لايمكن النظرإلى أية قصيدة، من دون التصورأن لها ذاكرتين، بحسب الناقد د . عامر الأخضر، إحداهما تنتهي مع بداية زمن النص، وتضرب جذورها، بعيداً، لتشمل مراحل شتى، بدءاً بنشوء الوعي لدى الناص، والثانية هي ذاكرة القصيدة التي تتقاطع مع ذاكرة الشاعر في ما ورائياتها، إضافة إلى لحظتها المرصودة، اللحظة التي لها مقياسها الزماني الصرف، بما لا ينفصل عن وجود ذاكرة ثالثة، تمارس سطوتها على الذاكرتين الأخريين، وكأنها الذاكرة الأم، لما لها من علاقة بالزمن العام، في سيرورته، وصيرورته .
إن ذاكرة الناص، بما تتضمنه من نقاط، هي الأكثر بروزاً، سواء أكانت مرتبطة بالمأساة أم الفرح، أم غير ذلك من العلامات التي تعلق بالذاكرة، وتكون في حالة بيات بيد أنها لا تنفك تمارس سطوتها على الشاعر، وسلوكه، وطريقة تفكيره، وتظهر في القصيدة،
على شكل منظومة إشارات ورموز .
ثمة من قال الشعر ديوان العرب، وهو هنا تاريخ العرب، الأمر الذي يمكن أن ينسحب على غير العرب، أيضاً من الأمم والشعوب، حيث كان أداة ينقل بها تاريخ الشعوب، بل يكاد الشعرالعربي يكون بحسب دارسيه، أحد المصادر المهمة في التاريخ العربي، في مرحلة ما قبل تدوينه .
ذاكرة الشعر، تلتقط القضايا الكبيرة والسريعة، في آن، حيث لها بعدها المكاني، إضافة إلى بعدها الزماني، ناهيك عن أن لها علاقة كبرى بالمفردة نفسها، وبعمارة النص الأدبي، لاسيما حين تكون هيمنة المحاكاة على النص موجودة، بشكل أو بآخر .
الخليج الثقافي التقت عدداً من الشعراء، سبرت آراءهم في ما يخص العلاقة بين الشعر والذاكرة .
من المهم ابتداء، الاتفاق على تفسير الشعرية من عدمها، وعدم الخلط بين قوة القصيدة بمقدار تواصلها مع المكان كتفصيل جغرافي محدد، هنا تخطئ القراءة النقدية في فهم التذوق الأدبي، فالمكان يجب أن يحضر بروحه وليس بوصفه مكاناً جغرافياً جامداً، فكل شيء في الوجود ينطق بذاكرته، كما هو حال الشعر الذي يطمح إلى أن يكون خارقاً وماكراً وغير مخلص إلا لنفسه ووهمه وتجليه وغرابته .
عن سؤال الشعر والذاكرة، يجب الاتفاق أيضاً، على أنه ليس هناك قاعدة ذهبية للتعامل مع الشعر، بمعنى أصح ربط أهمية الشعر بمقدار ما يحمل من ذاكرة سواء كانت هذه الذاكرة تأريخاً للمكان أو الحروب أو المناسبات وخلافها .
فالشعر قرين الشعرية أولاً وأخيراً، ومقاييسه هي مقاييس لغوية وفنية وجمالية، ومن المفترض أن يتفق عليها المحدثون بمثل ما يجمع عليها الكلاسيكيون والتقليديون من علماء لغة ونقاد وقراء ومتذوقين .
في الشعر القديم على وجه الخصوص، ومنه الشعر العربي نتذكر المعلقات التي كانت تقوم على ذكر الأمكنة، كلازمة ومبتدأ، حتى إن القارئ الحصيف كان يستشعر لذة مضاعفة وهو يقرأ شغف الشاعر في نسج قصيدة عصماء أضفى عليها المكان لذة وعذوبة، فما بين قفا نبك ولخولة أطلال ولقد ذكرتك وغيرها الكثير، حوكم الشعر بناء على شعريته، والكل يتذكر مجالس العرب منها سوق عكاظ الذي كان بمنزلة ندوة وملتقى نقدي يرتفع فيه الشعراء ويعلو شأنهم بمثل ما يسقط بعضهم ويتوارى من ذاكرة الشعر وفصاحة الكلام .
في المرحلة الأولى من شعر الحداثة العربية، أخلصت الكثير من القصائد للمكان ومنها على وجه الخصوص شعر التفعيلة، والمتتبع للكثير من القصائد سوف يعدد أسماءً لا حصر لها اتكأت على المكان، الذي تم توظيفه بوعي شعري مكثف، وهذا يعني أن الشعرية لم تكن للمكان في المقام الأول بقدر ما كانت للقوة الكامنة في النص المكتوب وما حمله من إبهار شعري ورؤيوي .
في الحداثة الثانية وظهور مصطلح قصيدة النثر اختفى المكان كلازمة شعرية، ليحل محله ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً هاجس المحنة، الذي لخص أو استولى على أغراض الشعر أيضا، وبالعودة سنوات إلى الوراء واستعراض تطور الشعر الأوروبي والأمريكي يجرنا الكلام للحديث عن موجة الحداثة وهي موجة ثقافية اجتاحت أوروبا وأمريكا مع السنوات الأولى من القرن العشرين، عبرت عن حس الحياة المعاصرة من خلال الفن، أو بعبارة أخرى استخدمت الفن هروباً من التقاليد المعروفة أو التي كانت سائدة في الحضارة الغربية، وإذا بها حداثة تعتنق الكثير من المتغيرات، ويتفق عدد من المؤرخين على أن فترة ما بين الحربين العالميتين كانت السبب المباشر في ظهور موجة الحداثة والتجريب .
في هذه الفترة ولد ما يعرف ب الجيل الضائع كما سمته الكاتبة جرترود شتاين حيث تحدثت عن فقدان هيكلية مستقرة وتقليدية للقيم، ذلك أن الحرب العالمية قوضت الحياة العائلية الآمنة وانعكس ذلك في كثير من الأعمال الأدبية مثل رواية ارنست همنغواي الشمس تشرق أيضاً و هذه الناحية من الفردوس لفيتزجيرالد مروراً بالشعر وقصيدة الأرض اليباب ل ت . اس اليوت، التي رمزت إلى الحضارة الغربية ووصفتها بالصحراء القاحلة المتلهفة لسقوط المطر في إشارة إلى التجدد الروحي .
مثل هذا التشظي الذي انعكس في التجربة الحداثية العربية يجد له مبرراته التي يمكن سوقها لاختلال بنية القيم، وبالتالي صعود نبرة الصوت الواحد، والهم الذاتي والتفاصيل الحياتية التي تختلف من شاعر إلى آخر، فلا شيء ثابت في قرينة الشعر غير النداء الخافت الذي يضطرم بنار الوحدة والغربة، كما هو حال الشعر عارياً من كل شيء سوى وجهه الواضح الذي يتمرأى من ظلال صورة الإنسان المنكسرة على صخرة الواقع، الواقع الذي لا ثبات له، فلا مكان يمكن الوثوق به .
قال الشاعر سعيد المنصوري: الذاكرة كنص شعري أو نثري هي منبع لا ينضب يقتبس الشاعر منه ويتناص معه، فنصه في النهاية هو توليف من كم هائل من النصوص الغائبة يشكلها تشكيلاً جديداً ويخرجها إخراجاً طرياً، ويضيف إليها من حسه وخياله وبديع صوره وجديد معانيه، وفي مستوى ثانٍ، الذاكرة هي الوطن الذي لا نسافر عنه وهي المعمل الذي تأتي منه البارقة الأولى، أو قل إن شئت هي العقل الباطن والظاهر واللاشعور والشعور وكل ذلك مجتمعاً يختمر ليشكل فكر الشاعر وخياله وخبرته .
وفي شأن الذاكرة تحضرني نصيحة أبي نواس للشاب الذي جاءه يريد تعلم الشعر، وسأله كيف يجود الشاعر شعره، اذهب واحفظ ألف بيت ثم انسها جميعاً، وهذا المعنى أيضاً قاله نزار قباني مرة عندما سئل عن مصادره في كتابة الشعر، ويدل على أن تعامل الشاعر مع الذاكرة ليس بالحفظ والاستظهار وإنما باستخلاص خبرات السابقين وإدخالها في مصنعه هو كخبرة له ينطلق منها إلى جديد .
وقال الشاعر سعد الدين شاهين عضو رابطة الكتاب الأردنيين إن للشاعر وللمبدع عموماً غيمات متنوعة يستمطرها أحياناً وأحياناً تأتي بها الريح، ولكنه بحكم اشتغاله تلقائيا في صنف إبداعي، أكان شاعراً أم قاصاً أم روائياً أم موسيقياً أم غير ذلك، فإنه في الغالب يقطن جغرافيا حياته المحددة، لها تضاريسها الثقافية والاجتماعية والمعتقدية التي تشكل وعيه وتصاحب حنينه أينما حل أو ارتحل، ولها مناخاتها وطقوسها التاريخية والدينية والفولوكلورية التي تشكل مواسمه الماطرة ومواسمه المخضرة، لذلك فإنه محكوم شاء أم أبى، بالتأقلم مع هذه المناخات منذ بداية انفلاته من سريره في المهد واستخدامه قدمين تعبران به آفاق المكان وتعتقان زمانه بذاكرته المتجددة .
وأضاف شاهين ذاكرة المبدع عموما تتلبسه ليتكئ عليها كمفقود يبحث عنه ويتمنى من خلالها حاضراً أفضل مستشرفاً بوقائعها قراءة المستقبل سواء أكانت ذاكرة شخصية أم جمعية تاريخاً أم تراثاً أسطورياً، ويتأبطها كأيقونة معلقة في رقبته، عليه تلميعها بكل تفاصيل حياته بإبداعه اليومي، فكما ينزل المطر من الغيم فإن الذاكرة تعود إلى الوراء باتجاه الطفولة التي هي مستودع الإبداع وغيمته الأولى، لذلك، نجد أن الشاعر أو المبدع قد مر بمرحلة معينة من تاريخ إبداعه وقد نهل من مخزون ينابيعها التي استقرت في جوف التاريخ والأسطورة والمعتقد والتراث، ولكن لا شك في أن هناك ثقافة الشاعر وسعة اطلاعاته وبعد نظره للأمور وعمله وتجربتة الشخصية . . كلها تشكل ينابيع ثرية وغيمات هاطلة في مواسم إبداعه التي تكرسه مبدعاً .
وقال الشاعر محمد العزام يمكن للقصيدة أن تتوسل لحظة متوترة لتنفجر، وتسيل على أوراق الشاعر، ولكن لابد لها من مساحة في ذاكرته، فالشاعر يمتلك ذاكرة من نوع خاص، يقبض بوساطتها على كثير من التفاصيل حوله، من أمكنة ووجوه وحتى رائحة الأشياء، ومن هذه التفاصيل، يعتق الشاعر نبيذ فكرته، قبل أن يصبها في كؤوس القصيدة، والشعر بحد ذاته هو ذاكرة، تصب فيه هواجس وأدوات وتجارب سابقة ومعاصرة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ندعي أن القصيدة تولد على قارعة الطريق وحيدة وعارية من الذاكرة التي تتراكم دائماً، وإلا لجاز لنا أن نقول إنها لقيطة .
ويرى الشاعر العزام أن النص يولد من بطن الذاكرة المملوءة بالأحداث التي رافقت حياة الشاعر منذ طفولته وحتى لحظته الراهنة، ولذلك لا يمكن فصلها عن أي عمل إبداعي ينجزه الكاتب، أياً كان شكل ذلك العمل أو جنسه .
وترى الشاعرة والتشكيلية وفاء خازندار الشعر بالنسبة إلينا كعرب هو أحد أهم موروثات ثقافتنا ربما لأن الروح الموسيقية فيه هي الأبرز والتي تتناغم مع حياة الإنسان العربي(البدوي أصلاً) في صحرائه وفلواته، لذلك كانت عملية حفظه تتوارث بالسليقة بين الأجيال، ولم يكن الأمر يحتاج فيها إلى كبير عناء لدرجة أنه قيل قديماً بأن العربي (يُغني الشعر)، وعملية الغناء هذه بكل تقاسيمها وألوانها و(عروضها) هي التي حافظت على هذا الموروث ونقلته إلينا ولو في جزئيته الشفاهية الواسعة .
إذاً فمقولة إن الشعر هو ديوان العرب كما تؤكد الخازندار، هي مقولة صحيحة إلى حد كبير، وعندما تلاقحت ثقافات العرب مع غيرهم، وراحوا يستفيدون من هذه الثقافات، وراح بعضهم يقترب من نظريات جديدة حول الشعر، كانت ردات الفعل قاسية عليهم، إذ كيف يكون الشعر شعراً إذا انتفت منه الموسيقا؟ .
وتؤكد الخازندار مهما يكن من أمر، فلا أحد ينكر بأن الشعر العربي قد أرخَ من خلال كل أغراضه لحياة العرب القديمة والحديثة التي تطورت فيها أساليب العيش والتفاعل من خلال الآلة الإعلامية المعاصرة كما نعلم، ولم تعد في حاجة إلى إعلام الشعر كما كانت سابقاً يوم كان (أي الشعر) هو الناطق الرسمي باسم الأحزاب والدولة .
وتضيف: غير أن ذلك الحنين لا يزال يدغدغ وبقوة ذواتنا ويدفعنا في كل مناسبة إلى إعادة ذلك المجد وتطويره وتكريسه بالأدوات المستجدة، فها هي مهرجانات الشعر ومسابقاته وجوائزه التي لا تنتهي ليس من أجل الحفاظ عليه فقط، ولكن لتأريخ مجريات حياتنا ونشاطاتنا ولأنه بالفعل لايزال يبعث فينا السحر الخاص والشعور بأناقة الحياة الجميلة والدافئة التي نتمنى أن نظل نعيش في كنفها، وتظل مشاعر الإحساس بالشعر ومشاعر الاقتراب منه أموراً إنسانية كذلك، فلكل أمة شعراؤها غير أن أمة العرب تظل استثناءً في علاقتها بالشعر الذي كان أهم قاموس في تاريخهم الحافل، لا نعلم إلى أي مدى كان الشعر ذاكرة وتاريخاً للأمم الأخرى، إلا أنه بالنسبة إلينا كعرب يظل عصب تلك الذاكرة التي سجلت وعلى مر العصور الانتصارات والانكسارات بدءاً بعصر الجاهلية ومن ثم الفتوحات الواسعة إلى أيامنا .
وتقول الخازندار يكفي أن نعود إلى الإرث الشعري العربي لنكتشف كم هو ثري ذاك الإرث، وكم هو حاضر في ذواتنا، فالإنسان العربي المعاصر كمن سبقه لا يتوانى أبداً وفي أية مناسبة كانت للجوء إلى الشعر حتى يضرب لك الأمثلة أو يلفت نظرك إلى أمر ما، فمقياس الشعر لديه هو مقياس من ذهب الكلام وذهب الأفكار ثابت وزاهر في حياة الإنسان العربي .
وقال الشاعر محمد البريكي: لا يمكن للشاعرأن يكتب قصيدته من دون أن يستعين بذاكرته، فالذاكرة عنصر رئيس في كتابة القصيدة، لاسيما عندما تكون القصيدة ملتزمة، ومتوجهة أساساً إلى المتلقي، ولا أعني القصائد التي تكتب كما يقال اعتماداً على اللاشعور، أن يكتب الشاعر عن طفولته، أن يكتب الشاعر عن المكان، أن يكتب عن البيئة، كل ذلك لا يمكن أن يتم من دون الاعتماد على الذاكرة .
تكوين الذاكرة، يبدو تحت التحليل مدهشاً، فهي موطن لمحمول ثقيل، يمتد عبر سني عمره، منذ أول لحظة وعي، ومروراً بتفاصيل نشأته، صبياً، ويافعاً، وفتى، تعلق على رفوفها كل ذلك .
وأضاف البريكي: إن القصيدة التي بلا ذاكرة، تكون بلا نبض، وبلا حياة، بلا نسغ، إن الكثير من جماليات الشعر إنما تكون مرجعيته الذاكرة . وحين يكتب الشاعر قصيدته، فإن أدوات هائلة تستنفر، وفي طليعتها الذاكرة . كما يجب أن نعترف بأن الذاكرة نفسها، تختلف من شاعر إلى آخر، حتى وإن كان كل منهم يعتمد على ذاكرته .
الذاكرة هي نسغ القصيدة، والذاكرة هي الرصيد الكبير الذي يعود إليه الشاعر، لينهل منه، ويكتب قصيدته، ومن هنا، فللقصيدة نفسها ذاكرتها، وهذه الذاكرة هي حصيلة وحصيد ذاكرة الشاعر نفسه .
وقال: بالنسبة إلى الشاعر الواحد، فإن القصيدة عنده تتدرج في ما يتعلق بنسبة اعتمادها على الذاكرة، فقد تكون إحدى قصائده حاضرة الذاكرة، وقد تكون هناك قصيدة أخرى لديه، مغيبة الذاكرة، بمعنى أن اللجوء إلى الذاكرة يأتي على درجات، فهناك درجات لانهائية من جهة الاعتماد على الذاكرة، وهنك درجات عادية .
وقال البريكي: يفتخر بعض دعاة اللامعنى، ممن يكتبون قصيدتهم بعيدة عن أي هم، وبعيدة عن أي مكان، أو زمان، يسترسلون وراء المفردات وهي تنكتب في حالة هلوسة تامة، إن هؤلاء، يكتبون قصيدة بلا روح، وأرجو ألا يفهم من كلامي أني هنا أسيء إلى الحداثة الشعرية، فهي بالتأكيد شأن آخر .
الشاعر خالد الظنحاني رأى أنه لا يمكن لأي مبدع أن يستغني عن الذاكرة في خلق إبداعاته، وبالتالي لا يستطيع أن يختط حرفا واحدا في منجزه الإبداعي من دون اللجوء إلى الذاكرة التي هي مكتبة فكرية كبيرة تضم كماً هائلاً من المعلومات والمعارف والخبرات التي تسهم في تكوين ملامح شخصيته الإبداعية .
وقال الظنحاني: عندما تأتي لحظة الكتابة يغوص الشاعر في أعماق بحر الذاكرة لا إراديا، باحثاً عن أجمل المواقف وأروع القصص والمعلومات التي اختزنها في ذاكرته منذ أيام طفولته الأولى ليغذي بها قصيدته ويدعمها، فتخرج عذبة ندية كعذوبة ذاكرته تماماً، وتجدر الإشارة هنا إلى أن العلماء اكتشفوا من خلال الأبحاث أن الذاكرة تنشأ مع الجنين وهو في بطن أمه، وهو الأمر الذي يفسح للمبدع مجالا واسعا للكتابة والإبداع .
ويضيف الظنحاني: وتختلف الاستعانة في الذاكرة باختلاف موضوع القصيدة أو الهاجس الإبداعي، فإذا كانت القصيدة في الحب والغزل فستذهب إلى أرشيف الحب في الذاكرة، وإذا كانت القصيدة في الشجن فستذهب إلى أرشيف الشجن، وهكذا إلى آخر ما لهذه الذاكرة من ثراء واتساع كما تختلف الاستعانة بالذاكرة من مبدع إلى آخر بحسب قوة ذاكرة هذا المبدع أو ذاك، ومدى ثراء هذه الذاكرة بمخزون التجارب والمواقف والمعارف والخبرات التي نشأت عبر الزمن، وهذا يتضح من خلال النص الذي يعكس قوة الذاكرة وحيويتها .
ويقول الظنحاني: يقول علماء النفس إن الشاعر أو الكاتب عندما تأخذه لحظة الكتابة ينتقل فورا إلى عقله الباطن (اللاوعي) الذي هو مخزن الذاكرة من دون إدراك منه، وعندما ينتهي من الكتابة تصيبه الدهشة مما كتب ويتساءل كيف استطعت أن أكتب هذا النص؟! نعم بالفعل يحصل هذا الأمر كثيرا عند المبدعين الحقيقيين بطبيعة الحال، وما يثير الانتباه أنك عندما تبدأ بالكتابة تلوح لك أحداث ومواقف وأماكن قديمة جدا ما كان لك أن تتذكرها لولا لحظة الإبداع تلك، وهذا كله يأتي من معين الذاكرة، إذن قصيدة الشاعر ترتقي بارتقاء الذاكرة، وتكون عميقة بعمق الذاكرة مع امتزاج حاضر المبدع، وأحياناً مستقبله والذي يطلق عليه عملية الاستشراف .