د. تيسير التميمي*
من المعلوم أن عقد الزواج ينحل بحكم الشرع، أو بحكم القاضي تطليقاً أو تفريقاً أو فسخاً، وقد ينحل بإرادة الزوج المنفردة بالطلاق أو بإرادة الزوجين المشتركة بالمخالعة، وينحل أيضاً بوفاة أحد الزوجين.
والخُلع في اللغة من خَلَع، وهو مزايلة الشيء الذي يشتمل به، نقول خلعت الثوب أخلعه خلعاً، وخلع الوالي يخلع خلعاً، وخالعت المرأة زوجها أي افتدت نفسها منه بشيء تبذله له فهي خالع.
والخُلع الترك والتجريد والإزالة، فخلع الرجل ثوبه: أزاله، وفي حديث كعب بن مالك رضي الله عنه «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة» (رواه البخاري) أي: أتجرد منه وأخرج منه جميعاً وأتصدق به، وفي الحديث النبوي «من خلع يداً من طاعة لقي الله لا حجة له» (رواه مسلم) أي: من نزع يداً. وخلع دابته يخلعها خلعاً وخلعها (باللام المفتوحة المشددة) أي أطلقها من قيدها.
وخلع امرأته وخالعها إذا افتدت منه بمالها فطلقها وأبانها من نفسه، وسمي خلعاً لأن الله سبحانه جعل النساء لباساً للرجال والرجال لباساً للنساء فقال تعالى: «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» (البقرة: 187)، فإذا افتدت المرأة بمال تعطيه لزوجها ليطلقها فأجابها إلى ذلك فقد بانت منه، فكأن كل واحد منهما خلع عنه لباس صاحبه.
أما الخلع في الاصطلاح فقد عرفه الفقهاء بعدة تعريفات حسب مذاهبهم الفقهية:
1- تعريف الحنفية «إزالة ملك النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو ما في معناه»، فبعبارة «ملك النكاح» خرج من التعريف الخلع في النكاح الفاسد والخلع بعد البينونة أو الردة. وبعبارة «المتوقفة على قبولها» خرج منه ما لو قال لزوجته خلعتك وهو ينوي الطلاق، ففي هذه الحالة يقع الطلاق بائناً غير مسقط للحقوق. وبعبارة «بلفظ الخلع» خرج منه الطلاق على مال لأن الطلاق على مال ليس خلعاً بل هو في حكمه من وقوع البينونة. وبعبارة «أو في معناه» دخلت فيه ألفاظ المبارأة والمفارقة والمبايعة. ويفيد هذا التعريف صحة خلع المطلقة رجعياً لكون ملك النكاح ما زال باقياً.
2- تعريف المالكية «طلاق بعوض أو بلفظه»، فلفظة «طلاق» تشمل ألفاظه الصريحة والكنائية. ولفظة «بعوض» تعني مقابل عوض مالي. وعبارة «أو بلفظه» أي لفظ الخلع وما في معناه. وبعبارة «الطلاق بعوض» خرج من التعريف الطلاق بدون عوض وبلفظ الخلع، وعليه فإن الخلع عند المالكية نوعان: الأول الخلع الذي يقع نظير عوض مالي، والثاني الخلع الذي يقع بلفظ الخلع ولكن بغير نظير مالي.
3- تعريف الشافعية «فرقة بين الزوجين بعوض مقصود راجع لجهة الزوج بلفظ طلاق أو خلع»، فلفظة «فرقة» أي الطلاق بالألفاظ الصريحة أو الكنائية. وعبارة «أو خلع» تعني لفظ الخلع أو ما في معناه. ولفظة «بعوض» قيد أول لأن الفرقة إذا خلت من العوض كانت طلاقاً رجعياً. وعبارة «لجهة الزوج» قيد ثان لأن العوض لا يكون إلا للزوج. ولفظة «مقصود» أي له منفعة تقصد منه ولو كمنفعة تعليم القرآن، وبذا تخرج الأعواض التي لا منفعة مقصودةً منها.
4- تعريف الحنبلية [ فراق الزوج امرأته بعوض يأخذه الزوج من امرأته أو غيرها بألفاظ مخصوصة ] فلفظة «بعوض» تعني أن الخلع لا يكون إلا بعوض من الزوجة تقوم بدفعه للزوج، فهم يفرقون بين الخلع والطلاق على مال. وعبارة «أو غيرها» أي يجوز أخذ بدل الخلع من غير الزوجة كما لو كانت صغيرة أو مجنونة أو سفيهة، لأن الولي لا يملك التصرف بمالهم إلا بما فيه الحظ والنفع، وليس في خلع الصغيرة أو المجنونة على مال يبذل منهما الحظ والنفع، بل فيه إسقاط حقهما. وعبارة «بألفاظ مخصوصة» أي أن الخلع لا يقع إلا بألفاظ معينة، وهي نوعان: الألفاظ الصريحة في الخلع كالمفاداة والخلع والفسخ، والألفاظ الكنائية فيه كالمبارأة والمباينة والمفارقة.
وبالنظر في هذه التعريفات فإنني أختار تعريف الحنفية لأنه جامع مانع بخلاف التعريفات الأخرى.
*قاضي قضاة فلسطين سابقاً