حمار جحا هو أشهر حمار في التراث العربي، وليس هناك أشهر منه سوى حمار الحكيم الذي كان يعبّر دائماً عن فلسفة توفيق الحكيم وروحه الساخرة، ومن خلال الحمار استطاع جحا ومن ورائه الشعب العربي أن يعبّر عن الكثير من جوانب الفلسفة والحكمة الانسانية، ولديّ قصة تعطي الحمار الميزة في أن يتفوق على العلماء لمجرد أنه لا يدري من الأمر شيئاً، وأن تصرفاته العشوائية التي لا تعتمد على علم أو ذكاء هي التي تحكم الأمور في تلك المدينة التي يصفها جحا بخفة ظل شديدة بمدينة العلماء، وهي في الحقيقة مدينة الجهلاء، وكأن المعرفة والعلم لم يعودا في تلك المدينة ملكاً للعلماء والباحثين وإنما أصبحتا ملكاً للحمار، الذي لا يملك شيئاً من ذكاء أو حكمة أو معرفة.
ومن الواضح أن جحا هنا يوجه سخريته اللاذعة إلى حاكم المدينة الذي لا يقدر العلماء حق قدرهم، وإنما يترك ولحماره الفرصة كاملة لأن يقلب المنطق كما يشاء حتى يتحول كل شيء الى عبث في عبث.. فقد زار ثلاثة من العلماء المدينة التي يسكنها جحا، ونزلوا ضيوفاً على أميرها، وطلبوا مناقشة مشاهير علماء المدينة، فحار الأمير، إلا أن وزيراً أشار عليه بطلب جحا ليناقشهم، فهو أكثر أهل الظرف والحكمة شهرة وقدرة.. وبالفعل أقام الأمير مأدبة في ساحة قصره ودعا إليها العلماء الثلاثة وجحا الذي جاء راكباً حماره، وعندما اجتمع مع العلماء وعرف بمقصدهم طلب ان يجيب بداية عن اسئلتهم ثم يستمتع بعد ذلك بضيافة الأمير، ثم التفت الى العلماء وطلب منهم أن يسألوا فقال العالم الأول: أين هو يا سيدي وسط الدنيا؟ فأشار جحا بعصاه إلى حيث وضع حماره قدمه اليمنى وقال: إن وسط الدنيا هي في المكان الذي وضع فيه الحمار قدمه اليمنى، قال العالم: والدليل على ذلك؟ فقال جحا: إذا لم تصدق يمكنك أن تقيس الدنيا من كل جوانبها لكي تتأكد من كلامي، ثم جاء العالم الثاني وقال: إذن أخبرني عن عدد نجوم السماء؟ فأجاب جحا على الفور: إنها بعدد شعر حماري فقال العالم: وكيف تعرف ذلك؟ قال جحا: إذا لم تكن تصدق قولي فعدّها فإن كانت أكثر واحدة أو أقل واحدة فلك الحق في الكلام، فسكت العالم وهو يقول: وهل يمكن عد شعر الحمار؟ وأخيراً جاء الثالث وسأل جحا: كم شعرة في لحيتي هذه؟ فقال جحا من دون تردد: إنها بقدر ما بذيل حماري من شعر، فقال العالم: كيف تثبت ذلك؟ فقال جحا: نثبت ذلك بأن نقلع شعرة من لحيتك مع شعرة من ذيل الحمار، وهكذا دواليك فإن اتفق الاثنان كان الحق معي، واذا لم يتفقا كان الحق معك، وهنا ضحك الجميع ودهشوا لبداهة جحا وطرافة أجوبته.
إن جحا يتسم هنا بحكمة لا مثيل لها، فهو القادر على قلب الحقائق كما يشاء، وإرباك العلماء باستخدام المنطق المغلوط، بل ويكسر كل قواعد المنطق ليظل العبث في النهاية هو الذي يحكم حياتنا، ألا نشعر من هذه القصة الظريفة بأن هناك أشياء كثيرة تتشابه معها في حياتنا المعاصرة؟ فمن الحكم ما تؤخذ من أمور لا يتخيلها عقل ولكن بالطرح تصبح معقولة، فقد سأل أحد الملوك جحا هل تستطيع أن تعلّم حماري القراءة والكتابة فأجاب جحا: نعم أعلمه على ان تمهلني عشر سنين، فوافق الملك على التحدي وقرر صرف راتب لجحا طيلة هذه المدة، فلما خرج من مجلس الملك اقترب منه أحد أصدقائه وقال له يا أحمق كيف توافق على هذه المهمة؟ فرد عليه في هذه السنوات العشر إما أن أموت أنا أو يموت الملك أو يموت الحمار، فمن الأحمق الآن؟ فما رأيكم بحكمة جحا مع الحمار؟