لا يوجد خطاب تتكرر فيه كلمات (الحق) و(الحقيقة) و(الحقائق) كالخطاب الإسلامي الراهن، وفي التاريخ يصبح استخدام هذه المصطلحات أكثر سوءاً لأن التاريخ هو في النهاية نوع من الغيب لا يمكن مشاهدته والتحقق منه والوصول به إلى كل هذه اليقينيات التي يقررها المؤرخون المسلمون المعاصرون بكل استرخاء، إنما يصاغ التاريخ العلمي بتتبع الآثار وجمع الأخبار والموازنة بينها وصولا إلى مسار هو الأرجح والأقرب إلى الحقيقة، وليس القصد من ذلك التشكيك بتاريخ المسلمين أو بأحداث التاريخ بشكل عام إنما القصد هو فتح فسحة صغيرة لإعادة النظر في كثير من الوقائع التي تروى بل ويدرس بعضها في المدارس وكثير منها لا يصمد أمام البحث العلمي الرصين .

من جهة أخرى يرى كثيرون من علماء التاريخ أن كل كتابة للتاريخ تنطوي على (تأويل) يراد به إعادة تشكيله ليخدم غايات في نفس المؤرخ أو في واقع الأمة، إلا أن هذا التأويل كثيراً ما يتجاوز الحدود المقبولة لينطلق في رسم تاريخ يبتعد كثيراً عن حقيقة ما وقع مع إقصاء لكل خبر قد يعكر الصورة المؤولة ومع اختلاق أشخاص ووقائع تزيد ما يسميه علماء التاريخ (الساحر الخلاب) الذي يصبح غاية للمؤرخ ترجح على شغفه بالحقيقة التاريخية .

لا يقصد من هذا الكلام - مرة أخرى- التشكيك في التاريخ الإسلامي كله فقد عني المسلمون أكثر من غيرهم لاسيما في القرون الأولى بوزن الأخبار والترجيح بينها، إنما القصد هو الدعوة إلى إعادة النظر في قضايا أخذت على محمل الحق والحقيقة من دون اكتمال أسباب الرجوح والوصول إلى العقل الاسلامي العلمي الناقد الذي يتعامل مع نسبية الحقائق لا مع المطلقات دائماً .

وكمثال عن (الساحر الخلاب) الذي يميل إليه المؤرخون تحت ضغط التأويل الذي تمليه عوامل نفسية جمعية وعوامل ايديولوجية يمكن القول إننا جميعا قرأنا في المدارس قصة (خولة بنت الأزور) تلك المرأة التي تتجاوز حدود الممكن في فنون القتال حتى تحرر أخاها ضراراً من بين أيدي الروم، وقد فند الراحل حمد الجاسر وغيره الروايات التي تروي قصة خولة فوجد أنها لا ترقى إلى مستوى الصحة فضلاً عن الفجوات الكبيرة في سياق القصة ما يجعلها نوعا من الخيال، وهذا مثال عن (الساحر الخلاب ) الذي ينطلق فيه قلم المؤرخ مدفوعا بالميل إلى الأسطرة ليرسم تاريخا ينفع لأغراض التمجيد أكثر من أغراض التحقق والفهم العلمي والموضوعي .

يقول: إن شخصية خولة بنت الأزور شخصية وهمية لا وجود لها إلا في مخيلة واضع كتاب فتوح الشام المنسوب زوراً للإمام محمد بن عمر الواقدي، ولقد أثبت بعض المؤرخين أن هذا الكتاب الذي يعتبر المصدر الأول والأوحد في استلهام بطولات خولة بنت الأزور قد ألف في سنة 907ه على يد مؤلف مجهول نسبه زوراً للواقدي الذي لا يحتاج إلى مزيد طعن منا بسبب هذا الكتاب حيث أجمع العلماء على ضعفه ورماه الكثير بالكذب والوضع .

وبين أيدينا المصادر والمراجع التي تتحدث عن الصحابة مثل الإصابة لابن حجر وأسد الغابة لابن الأثير والاستيعاب لابن عبد البر وغير ذلك من التراجم والسير وحتى التواريخ الشهيرة مثل تاريخ ابن عساكر عن دمشق لم يرد فيها ذكر صحابية باسم خولة بنت الأزور نهائياً، ولقد ذكر ابن حجر 28 صحابية باسم خولة في اختلاف في بعضهن ولكنه لم يذكر مطلقاً اسم بنت الأزور .

ثم إن الصحابي الجليل ضرار بن الأزور ذكر ابن حجر ترجمته وذكر ثلاثة من إخوته الذكور من المسلمين ولم يكن بينهم أي امرأة، والراجح أن هذا الصحابي قد قتل شهيداً في معركة اليمامة مع المرتدين أتباع مسيلمة الكذاب . فأين هو من الأسر لدى الروم وتحرير أخته له من بين أيديهم . (انتهى)

لقد وجد واضع القصة في نفسه ميلا إلى اصطناع ساحر خلاب فارتكب أكثر من خطيئة ولكن العجيب كما يقول الجاسر أننا نرى ممن ينسبون للعلم والفضل والدين يستشهدون ببطولات تلك الشخصية الأسطورية كأنها حقيقة لا مراء فيها ويطلق اسمها على الميادين والشوارع في بعض العواصم العربية وتصير مصدر إلهام عند نساء هذا الزمان .

أقول وقبول الناس لقصة خولة وتناقلهم لها واعتبارها حقيقة واقعة- مع أنه قد ثبت في السيرة النبوية الشريفة أن النساء لا يقاتلن مع الرجال إنما يقمن بمداواة الجرحى وسقياهم ومساعدتهم إلا ما كان من أمر أم عمار عندما ذادت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسها وهي قصة ثابتة لا تحتاج إلى مزيد - هو بعد آخر لمسألة الساحر الخلاب الذي يميل إليه العقل الجمعي الإسلامي الراهن .