لا بدّ من الإشارة أوّلاً، إلى أن الحكام العرب قبل الإسلام، لم يكونوا يحكمون بقانون مدوّن، ولا بشريعة مكتوبة، وإنما كانوا يرجعون، كما أسلفنا، إلى عرفهم وتجاربهم وفراستهم في الأمور، وما يستنبطه اجتهادهم من القياس على الأشياء، وذلك برد الأشياء على مشابهاتها. ولذلك كانت تأتي أحكامهم أشبه بأحكام الطبع والسليقة، لا يشوبها أي تكلّف أو تعنت. فقبلت لموافقتها الطبع والسليقة، وغدت سنّة تتبع وعرفاً يهتدى به وتقليداً راسخاً يتمسك به القوم.
ويذكر اليعقوبي أن أقدم حاكم حكم العرب وقضى بينهم، هو الأفعى الجرهمي. حيث يقول: وكان أوّل من استقضي إليه فحكم، الأفعى بن الأفعى الجرهمي. وهو الذي حكم بين بني نزار في ميراثهم. وقد أكدت ذلك، معظم روايات أهل الأخبار. ثم نرى اليعقوبي يعدّد حكام العرب بعده: سليمان بن نوفل، ثم معاوية بن عروة، ثم صخر بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الدئل، ثم الشدّاخ، وهو يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.. وسويد بن ربيعة ومخاشن بن معاوية الذي كان يجلس على سرير من خشب فسمي ذا الأعواد. وأكثم بن صيفي وعامر بن الظرب وهرم بن قطيعة وغيلان بن سلمة وسنان بن أبي حارثة والحارث بن عباد وعامر بن الضحيان والجعد بن صبرة ووكيع بن سلمة وقس بن ساعدة وحنظلة بن نهر وعمرو بن صمة. كما ذكر من حكام قريش: عبد المطلب وحرب بن أميّة والزبير بن عبد المطلب وعبد الله بن جدعان والوليد بن المغيرة.
علم ونباهة
وهؤلاء الحكام الذين ذكرهم اليعقوبي، هم من اشتهروا وعرفوا بالقضاء وبالإفتاء قبل الإسلام. وقد كانوا يعيشون في العربيّة الجنوبيّة وفي العربيّة الشرقية والشمالية، ولم يصل إلينا علمهم وأخبارهم في الشريعة والعدل، إلا شذراً قليلاً. ولذلك لا يمكننا الوقوف على أسلوبهم وجدلهم في الحكم بين المتخاصمين والمتنازعين.
وبالنظر إلى هذه القائمة من أسماء الحكام، نجد أن بعضهم قد اشتهر ذكرهم وذاع اسمهم بين قبائل عديدة، لما عرف عنهم من شدّة ذكاء وعلم ونباهة، وفي كيفيّة الفصل في الخصومات. وما عرفوا به من نزاهة في القضاء وعدم تحيز في إصدار الأحكام. ولهذا كنا نجد بعض القبائل البعيدة عنهم تنشد تحكيمهم، مثل عامر بن الظرب العدواني، الذي ذكر أنه كان من حكماء العرب، لا تعدل بفهمه فهماً، ولا بحكمه حكماً. ومثل أكثم بن صيفي الذي كان قاضي العرب في عصره، ومثل الأفعى الجرهمي الذي تخاصم إليه المتخاصمون من قبائل مختلفة، ومن أقطار بعيدة عن نجران.
والواقع أن هؤلاء الحكام بل القضاة العرب، الذين عاشوا قبل الإسلام، لم يكونوا يحكمون بقانون مدون، ولا بشريعة مكتوبة، وإنما على ضوء ما أفادتهم به تجاربهم، وأكسبتهم به ثقافتهم وما وهبته لهم فراستهم في البصر بالأمور واستنباط الأحكام. وكانت العهود والمواثيق التي يأخذها القاضي من المتخاصمين بوجوب طاعة حكمه مهما كان وتطبيقه وعدم الخروج عليه، هي القوة التنفيذية الوحيدة لديه. فكان يشترط أولاً على المتخاصمين، قبوله حكماً وقبول حكمه أيضاً. ولذلك كان تعهد المتخاصمين بإطاعة أحكام الحكّام، هي الضامن في تطبيق العدل والعدالة بين القوم.
قوانين الجنوب
أما في العربيّة الجنوبيّة حيث الحكومات والقوانين والشرائع، فالأمر مختلف تماماً. فالحاكم في الدولة الجنوبيّة، حاكم معين، يستمد حكمه من حكم القانون. أما تنفيذ هذا الحكم، فهو من مسؤولية الحكومة.
ونحن نجد في نصٍ معيني ناقص للأسف، أن المعينيين، كانوا يحاكمون الأشخاص في محاكم تسمّى معذر (معذرن). وهي مجالس المدن أو القرى. فكان يحاكم من يراد محاكمته فيها وفقاً للقوانين (سندمرت). فإذا أصدر المعذر قراراً بحق شخص فيه حكم أو فيه تبرئة، أعلن القرار على الناس. وكانت القراءات والأحكام، تعلن باسم الآلهة. وكانت العادة المتبعة أن يقدّم الشخص ذبيحة يتقرب بها إلى الإله ود، مقابل أن تنظر المحكمة في دعواه.
كذلك كانت هناك قوانين ومحاكم تبت في تهرب التجار أو الزرّاع من دفع ما عليهم من ضرائب وحقوق للحكومة. وكانت المعابد أشبه بمحاكم، يكون من حقها الفصل بين المتنازعين، الذين يسلمون سدنتها قضاياهم ويستفسرون أمام الآلهة عن المسروقات والجرائم. وقد عرفت قاعدة البينة على من ادعى واليمين على من أنكر عند الحكام العرب قبل الإسلام. وكانت تفيد أن الأصل في الإنسان براءة الذمّة. وهي تتفق مع قاعدة البينة على من ادعى لا على من أنكر التي تذكرها القوانين الرومانية واليونانية.
قس بن ساعدة
ويذكر أهل الأخبار أن قس بن ساعدة الإيادي أحد الحكام والقضاة والخطباء المعروفين، هو الذي وضع هذه القاعدة: البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر، فصارت سنّة منذ ذاك اليوم.
فعلى المدّعي إثبات ما يدّعيه بالأدلة والبراهين، أما المدّعى عليه، إذا أنكر، فعليه أداء اليمين. أي القسم. ويكون القسم بالآلهة أو بالآباء. ويتم ذلك في المعبد أو عند قبر، أو في مكان له حرمة. ويعرف القسم باليمين، لأن من عادات العرب في القسم، أنها كانت إذا تحالفت ضرب كل امرىء منهم يمينه على يمين صاحبه، أو أنهم يتماسحون بأيمانهم، فيتحالفون. ولذلك أطلقوا على القسم اليمين. وقد ورد ذكر اليمين في بيت لزهير بن أبي سلمى حيث يقول:
وإن الحق مقطعه ثلاث
يمين أو نفارٌ أو جلاءُ
فاليمين هو القسم، والنفار هو التحكيم أو المحاكمة للفصل بالحق، والجلاء: البينة التي تجلو الشك والشبهة، فتغني عن اليمين وعن التحاكم.
وذكرت العرب، أن من اليمين، اليمين الغموس وهي اليمين الكاذبة الفاجرة التي تقطع بها الحقوق. وقد عدّت من أعظم الكبائر في الإسلام. أما اليمين الأصر، فهي أن يحلف بطلاق أو عتاق أو نذر. وكان من قسمهم بالله قولهم: والله، فإنها تملأ الفم، وترقىء الدم. أي تبرىء الظنين بالدم من الدم، فيرقأ دمه. وقالوا: لا والذي يراني من فوق سبعة أرقعة. أي من فوق سبع سماوات. ومن أيمانهم أيضاً: لا ومقطع الحجر ولا ومميت الرياح، ولا ومجري البحر ولا ومنشىء السحاب ولا والذي دحا الأرض ولا والذي سجد له النجم والقمر ولا والذي حجت له العمائر.