إن دراسة الحياة المنزلية للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، تكشف الستار عن نوع من العظمة، يثير إعجابنا ويبهرنا ويمكننا أن نتخذ من أسلوب هذه الحياة نبراساً ومنهاجاً ودستوراً لحياتنا العربية .
في هذا الموضوع يطرح علينا عبد الوهاب حمودة كتابه البديع اللطيف: الرسول في بيته، فيما لا يتجاوز 120 صفحة من القطع الصغير الأمر الذي يسهل حمله في جيب الجاكيت وقراءته في جلسة واحدة في أي مكان وفي أي زمان .
وهو في بحثه عن جوانب غير مطروقة من تاريخنا الإسلامي، قدَّم لنا - من قبل - كتابيه: القرآن وعلم النفس، وساعات حرجة في حياة الرسول .
وهنا يفتتح كتابه الذي أمامنا الآن يسرد حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل زواجه، والتي يقسمها إلى عهدين، عهد بمكة وعهد بالمدينة . ويرى أن كل عهد كانت فيه حياة متمايزة واضحة لها خصائصها وبواعثها وفيها مسراتها ومساءاتها .
عاش محمد حتى الخامسة والعشرين أعزب، لم يكن له بيت مستقل يدبره ولا منزل خاص تتمثل فيه سياسته وألوان أخلاقه . فهو عندما كان في السادسة من عمره، خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم ومعها أم أيمن الحبشية حاضنته، فأقامت به عندهم شهراً ثم رجعت إلى مكة، وبين هذه والمدينة توفيت الأم ودفنت في الأبواء . وجاءت به حاضنته إلى جده عبد المطلب بعد خمسة أيام من موت أمه، فضمه إليه ورقَّ عليه رقة بالغة . وتوفي الجد ومحمد في الثامنة من عمره، وقد أوصى به عمه أبا طالب فأحبه حباً شديداً، فكان لا ينام إلا إلى جانبه وكان يخصه بأحسن الطعام . خرج العم في ركب (قافلة) تاجراً إلى الشام . وبلغ خديجة التي كانت تبعث رجالاً يتجرون في مالها بالشام .
الزواج الأول
كانت السيدة خديجة بنت خويلد تبعث رجالاً يتجرون في مالها، وبلغها ما يتمتع به محمد من مكارم الأخلاق، فأرسلت إليه وقالت: إنما دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجل من قومك . وباع محمد واشترى ثم عاد وقد ربحت التجارة ربحاً وفيراً، وقص ميسرة (غلامها) ما رأى من محمد في السفر من رقة الطبع وسهولة الخلق وصدق المعاملة، فقررت أن تخطو هي الخطوة الأولى، ودفعت بصديقتها التي تثق فيها نفيسة بنت منبه لتلوِّح له بأمر الزواج منها وتعلم رأيه فيها . ولما كان محمد يشعر نحو السيدة خديجة بنت خويلد بمثل شعورها نحوه، وأصبح يبادلها عطفاً بعطف وتقديراً بتقدير فقد تقدم للزواج منها،
وهكذا كان له أول بيت هو بيت خديجة بنت خويلد أولى أزواجه والمكون من أربع غرف وفيه ولد جميع أولاده عدا إبراهيم الذي ولد في المدينة . وأنجبت له خديجة ستة: اثنين من الذكور (توفيا صغيرين) وأربعاً من الإناث (زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة أصغرهن) . وأصبح محمد بعد تزوجه من خديجة هادئ البال، مستقراً، له منزل يأوي إليه وأهل يسكن إليهم، فانصرف إلى ما كانت تصبو إليه نفسه من الخلوة وإطالة التأمل والتفكير، حتى جاءه الوحي، فجعله محتاراً مذهولاً، لكن خديجة ثبتت فؤاده وسكنت خاطره بمقالتها المشهورة (من رواية البخاري): والله لا يخزيك الله أبداً . . إنك لتصل الرحم وتؤدي الأمانة وتحمل الكل وتقري الضيف وتُعين على نوائب الدهر . ثم إنها انطلقت من فورها إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وقصت عليه خبر زوجها محمد، فبشرها ابن العم بأن الذي رآه محمد إنما هو الناموس الأكبر الذي نزل على عيسى وموسى . وأدركت خديجة من حقيقة الدين ما لا يدركه عامة قومها . وزاد إيمانها وتعلقها بزوجها، وقاسمته مر العيش كما قاسمته حلوه، وعملت ما بوسعها لنصرة دعوته، وقاست في حصار الشِّعب على كبر سنها واضمحلال بنيتها، وأضر بها طول الحصار، فلم تعش إلا قليلاً حيث توفيت في العاشر من رمضان من العام العاشر للبعثة، وعمرها خمسة وستون عاماً . ولم تبرح صورتها خاطر محمد النبي ولا فارق تذكرها لسانه، فكان لا يخرج من منزله حتى يذكرها ويثني عليها .
البيت الثاني
ثم كان البيت الثاني للنبي محمد في المدينة؛ حيث بنى مسجداً جامعاً للمصلين معه، وجعل قبلة المسجد للقدس . ثم بنى بيتين إلى جنب المسجد باللبن وسقفهما بجذوع النخل والجريد، وجعل البيت الأول لعائشة لأنها كانت زوجه وإن تأخر دخوله بها، وجعل سودة بنت زمعة في البيت الآخر . . ثم بنى بقية الحجرات عند الحاجة إليها . وفي هذه البيوتات المتواضعة كان يعيش صلوات الله عليه مؤدياً رسالة ربه، مُكافحاً لخير الإنسانية، ومنها تفجرت ينابيع العلم . فلما كانت السنة السابعة للهجرة، أهدى المقوقس المصري للنبي مارية القبطية (من صعيد مصر) .
فإن أوجزنا، قلنا إن محمداً كان أعزب حتى الخامسة والعشرين ثم عاش مع زوجة واحدة هي السيدة خديجة من سن الخامسة والعشرين حتى الثالثة والخمسين، وبعدها تزوج عدة زوجات حتى بلغ الستين، وفي هذه الفترة خاض معارك المسلمين، قائماً بأعباء الرسالة الدينية وسياسة البشر . وكانت أمهات المؤمنين اللاتي توفي عنهن، معلمات ومفتيات لنساء أمته ولرجالها ما لم يعلمه عنه غيرهن من أحكام شرعية وآداب زوجية وحكم نبوية . . وكن قدوة صالحة في الخير وعمل البر .
كان رسول الله المثل الكامل والأسوة الحسنة للإنسان في حُسن معاشرة الأزواج بالمعروف والقسمة بينهن بالعدل في كل من المبيت والنفقة واللطف والكرم، وفي احتمال غضبهن وغيرتهن وتنازعهن بالرفق والأناة والموعظة الحسنة .
وكان يزورهن كلهن صباحاً للوعظ والتعليم، ومساءً للمجاملة والمؤانسة، وكن يجتمعن معه في بيت كل منهن . وكان يقوم في البيت بمهنة أهله ويقضي حوائجه بيده حيث كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويرفع دلوه ويحلب شاته ويخدم نفسه .
خدمه ومواليه
وتحت عنوان في خدمه ومواليه يذكر المؤلف منهم: أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي (أبو حمزة)، أيمن بن أم أيمن، عبد الله بن مسعود،عقبة بن عامر الجهني، أبو زيد الغفاري، ومهاجر مولى أم سلمة الذي قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقل لشيء صنعته لما صنعته؟ ولا لشيء تركته لما تركته؟ ومن هؤلاء الذين كانوا خدماً وموالي (أي عتقاء): أبو الحمراء، ومن النساء كانت أم أيمن الحبشية وسلمى أم رافع (مولاة النبي وخادمته) . وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يحبس نفسه على نوع واحد من الأغذية، فكان يأكل ما جرت عادة أهل بلده من اللحم والفاكهة والخبز والتمر والحلوى والعسل، ولم يكن يأكل متكئاً . وكان يتوسع في لباسه فلا يُضيِّق بالاقتصار على صنف بعينه ولا يطلب النفيس الغالي بل يستعمل ما تيسر، وقد دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وعن أبي ذر قال: أتيت النبي وعليه ثوب أبيض . وكان فراشه الذي ينام عليه أدماً (جلداً) حشوه ليف ويجلس على حصير أَثَّر في جنبه .
وهكذا كانت حياته صلى الله عليه وسلم في صورتها المشرقة مثالاً للإنسانية كلها متى أرادت السعادة النابعة من الرضاء والقناعة والمثل العليا في البيت وخارجه، وفي الأسرة وما يتصل بها .