اختارت جمعية الإمارات للفنون التشكيلية أن تقيم عناقاً جميلاً بين جو رمضان الإيماني وجماليات الأعمال الخطية في بعديها الفني والروحاني، خلال الدورة 31 من معرض الخط العربي الذي نظمته الجمعية في شهر رمضان الماضي وتضمن 47 لوحة لتسعة عشر خطاطاً من دول عربية وإسلامية، هم أميد رباني ومحمد مباتي إيران، وخالد نفيسي باكستان، وجميلة خالد وعبد الرزاق محمد محمود ومحمد فاروق الحداد سوريا، وحسام عبد الوهاب وخليفة الشيمي وسمية علي ومؤمن الشرقاوي مصر، وحاكم غنام وزيد أحمد أمين ومصعب الدوري العراق، وعلي الأمير وفاطمة عبد الرحيم وندى باقر وهيا الكتبي الإمارات، وعلي عبدالله الحمادي جزر القمر .

عكست الأعمال المعروضة مجمل اتجاهات فن الخط السائدة في الساحة الفنية حاليا، بدءاً من اللوحة الخطية التقليدية التي تجمع بين المبنى والمعنى من خلال كتابة نص مأثور أو حكمة سائرة أو بيت مشهور على القواعد الأصيلة لهذا الفن وحسب أنواع الخطوط المعروفة، كتابة تسعى إلى خلق بناء فني يوازي جمال المعنى ويبرزه، ثم مروراً باللوحة الحروفية التي تتكئ على قاعدة كتابة الحرف العربي من دون التمسك بالنص ولا اللفظ مع الاستفادة من فنون التشكيل، ثم انتهاء بالأعمال التشكيلية التي يستفيد أصحابها من فن الخط، وقد أبانت مختلف التوجهات عن أن هذا الفن العربي الأصيل ما زال قادراً على تغذية الخيال الفني برؤى وتصورات إبداعية جليلة، حتى في أكثر تطبيقاته كلاسيكية وارتباطاً بالموروث .

كانت المراكز الثلاثة الأولى في مسابقة الجمعية من نصيب ثلاثة خطاطين أصلاء في عملهم، ينصب شغلهم على اللوحة الكلاسيكية التي يؤدونها بإتقان كبير، وقد شارك كل منهم بأعمال هي من صميم الخط الصرف ولم تتأثر بفنون التشكيل الحديثة، وإن كانت بعضها تستخدم الزخرفة التقليدية، وهي فن ولد من رحم الخط .

الفائز بالمركز الأول الخطاط المتميز محمد فاروق الحداد الذي شارك بثلاث لوحات كلاسيكية هي اقرأ واستخدم فيها فن التناظر والتركيب، فكرر كتابة (اقرأ) في الاتجاهين فجاءت متناسقة متماثلة تتضافر حروفها بشكل بديع، وأما لوحته الثانية وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً، لنخرج به حبا ونباتاً وجنات ألفافا فقد استغل فيها تشابه حروف الجيم والحاء والخاء في الكتابة لبناء معمارية هندسية قاعدتها دائرية، ويستطيل عنقها في الأعلى منتهياً بضفيرة حروفية ما أعطى اللوحة شكل قطرة الماء، وجعل بنيتها تتناغم مع معنى الآية، وفي اللوحة الثالثة إن ربي رحيم ودود رسم الحداد زهرة عن طريق الكلمات .

وفي الاتجاه الكلاسيكي نفسه تصب لوحات الفائز الثاني حاكم غنام وهو بدوره واحد من أبرز الخطاطين العرب الشباب وتبرز لوحاته التي شارك بها مدى إتقانه لأصول وقواعد الفن، ففي لوحة أنا مدينة علم وعلي بابها رسم بخط الثلث وبالاعتماد على خاصية تركيب الأحرف دائرة خط فيها الأحرف بشكل مدروس يجعل نهاياتها ترسم بدقة متناهية خط محيط وهمياً للدائرة، ثم رسم حولها بالزخرفة خط محيط حقيقي، فصّله بتذهيب شجري وأدخل المحيط في مربع كبير مشغول بالزخرفة الشجرية، فجاءت دائرة الحروف كأنها المدخل أو الباب إلى ذلك المعمار الفني الكبير، وفي ذلك رمزية واضحة لمعنى الحديث الشريف .

الفائز الثالث خالد نفيسي كتب لوحة بخط الثلث المركب بشكل بيضوي تبدو فيه قاعدة الأحرف مغلقة وقمتها مفتوحة إلى الأعلى الذي يبدو فضاء واسعاً يميل إلى الصفرة الشفافة .

يشترك أولئك الفائزون الثلاثة، كما هو واضح، في اعتماد الاتجاه الكلاسيكي في إبداعاتهم، لكنهم يمتلكون أيضا وبالقدر نفسه حساسية فنية وجمالية معاصرة، جعلتهم قادرين على إشباع الحاجة البصرية للمتفرج المعاصر عن طريق تصاميم فنية تستفيد من مفاهيم الاتجاهات البصرية المعاصرة في صناعة تصاميم بصرية قوية مؤسسة على قواعد خطية أصيلة، وهو ما يؤكد مرونة الخط العربي وقدرته على المنافسة في عالم الفن المعاصر إذا توفرت لصاحبه الموهبة الفنية والرؤية الحداثية، وعلى هذه الشاكلة قدم عبد الرزاق المحمود وعدي الأعرجي ومؤمن الشرقاوي وعلي الحمادي وأميد رباني أعمالاً لا تقل في مستواها عن الأعمال السابقة .

أما الاتجاه الحروفي الذي يتأسس على الحرف العربي ويستفيد من تقنيات التشكيل المعاصر فتمثله أعمال الخطاط خليفة الشيمي الذي شارك بلوحتين هما ابتهالات وشغلت قلبي عن الدنيا، ويمزج الشيمي في أسلوبه الحروفي بين كتابة نص مكرر عبر أسطر تتراوح بين الظهور والاختفاء تحت ظلال جدران طويلة من اللون الأخضر الداكن تتخللها فتحات بيضاء كأنها أبواب في تلك الجدران ينبعث منها نور كأنه قادم من فضاء آخر، أما سمية علي فقد مزجت في لوحتها التي أسمتها القمر نور بين فنون الرسم والكولاج والخط، فجعلت خلفية اللوحة داكنة وركبت عليها دائرة ورقية وضيئة كأنها جسم القمر، ومن أسفل اللوحة جعلت خيوطاً متشابكة من الأحرف الملونة بالأبيض والأصفر والأحمر والأسود تتصاعد مخترقة القمر إلى أعلى اللوحة، وربما تسعى بذلك إلى تمثيل ما لمعنى الجملة التي اتخذتها عنواناً للوحتها .

اشتباك الخط واللون هو أيضاً أحد ميزات لوحات الخطاط حسام عبد الوهاب الذي يبدو قاع لوحاته غاصاً بأحرف بشتى الألوان التي تتصارع كأن كلاً منها يبحث عن معراج للصعود إلى السطح وهو النصف العلوي من اللوحة حيث يميل اللون إلى الزرقة ويبدو الفضاء رحباً خالياً من الأحرف .

اتجاه اللوحة التشكيلية المستفيدة من الخط مثله زيد أحمد أمين من خلال لوحتين تجريديتين حيث صنع أرخبيلاً لونياً من خلال دوائر وانحناءات بالخط الأبيض تحاكي مقاطع من حروف الصاد والهاء والميم والحاء، وملأ فراغات تلك الدوائر والانحناءات بألوان الأحمر والأزرق والأصفر والرمادي، فجاء الشكل ضفيرة من الخيوط الدائرية التي تتوزع كيف ما اتفق لكنها مشدودة كلها إلى مركز واحد تتزاحم حوله، وتبدو الصورة التجريدية هنا وانجذاب البصر إلى الكتلة اللونية المتصارعة هو الأساس والأصل الذي بنى عليه الفنان زيد أحمد أمين رؤيته، وليس التمثيل الذي يحاكي دوائر بعض الحروف إلا اقتباساً تقنياً استفاد منه في صناعة لوحة هي من صميم فن التشكيل .

شهد المعرض حضوراً إماراتياً متميزاً من خلال لوحات لأربعة خطاطين هم علي مراد الذي يمارس الخط إنتاجاً وتدريساً منذ أواخر التسعينات وله مشاركات داخلية وخارجية وأقام معارض شخصية، وحصل على جوائز عدة، وفاطمة عبد الرحيم جوري التي بدأت مشاركاتها في المعارض منذ عام ،2003 وندى باقر وهي خريجة مركز الشارقة لفن الخط العربي، ومنذ 2007 وهي تحافظ بانتظام على الحضور في المهرجانات الكبرى في فن الخط العربي، أما هيا الكتبي فبدأت تبرز في الساحة المحلية منذ عام 2010 .

شارك علي مراد ب 4 لوحات جديدة ومنها لفظ الجلالة على ورق البردي، ولوحة تحمل اسم المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بألوان علم الإمارات في حلية زخرفيه جميلة، ولوحة تحمل اسم دبي، ولوحة بمناسبة الشهر الفضيل على شكل هلال بالخط الديواني الجلي، ولا تخلو لوحاته من التلوين، ففي لوحة (زايد) استفاد من فن الزخرفة في صناعة الهالة الدائرية بمقرنصاتها .

أما فاطمة جوري فاشتغلت على الخط الكوفي التقليدي من خلال لوحتين، إحداهما كتبت فيها البسملة والأخرى (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وقد استفادت من تقنيات العمارة الإسلامية في صناعة بناء هندسي مربع من خلال الألفات واللاّمات التي تتضافر في منتصفها برشاقة كأنها عُقد أسطوانات، وفي أركان التربيعات وضعت عدة مقرنصات تجميلية .

الخطاطة ندى باقر كتبت آية وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون، وما هو إلا ذكر للعالمين، بخط الديواني الجلي على شكل سطرين منحنيين كوّن الأسفل منهما قاعدة كأنه حدقة عين .

هيا الكتبي أظهرت قدرات واضحة في مجال الزخرفة التقليدية والتذهيب، وأنجزت لوحة لأسماء الله الحسنى على شكل دائرة يتوسطها اسم الجلالة، وصنعت الدائرة من أقواس متقاطعة درّجتها بألوان الأزرق والأصفر والأحمر، واستغلت الفراغات البينية لكتابة الأسماء بخط النسخ بشكل رشيق .

ظل معرض الخط لسنوات عدة جزءاً من المعرض العام الذي تنظمه الجمعية منذ ،1981 والذي يضم جميع فنون التشكيل، وقد شهد المعرض الأول مشاركة لوحات خطية لخطاطين منهم الخطاط السوداني محمد مختار جعفر، لكن أرشيف الجمعية لا يحتفظ بالمشاركات إلا ابتداء من معرض العام الثامن في عام 1989 الذي شارك فيه الخطاطان تاج السر حسن السودان، ونضال كمال طبال العراق، وشهدت الدورة التاسعة مشاركة الخطاطان العراقيان د . صلاح شيرزاد وعلي ندا الدوري إلى جانب تاج السر ونضال طبال، وكانت الدورة العاشرة علامة فارقة في مسار دعم الجمعية لفن الخط العربي حيث شارك فيها عدد كبير من الخطاطين من بينهم مجموعة من الخطاطين الإماراتيين، على رأسهم الخطاط محمد مندي ومحمد عيسى خلفان وخالد الجلاف، وبعد سنوات من التطوير والرعاية لمعرض الخط وبعد أن تكونت في الإمارات قاعدة معتبرة من الخطاطين بادرت الجمعية ابتداء من الدورة السادسة والعشرين إلى إقامة معرض منفصل للخط عن معرض التشكيل العام، اشترك فيه أحد عشر خطاطاً أربعة منهم من الإمارات ممن يمكن اعتبارهم من الجيل الثاني من الخطاطين الإماراتيين، وهم علي محمد مراد، وفاطمة محمد عبد الرحيم، وفاطمة سعيد البقالي، وماجدة سليم، ما دعم نضج واستقلال تجربة الخط في الإمارات .