إذا كان بقّ البحصة يولد حالة من الراحة النفسية وفقاً للمثل اللبناني الذي يعني كشف ما كان مكتوماً في الصدور وإظهاره للعلن بعد امتناع، فإن التخلص من البحصة الحصى وأوجاعها يشكل هاجساً لمن ابتلى الله أجسادهم بها فتجرعوا ألمها الشديد .

مع أهمية الحفاظ على سلامة الكلية لدورها المهم بفلترة الدم وتخليصه من السموم والمواد الزائدة عن حاجة الجسم، فإن طرق الاستشفاء من الحصى اختلطت في أذهان الكثيرين بالموروث الثقافي الشعبي الذي أكد العديد من الأطباء أن العلم الحديث أثبت عدم صوابيته، بل وضرره في بعض الأحيان، داعين المرضى لإجراء الفحوص الطبية اللازمة والالتزام بتعليمات الطبيب المشرف بدل الاكتفاء بشرب منقوع البقدونس والبيرة الخالية من الكحول أو سواها من المشروبات التي شاع استعمالها كدواء، فيما هي تسبب الضرر للمصاب بأنواع معينة من الحصى .

الدكتور نعيم سبعاوي الاختصاصي في أمراض الكلى يقول: إن الحصى تتشكل نتيجة ترسبات الأملاح في الكلية بحالة نقص كمية الماء اللازم لانحلالها فيه، مرجعاً السبب الرئيس للمرض إلى قلة شرب الماء عند حاجة الجسم له .

كما نفى أن تكون قابلية الإصابة لبعض الأجسام أكبر منها عند أجسام أخرى لسبب وراثي أو فيزيولوجي، لكنما قد يختلف احتمال وقوع الإصابة ونوع الحصى وفقاً لطبيعة الطعام الذي يتناوله الشخص ولطبيعة عمله، فالإفراط في تناول اللحوم يزيد من تهيؤ الجسد للإصابة بنسبة أكبر، كما أن الأعمال المرهقة التي تترافق بالتعرض للشمس وفقدان الماء بالتعرّق تمثل عاملاً مساعداً على الإصابة إن لم يتم تعويض السوائل المفقودة .

آلام شديدة

واتفق اثنان من المرضى على شدة ألم هذا المرض، فقال (محمد الزين، 55 عاماً) إن آلام تحرّك الحصوة التي عانى منها منذ سنوات قليلة لم يماثلها أي ألم آخر أصابه طوال حياته، حيث كان يشعر كأن سكاكين حادة تقطع جسده من الداخل بكل ما تعنيه الكلمة .

وقالت (أم رامي، 47 عاماً) إنها كانت تظن أن ألم المخاض أكبر ألم قد تتعرض له في الحياة إلى أن تجرعت آلام حصى الكلى التي تعاني منها حالياً، مشيرة إلى أنها آلام لا تطاق أو تحتمل ويستحيل وصفها أو تشبيهها بأي شعور وألم آخر .

وأرجع الدكتور علاء جابر هذه الآلام الشديدة إلى تقلصات وانقباضات تصيب الكلية التي تحاول إخراج الحصى وتترافق بمغص حاد في الجانب الذي تتواجد فيه من الظهر، حيث توجد الكليتان في الجزء الخلفي من الظهر أسفل الرئتين، إضافة إلى تخرشات تصيب الكلية أو الحالب أثناء حركة الحصى ونزولها مما يزيد الألم ويسبب نزول الدم مع البول .

وأضاف: هناك أعراض أخرى كالشعور المستمر بالحاجة إلى التبول وخروج كمية قليلة فقط من البول في كل مرة دخول إلى الحمام والشعور بحرقة أثناء التبول بسبب سد الحصى إن كانت كبيرة بعض الشيء لمجرى البول في الحالب أو وصولها إلى المثانة، إضافة إلى شعور بالغثيان والتقيؤ متزامناً مع ارتفاع في درجة الحرارة .

استشفاء خاطئ

ولم يخف الدكتور نعيم سبعاوي انزعاجه من اتباع الكثير من المرضى لطرق علاج من الموروث الشعبي الذي كشف التقدم الطبي خطأه وضرره البالغ في الكثير من الأحيان، فالعلاج يختلف باختلاف نوع الحصى وحالة المريض ولا يجوز أو يمكن وصف دواء ناجع لكل الحالات .

فحصى الكالسيوم التي تصيب من يكثرون من شرب اللبن، على سبيل المثال، تختلف عن حصى اليوريك أسيد التي تصيب من يعتمدون على اللحوم في غذائهم بشكل كبير، وتختلف عن حصى الأوكلسيب التي تصيب من يكثرون من أكل الخضراوات .

ومن نافل القول، وفقاً للدكتور سبعاوي، أن علاج كلّ من هذه الأنواع يختلف عن الأنواع الأخرى، وبالتالي فإن الوصفات الشعبية التي يتداولها الكثير من العامة كشرب الماء المنقوع بالبقدونس أو البيرة الخالية من الكحول أو الامتناع عن أكل البطاطا ولحم الدجاج وسواها لا تصلح لعلاج كل أنواع الحصى، بل على العكس قد تكون ضارة في بعض الأحيان .

وأضاف الدكتور السبعاوي: القاعدة الوحيدة في علاج حصى الكلى أن لا قاعدة ثابتة للعلاج، فلكل حالة قواعدها المستقلة .

أسباب مختلفة

وأشار الدكتور نائل حريري إلى أنه إضافة إلى نقص السوائل الذي يمثل السبب الرئيسي للإصابة، فإن هناك أسباباً أخرى من أهمها الالتهابات الجرثومية أو غير الجرثومية في المسالك البولية، والتشوهات الخلقية في المسالك البولية وتناول كميات كبيرة من اللحوم وشرب البيرة مما ينتج عنه ارتفاع نسبة حامض اليوريكي في الدم والبول أو ارتفاع نسبة الكالسيوم في الجسم .

واعتبر أن كلاً من هذه الأسباب قد يكون كافياً لنشوء الحصى، وقد يكون مساعداً ومؤهباً بانتظار توافر أحد أو بعض العوامل الأخرى .

وقال الدكتور نائل إن هناك أنواعاً عديدة طبياً للحصى أشهرها:

حصى الأكسالات وهي الأكثر شيوعاً بين المرضى، وتظهر نتيجة لحدوث خلل في تمثيل الكالسيوم والفسفور في الجسم وحدوث ارتفاع الكالسيوم في البول وارتفاع للأكسالات في البول، ومن أبرز أسبابها زيادة الأكسالات في بعض أنواع الطعام كالسبانخ والشاي والكوكا والحمضيات، وتصيب هذه الحصى عادة مرضى الأمعاء الدقيقة والتهابات البنكرياس أو الذين يعانون السمنة .

حصى حامض اليوريك: وتصيب غالباً من يتناولون كميات كبيرة من البروتين والكحول، حيث يؤدي ذلك إلى زيادة في طرح إخراج اليوريك أسيد من الجسم، ومن الممكن خفض إخراجه عن طريق أخذ كمية من السوائل ذات الميول القلوية وتناول أدوية تمنع تكوين حامض اليوريك، حيث يسهم هذا العلاج في ذوبان الحصى المتكونة .

حصى السستين: وتعد زيادة السستين في البول أحد الأمراض الناتجة عن خطأ وراثي، فالسستين يعتبر أقل الأحماض الأمينية ذوباناً ويتشكل في صورة حصوات عند زيادة تركيزه في البول، ويجب حقن تركيز السستين عن طريق خفض المتبايوتين في الغذاء عن طريق الأدوية .

حصى الكالسيوم: وتتشكل في حالة ارتفاع إفراز عدة البارثيرويد الأولى وتكون عند أغلب المرضى خليطاً من حصى كالسيوم وكالسيوم فوسفات، ويجب على المصابين بها التخفيف من المواد الغنية بالكالسيوم وأهمها الألبان والأجبان .

تطور العلاج

وذكر الدكتور علاء جواد أنه وبالرغم من طرح الجسم لمعظم الحصى عبر البول مصحوباً بألم شديد، إلا أن طرحها في العديد من الأحيان أيضاً قد يستدعي أيضاً تدخلاً طبياً مباشراً، مشيراً إلى أن العمل الجراحي كان العلاج الناجع الوحيد سابقاً، إلا أن تطور الطب أوجد علاجات دوائية تؤدي إلى تفتيت الحصى الصغيرة والتخلص منها قبل أن تظهر الأمواج فوق الصوتية التي بات بإمكانها التعامل مع الحصى الكبر حجماً .

ولفت إلى أنه لم يعد من المحبذ إجراء عمل جراحي بسبب مضاعفاته غير المأمونة لاسيما حين تتواجد الحصى في الحالب، فمن الممكن علاجها بواسطة التفتيت بالليزر منظارياً حيث يولّد الليزر حزمة من الطاقة تفتت الحصى إلى قطع صغيرة تخرج مع البول، أو عبر الموجات الإلكترومناطيسية وهما علاجان متوفران في دولة الإمارات .

واعتبر الدكتور علاء جواد أن الوقاية الاستباقية أفضل من الغوص في التمحيص عن العلاج، ونصح الأصحاء بشرب كميات كافية من الماء للمحافظة على استمرار تدفق البول بشكل طبيعي ممّا يمنع بلورات الأملاح من الترسب وتشكيل الحصى .

كما نصح بإجراء الفحوص الطبية الدورية وزيارة الأطباء لإجراء الفحص السريري اللازم عند الشعور بأي أعراض صحية طارئة كحرقة البول والألم المفاجئ بأحد جانبي الظهر، من دون اللجوء إلى تجارب المرضى الآخرين . وأكد على أهمية عدم التهاون مع صحة الكلى، لأن الحصى قد تؤدي إلى تلف والتهابات لا تحمد عقباها في الكلى والجهاز البولي وصحة الإنسان عامة.