كان ظهور عماد الدين زنكي أتابك الموصل الأزرق العينين، فاتحة عصر جديد كان النصر فيه حليف المسلمين . وكان عماد الدين زنكي هذا أول الأبطال الذين تعاقبوا على قيادة الجيوش الإسلامية لمقاومة الصليبيين، وأعظمهم صلاح الدين الأيوبي . وامتدت هذه المقاومة حتى أيام السلاطين المماليك في الشطر الثاني من القرن التالي . وكان زنكي ابن رقيقٍ تركي للسلطان السلجوقي ملكشاه، وقد بنى لنفسه ملكاً يشمل حلب وحرّان والموصل .

وأسس في الموصل الدولة الزنكية (1127 - 1262) وهي من دون جدال في مقدمة الدول التي أنشأها الأتابكة . وتولى عماد الدين زنكي الهجمات الأولى على الصليبيين، وظلّت هذه الهجمات تتوالى حتى قضت على ملكهم في هذه البلاد، وكان أول من أبلى في حروبه في الرها . وكانت هذه المدينة لقربها من بغداد وسيطرتها على الخطوط الرئيسية بين العراق وشواطئ البحر الأبيض كناية عن ترس اتقت به الدولة الصليبية اللاتينية في سوريا الخطر المجاور . وقد استطاع عماد الدين زنكي بعد حصار دام أربعة أسابيع أن ينتزعها (1144) من جوسلين الثاني، فكانت أولى الولايات الصليبية ظهوراً وسقوطاً . وكانت حصينة جداً إلا أن حاميتها كانت ضعيفة، وبسقوطها في أيدي المسلمين نُزع الإسفين الذي كان الإفرنج قد دقوه بين سوريا الإسلامية والعراق؛ أما في أوروبا، فقد كان هذا الفشل الذي أصاب الإفرنج سبباً للحملة المعروفة بالتجريدة الصليبية الثانية (1147 - 1149) التي قادها كونراد الثالث الألماني ولويس السابع الفرنسي . وسار الجيش وقد تألف من فرسان فرنسا وألمانيا ومن الفرسان المعروفين بالداوية (الهيكليين) وبالاسبتارية ومن الجند، الذي جمعته القدس، فضرب الحصار على دمشق مدة أربعة أيام من دون جدوى ولم تترك هذه الحملة أثراً يذكر .

نور الدين محمود

وخلف عماد الدين زنكي في الزعامة والدفاع عن المسلمين ابنه نور الدين محمود، وولي ممتلكات أبيه السورية وجعل حلب عاصمته . وفاق نور الدين أباه مقدرة وقوة، فلم يكن غرماؤه الإفرنج يفوقونه في شيء من أمور الحرب . وفي سنة ،1154 انتزع دمشق من أحد خلفاء طغتكين من دون قتال، وبذلك أزال آخر حاجز كان يحول بين المنطقة الزنكية وبين بيت المقدس . ولم يلبث أن أتم احتلال كونتية الرها بعد أن غلب أميرها جوسلين الثاني وحمله أسيراً سنة ،1151 ثم فتح نور الدين أيضاً أقساماً من إمارة إنطاكية وقبض على صاحبها بوهمند الثالث الحدث في سنة 1164 وعلى حليفه ريموند الثالث صاحب طرابلس، ولكنه أطلق الأسيرين لقاء فدية قدماها وقد أطلق الأول بعد سجن سنة والثاني بعد تسع سنين .

أما فلسطين، فلم يلاق المسلمون فيها ما لاقوه في الأنحاء الأخرى؛ فقد سقطت عسقلان معقلها الأكبر (1153) في يد بلدوين الثالث صاحب أورشليم بعد أن كانت حصناً يقي البلاد المقدسة من غارات الإفرنج وبعد أن ظلت تقاوم الإفرنج نحو نصف قرن .

وكان نجم الدين أيوب والد صلاح الدين في خدمة مجاهد الدين أمير تكريت من قبل السلطان السلجوقي . وكانت ميوله وعواطفه السياسية إلى جانب عماد الدين زنكي في حروبه ضد الصليبيين وفي توحيد البلاد الاسلامية تحت راية الإسلام . ولذلك عزله مجاهد الدين فالتحق بصاحبه عماد الدين زنكي في الموصل مصطحباً معه أخاه أسد الدين شيركوه . وغادرا تكريت في الليلة نفسها التي ولد فيها صلاح الدين، فتشاءما منه . وتوجها إلى الموصل حيث رحّب بهما عماد الدين زنكي وأحسن إليهما وقرّبهما ورعى لهما خدمتهما له، وبالغ في إكرامهما، وأقطعهما إقطاعات جليلة، وترقت أحوالهما عنده .

من أرمينيا إلى العراق

وكان أسد الدين شيركوه وأخوه نجم الدين أيوب من أهل مدينة دوين قرب خلاط من مدن أرمينيا، ثم شاءت الظروف أن يقصدا العراق حيث حظيا بالحفاوة عند مجاهد الدين بهروز الخادم الذي كان يلي شحنكية بغداد (أي ينوب عن سلطان السلاجقة فيها)، ولم يلبث مجاهد الدين أن عهد إلى نجم الدين أيوب بالولاية على تكريت فأقام بها ومعه أخوه شيركوه مدة من الزمن . وشاءت الظروف في الوقت الذي قام نجم الدين أيوب بحكم تكريت أن تنشب الحرب بين عماد الدين زنكي أتابك الموصل والخليفة العباسي المسترشد، فحلت الهزيمة بزنكي عند تكريت سنة ،1132 وعندئذٍ أسرع نجم الدين أيوب بتقديم المعونة إلى زنكي حيث ساعده على الفرار والعبور إلى الضفة الأخرى لنهر دجلة، بأن أقام له السفن التي ساعدته وأصحابه على الفرار . ويروي ابن واصل أن هذا أول المعرفة بين عماد الدين زنكي وبين نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه، ومبدأ سعادتهما، ولكل شيء سبب .

ولما فتح عماد الدين زنكي بعلبك، عين نجم الدين أيوب والياً عليها، فاستمر في ولايته إلى أن قتل عماد الدين زنكي، وخلفه ولداه نور الدين محمود في حلب وسيف الدين غازي في الموصل . ويقال: إِن نجم الدين أيوب أحس بصعوبة موقفه في بعلبك لا سيما وأن مجير الدين أبق صاحب دمشق اشتدّ طمعه في بعلبك وراسل نجم الدين فعلاً في تسليمها . وكان أن طلب نجم الدين أيوب من الأمير سيف الدين غازي أن يتسلم منه بعلبك، ولكن سيف الدين أبطأ في الرد بسبب مشاغله، الأمر الذي جعل نجم الدين يسلم بعلبك إلى صاحب دمشق خوفاً من أن يناله أذى . وبعد ذلك، انتقل نجم الدين أيوب إلى دمشق حيث كافأه صاحبها بإعطائه إقطاعاً جليلاً . أما أسد الدين شيركوه، فقد دخل في خدمة نور الدين محمود صاحب حلب .