث والسنة مترادفين متساويين، بوضع أحدهما مكان الآخر: ففي كل منهما إضافة قول أو فعل أو تقرير أو صفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم . بيد أن رد هذين اللفظين إلى أصولهما التاريخية يؤكد وجود بعض الفروق الدقيقة بين الاستعمالين لغة واصطلاحاً .
معنى الإخبار
فالحديث كما لاحظ أبو البقاء هو اسم من التحديث، وهو الإخبار، ثم سمي به قول أو فعل أو تقرير نسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام . ومعنى الإخبار في وصف الحديث كان معروفاً للعرب في الجاهلية منذ كانوا يطلقون على أيامهم المشهورة اسم الأحاديث . ولعل الفراء قد تنبه إلى هذا المعنى حين رأى أن واحد الأحاديث أحدوثة، ثم جعلوه جمعاً للحديث . ومن هنا شاع على الألسنة: صار أحدوثة، أو صار حديثاً، إذا ضرب به المثل . واستعمل الشاعر أبو كلدة في بيت واحد المثل والأحدوثة كأنما ليشير إلى ترادفهما فقال:
ولا تصبحوا أحدوثة مثل قائل
به يضرب الأمثال من يتمثل
وكيفما تقلب مادة الحديث تجد معنى الإخبار واضحاً فيها حتى في قوله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ، وقوله: اللهُ نَزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِر مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبهُمْ ثُم تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ .
وقد استشعر بعض العلماء في مادة الحديث معنى الجدة فأطلقوه على ما يقابل القديم، وهم يريدون بالقديم كتاب الله، وبالجديد ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال شيخ الإسلام ابن حجر في شرح البخاري: المراد بالحديث في عرف الشرع ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه أريد به مقابلة القرآن لأنه قديم، وهذا يفسر لنا إلى حد كبير تورع كثير من العلماء عن إطلاق اسم الحديث على كتاب الله واستبدالهم كلام الله بحديث الله . وفي سنن ابن ماجه رواية لحديث نبوي تكاد تقطع بضرورة هذا الورع وهذا الأدب في التعبير: عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إنما هما اثنتان: الكلام والهدي . فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد .
أحسن الكلام
وإذا وجدنا في جل كتب السنن أن أحسن الحديث كتاب الله، ثم لاحظنا تفرد ابن ماجه برواية أحسن الكلام أدركنا أنه ليس بمستبعد أن يكون الورع حمله على إيثار هذا التعبير، وكان أقل ما نستنبطه من ذلك أن في العلماء من تحرج من إطلاق اسم الحديث على كتاب الله القديم .
والنبي صلى الله عليه وسلم سمى بنفسه قوله حديثاً، وكاد بهذه التسمية يميز ما أضيف إليه عما عداه، حتى كأنه وضع الأصول لما اصطلحوا فيما بعد على تسميته بالحديث . جاءه أبو هريرة يسأله عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة، فكان جوابه صلى الله عليه وسلم: أنه علم أن لن يسأله عن هذا الحديث أحد قبل أبي هريرة لحرصه على طلب الحديث .
والسنة في الأصل ليست مساوية للحديث، فإنها تبعاً لمعناها اللغوي كانت تطلق على الطريقة الدينية التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته المطهرة، لأن معنى السنة لغة الطريقة . فإذا كان الحديث عاماً يشمل قول النبي وفعله، فالسنة خاصة بأعمال النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي ضوء هذا التباين بين المفهومين ندرك قول المحدثين أحياناً: هذا الحديث مخالف للقياس والسنة والإجماع، أو قولهم: إمام في الحديث، وإمام في السنة، وإمام فيهما معاً وأغرب من هذا كله أن أحد المفهومين يدعم بالآخر، كأنهما متغايران من كل وجه، حتى صح أن يذكر ابن النديم كتاباً بعنوان: كتاب السنن بشواهد الحديث.