أمضيت الأسبوع الثاني من شهر رمضان في جزيرة مالطا بدعوة من مؤسسة إنيزامد المالطية وبرنامج الأدب عبر الحدود التابع لجامعة أبيرستريت البريطانية. كنا ثمانية شعراء من ست دول ومن لغات وثقافات مختلفة، جمعتنا ورشة للترجمة. كانت فكرة اللقاء أن يقوم كل واحد منا بترجمة قصائد البقية من الشعراء، وأن يُقرأ الجاهز منها في أمسيات مهرجان الشعر المتوسطي في مدينة ساليما.
وصلتُ إلى مطار محمد الخامس في الدار البيضاء، قادما من الرباط، بعد أربع وعشرين ساعة عن موعد طائرتي إلى مالطا عبر فرانكفورت.
أضعتُ الموعد نتيجة التباس أتحمل جانبا من مسؤوليته هذه المرة. في أغلب أسفاري خارج المغرب أكون مهيئا لمفاجآت ما، سوريالية في غالب الأحيان، تنتهي من دون خسائر، لحسن الحظ. ولعل أكبر المفاجآت تلك كان احتجازي في مطار لندن طيلة ست ساعات أثناء سفري إلى كولومبيا للمشاركة في مهرجانها الشعري المعروف، وحدث ذلك بعدما شكت شرطة مطار لندن في أنني قد أكون مهرب مخدرات، ولم يتم إطلاق سراحي إلا بعد تدخل السفارة الكولومبية التي كانت تتوفر على أسماء المدعوين للمهرجان. هذه المرة كان الأمر معقدا أيضا، فتاريخ التذكرة غير قابل للتحويل. قبل أن أتقدم إلى موظف الخطوط الألمانية هاتفتُ الوالدة وطلبت منها أن تدعو لي. أفعل ذلك دائما في اللحظات الحرجة. حين عرضتُ المشكل على الموظف، لم يجبني، ثم انهمك في الرقن على جهاز الكومبيوتر، وبعد أقل من ثلاث دقائق، سلمني تذكرة جديدة متمنيا لي سفرا سعيدا، بكل بساطة.
اختار منظمو الورشة أن نقيم موزعين على ثلاثة شقق متجاورة في قرية سياحية معزولة. لا وسائل للانترنيت ولا مقاهي ولا شاشات للتلفزة. الهاتف الوحيد في القرية معطل، ظروف مثالية للاعتكاف. يلتقي الشعراء في ساعة مبكرة من الصباح، في بيت من البيوت الثلاثة، جعلوه مقرا دائما للعمل ولحلقات النقاش، ومنطلقا لكتيبة الشعراء التي تغادر المكان، كل مساء، في اتجاه مدن ساينت جوليانز أو فاليتا أو ساليمة أو رباط. وهي بالمناسبة مدن تشكل امتدادات لبعضها بعضاً، محتفظة في الآن نفسه بخصوصياتها العمرانية والثقافية. كانت فكرة اللقاء أن يترجم كل شاعر بعض قصائد الشعراء الآخرين، بشكل فتح الباب لسفر إبداعي حمل القصائد إلى العديد من اللغات. الشعراء الغربيون يملكون، كعادتهم، قدرة فائقة على الكد، وقد كانوا يستغنون عن الأكل في لحظات كثيرة، في خضم انشغالاتهم بالترجمة. وكان بعضهم يعلق على الأمر بأنهم متضامنون معي في رمضان. ولو كنتُ أملك شيئا من ذكاء الداعية عمرو خالد لاستطعت الذهاب بهم إلى أبعد من ذلك وإلى تحفيزهم على التضامن معي في الشهادة ولربحنا مسلمين جددا!. خلال أيام الأسبوع بكامله، لم أسمع أحدا يتحدث عن قصيدة النثر ولا عن القضايا الكبرى التي تشغل بال العديد من الشعراء والنقاد العرب، الذين ما إن يجتمعوا حتى يجهزوا أسلحتهم لتفكيك النصوص ولحل كل مشاكل الكون، بشكل صارت معه عبارات مثل أي واقع وأي آفاق وبين اليوم والأمس والواقع والرهانات لازمة تطبع أغلب محاور ندواتنا، مع الحرص الكبير على تدبيج التوصيات. وأتصور أنه لو قمنا بتجميع كل التوصيات الصادرة عن ندواتنا بهدف طبعها لاحتجنا إلى اقتلاع أشجار كل غابات عالمنا العربي الكبير ولتسببنا في أزمة تأتي على التوازن البيئي للكون بشكل قد يسرع بنهايته. وأتذكر بالمناسبة فكرة كانت قد أطلقتها مجلة آر لوسابو، الكندية، حيث دعت عشرة شعراء من العالم ( وكنت أحدهم والأمر ليس للدعاية!) إلى رحلة عبر عدد من بحيرات الكيبك. وكان لكل شاعر منا قارب صغير مع عدة الإنقاذ. وبعد كل رحلة عبر بحيرة ما كنا نلتقي في المساء لنتقاسم طقوس كتابة نص مشترك عن الماء، نشر في ما بعد في عدد خاص من المجلة عن القصيدة والماء. وهو عدد تلاه آخر عن الكتابة والنار اختارت المجلة أن تضم كل نسخة منه صفحة فريدة منتزعة من رواية أو كتاب ما يستحضر قيمة النار يعود تاريخ صدوره بالضرورة إلى القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين. وقد قامت هيئة تحرير المجلة بإحراق جزء من كل صفحة مدمجة، مع إثبات تنبيه في الصفحات الأولى من المجلة، كان نصه: لك أيها القارئ أن تتلمس آثار النار وأن تشم رائحتها!. والحقيقة أننا نحتاج في وطننا العربي إلى أفكار بسيطة وواضحة ودقيقة، فلقاء واحد لا يمكن أن يحل كل مشاكل القصيدة.
لغات مهاجرة
لم يكن اختيارُ النصوص التي كان من المفروض أن يترجم كلُّ واحد منا أمرا صعبا. فألكسندرا باشلر حرصت على تجميع النصوص قبل بداية اللقاء بأيام وإرسالها إلى كل الشعراء المدعوين. وكانت هذه المدة كافية لخلق بوادر حوار صامت مع النصوص ومع أصحابها أيضا عبر رسائل أولى بين شعراء لم يسبق لهم أن التقوا. ذهبتُ شخصيا باختيار ترجمة نصوص الشاعرة سيمون إنغوانيس، يحفزني في ذلك توفري على الترجمات الإنجليزية والفرنسية لمجمل دواوينها الثلاثة، بالإضافة إلى أصولها المالطية، بينما كانت سيمون قد ترجمت، قبل أيام، نصي أحلام ماك لوهان إلى اللغة المالطية. ولذلك كان التواصل بيننا سهلا. والحقيقة أن الذي سهل الأمر أكثر هو طبيعة اللغة المالطية. وقد كنتُ أشعر أحيانا بأنني لا أقوم بالترجمة بقدر ما كنتُ أبحث عن مرادفات لكلمات نصوص سيمون. فأكثر من ثلثي اللغة المالطية أصله من اللغة العربية، وخصوصا من لهجات شمال إفريقيا. بل إن نظام النحو الذي يحكم المالطية هو نفسه نظام اللغة العربية، والاختلاف الوحيد ربما هو اعتماد المالطية على الحروف اللاثينية. أما بقية المفردات فتنحدر من اللغات الإيطالية والإنجليزية والصقلية. ومن الطريف أن أذكر أن نصا لسيمون إنغوانيس يحمل على سبيل المثال، عنوانا أصليا هو محبة الرغوة، وأن نصوصها، كما هي اللغة المالطية، حافلة بمفردات عربية كقمر وليل وبحر وجسد ورجل وسماء وماء وشتاء وريح وجبل وملح وكتاب وامرأة ورجل، وبأفعالٍ كأفتكر وأسهر وأرى وأفتح وأحب وحسبتُ. والحقيقة أن وضع اللغة العربية في مالطا تحكمه كثير من المفارقات. ففي مقابل هذا الحضور الخاص والمذهل لمفرداتها ولنظامها على مستوى اللغة المالطية، اختار أغلب المالطيون إعطاء ظهورهم للعالم العربي ولثقافته والتطلعَ إلى الاندماج بشكل تام في أوربا كأفق للحياة والثقافة والممارسة الدينية، من خلال تكريس المذهب الكاثوليكي بشكل كبير، على سبيل المثال.
وكانت إحدى ضرائب كل ذلك توقيف تدريس اللغة العربية بشكلها النظامي في المستويات التعليمية الأولى. وهو اتجاه يحكم أيضا كتابة التاريخ المالطي الرسمي، الذي يتم بشكل يشعرك كما لو أن هناك رغبة لمسح الجوانب المضيئة للحضور العربي على مستوى جزيرة مالطا. غير أن ذلك يبقى محفوفا بالمخاطر، فاللغة العربية، التي جاء بها المحتل العربي هي حاضرة هنا، تُعبر عن فرح المالطيين وعن قلقهم وعن رومانسيتهم وعن غضبهم.
الشاعر المالطي إيمانويل مفسود كان قد عبر لي عن هذه المفارقة في حوار سابق خص به الخليج الثقافي قائلا: الحقيقة أننا نجهل، للأسف، الأدب العربي. وهو أمر مفارق وغير مفاجئ في الوقت نفسه. وتكمن المفارقة في كوني أحتاج 45 دقيقة للوصول، عبر الطائرة، إلى تونس وربما أقل بالنسبة لدولة عربية أخرى. كما تكمن المفارقة تلك في انتماء اللغتين المالطية والعربية لعائلة اللغات السامية نفسها، مع احتفاظ المالطية بخصوصية حروفها اللاتينية. أما غياب المفاجأة فيرتبط بالبعد السياسي للأمر. والنتيجة في جميع الأحوال أن الثقافة العربية ظلت بعيدة عنا. وأظن أن الغرب (وأجد من الطريف إدراج مالطا ضمنه) غير مهتم بالوطن العربي ولا بثقافته. وهو أمر مخجل جدا. انتهى قوله.
وليد نبهان. شاب فلسطيني في الأربعين من عمره. ولد في الأردن. حل في مالطا منذ 18 سنة وظل هناك. تعلم اللغة المالطية وأتقنها بشكل جيد، كما حصل على شهادة الماجستير في حقوق الإنسان من جامعة مالطا. وقد شعرتُ، من خلال أحاديث عدد من الكتاب المالطيين عنه بتقديرهم الخاص له وباعتزازهم بصداقاتهم التي تربطهم به. استطاع وليد نبهان الاندماج بشكل جيد في المجتمع المالطي محتفظا في الآن نفسه بفلسطينيته وبانتمائه العربي، وصار نافذة للعديد من الشعراء المالطيين على اللغة العربية، حيث ترجم العديد من أعمالهم وذلك بالإضافة إلى اشتغاله بتدريس اللغة والثقافة العربيتين في جامعة مالطا. حرص وليد نبهان أن يخص الشاعر الكبير الراحل محمود درويش بتكريم خلال إحدى أمسيات المهرجان، من خلال نص طويل كتبه باللغة المالطية. كان وليد العربي الوحيد الذي يحضر لقراءاتي، وقد باح لي بأنه شعر برغبة في البكاء حينما سمعني أقرأ للمرة الأولى، مدفوعا إلى ذلك بحنين شديد إلى الفضاء العربي. وليد نبهان معجب بالتقاليد الديمقراطية في بلد صغير كمالطا، يمكن أن تقطع مجمل ترابه عبر سيارتك في ساعتين أو أكثر قليلا.
وخلال 18 سنة، لم يستوقفه أبدا أي شرطي ليسأله عن أوراق إقامته، بينما يذكر أنه خلال زيارة الى بلد عربي، وخلال ساعة واحدة فقط، تم توقيفه أكثر من عشر مرات.
يبدو مثيرا أن تستطيع جزيرة صغيرة، بالإضافة إلى اختيها غوزو وكومينو وجزر أخرى غير مأهولة، هي كومينوتو وجزيرة القديس بولس، بساكنة لا تتجاوز الأربعمائة ألف نسمة، أن تكون مقصدا لكل هذه الحركات الاستعمارية والشعوب العابرة، وأن تحقق كل هذا التعدد الثقافي واللغوي والاجتماعي أيضا. هنا مر الفينيقيون والرومان والعرب والإسبان والفرسان النبلاء، المعروفون بفرسان مالطا وفرنسيو نابليون والإنجليز وغيرهم. وبين كل هؤلاء، ظل الأثر العربي الأكثر وضوحا على مستوى اللغة والأقل على مستوى الدين، وتلك أكبر المفارقات. هل يكون المالطيون عربا مسلمين تحولوا إلى المسيحية؟ سألتُ الكاتب المالطي ومدير جريدة مالطا اليوم كارل شكنبري. صَمتَ قليلا، وأجابني، وقد اجتاحت حمرة وجهه: ربما!.