إن الإنشائية في الأدب عامة لم تقم على التعارض بين الشعر والنثر أو القطيعة بينهما، وحتى ما نادى به النقاد في فرنسا مثل رومان جاكوبسن باعتبار الشعر نظاما استعاريا والنثر نظاما مجازيا وما أراد تكريسه جون كوهين في ضرورة الفصل بين الشعر والنثر، إلا أنّ العملية الإبداعية على مستوى الممارسة أثبتت التفاعل بين الجنسين. ورغم الحدود الصارمة بين الأجناس التي سطّرتها المرجعية النقدية العربية أو الغربية، فإنّ العملية الإبداعية عملت على كسر هذه الفواصل بتأليفها بين السّردي والشّعري واستطاعت الرواية كفن أدبي أن تحتضن الأشكال الأدبية القريبة منها وأن تصهر الشعري في بنيتها ما يحقّق لها قدرا كبيرا من الإنشائية والجمالية.

في الفترة التي دعا فيها البعض إلى الفصل بين الشعر والنثر نشأت أجناس فرعية تأخذ من الشعر بعض سماته ومن النثر بعض مميّزاته مثل: قصيدة النثر والقصة الشعريّة والنثر الشعري والشعر القصصي ومن المعروف أن الشاعرين هوبكينز و ت.س إليوت قد استدعيا السرد في نصوصهما.

إنّ التآلف بين النثر والشعر حفّز النقاد لدراسة هذه الظاهرة ورغم أنّ في المدوّنة العربية القديمة استقرّت فكرة الحدود الصّارمة بين الجنسين إلا أنّ واقع العمليّة الإبداعية دحض تلك الفواصل، وظلّ الشّعر يغذي تلك الأشكال السّردية السير الشعبية، المقامة، حكايات ألف ليلة وليلة، الإشارات للتوحيدي ورسالة الغفران للمعري، كتاب طوق الحمامة في الألفة والألاّف لابن حزم الأندلسي.

أما في العصر الحديث فالتجربة الإبداعية محت الفواصل بين ما يسمّى بالأنواع الأدبية من شعر ونثر. ومن هنا نلاحظ عدم الانسجام بين الممارسة النقدية والممارسة الأدبية حسب ما أقره النقاد المحدثون.

إن كل نص روائي هو بقدر ما قصيدة وكل قصيدة هي في بعض الدرجات قصة. وتجدر الإشارة إلى أنّ إدوار الخراط من أبرز المهتمين بدراسة هذه الظاهرة حيث خصّص لها كتابين هما:مهاجمة المستحيل والكتابة عبر النوعيّة.

مع التذكير بأن الإبداع العربي بلغ مع جبران خليل جبران 1883 - 1931 مرحلة، تناغم فيها السردي بالشعري وخلال الثمانينات ظهرت روايات عدة مثّلت هذه الظاهرة حسب قول نزار قباني رواية مغتسلة بأمطار الشعر مثل رواية الشحاذ لنجيب محفوظ ورواية رامة والتنين والزمن الآخر لإدوار الخراط ورواية وليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر و رواية الماء والنار لعبدالله علي خلفية وروايات أحلام مستغانمي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس وغيرها.

إن الشّعرية في رواية حدث في اسطنبول تمثّل عنصرا أساسيا في إنشائية هذا النص فكيف تجلّى البعد الشّعري الذي هو في الوقت نفسه بحث في أسلوبية الرواية و كيف تجلّت عناصر الشعرية في هذه الرواية؟ كيف ربط كريم معتوق العلاقة بين السردي والشعري وحقّق التفاعل بين هذين الجنسين؟ إنّ الرواية مثل القصيدة ذات إيقاعات متعددة، إيقاع الحب وإيقاع المجتمع، إيقاع السياسة.

إنّ دراسة تفاعل الشّعري مع السردي ظاهرة تجيب عن هذه الأسئلة ما هي مظاهر شعرية اللغة؟ ما خصائص المعجم وطبيعته؟ بم تتميّز تراكيب الجملة وتراكيب المقاطع؟ وكيف رسم الكاتب الصورة الشعرية وما صنوف الخرق والعدول فيها؟ ما مظاهر الشعرية في مستوى الحكاية، حضور الأنا الغنائي، شعرية الشخصيات، شعرية المكان والزمان؟

عامة كيف فارقت الرواية فضاءها السّردي ودخلت في فضاء الشّعر، مع العلم أن حضور الشعري في الرواية يقتضي التمكن من تقنيات اشتغال كل من النص الروائي والنص الشعري أيضا.

رواية حدث في اسطنبول للشاعر كريم معتوق نص سردي، 208 صفحات، صدرت في طبعتها الأولى عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات سنة ،1996 جاءت الرواية في ستة فصول، صوّر فيها الكاتب رحلة شاعر يدعى مرزوق يفرّ من واقعه ويسافر إلى اسطنبول لغرض الاستجمام والسياحة، ويدخل في علاقة وجدانية قوية بسرعة غير عادية بسبب الظروف المحيطة به كونه طلق زوجته قبل أيّام، وبعد خمس سنين من الزواج، ومن البداية يعلن الكاتب عن موضوع الرواية فهو قضية الحب يقول:لقد درس الحب العذري وشعراءه وحفظ وأجاب في ورقة امتحان السنة الثالثة لمادة اللغة العربية إجابة كاملة ولكنّه لم يكن يفهم مشاعرهم وكلّ علاقته بهم هي معلومات تاريخية، إلى أن التقى بسلوى، وأحبّ مثلهم الحبّ العذري.

أحبّ مرزوق امرأتين في الوقت نفسه، وكل حب مختلف عن الآخر وكل امرأة لها رمزية معيّنة.

معجم

لمّا كانت اللغة هي المحدّدة لشعرية الشعر، فإنّ الباحث في شعرية النص السّردي يوجّه اهتمامه أساسا نحو اللغة، وإن أصغر مكونات اللغة هو اللفظ المفرد قبل دخوله في نظام الجملة لذلك سننظر في المعجم الذي استعمله كريم معتوق في رواية حدث في اسطنبول مع العلم أن البحث في المعجم الخاص بالرواية ضمن مبحث خاص يكاد يكون معدوما، وهذا له علاقة بقلة الدراسات التي تبحث في خصائص اللغة في الكتابة الروائية رغم أهميتها.

من المتفق عليه ان الدراسات النقدية الحديثة تكاد تجمع على أن معجم الشعر هو معجم الذات والمشاعر في حين أن معجم الرواية هو معجم الموضوع المرجع والواقع ومن هذا المنطلق سنبرز المعجم الذي استخدمه كريم معتوق في روايته وما خصائصه.

مع التذكير بأنّ النقد الحديث في مباحثه في شعرية الشعر أو شعرية الرواية يربط بين البحث في شعرية اللفظ وشعرية التركيب وشعرية الصورة، ومن هذا المنطلق فالنظر لهذه الظاهرة يندرج ضمن هذا السياق ما ينهض بالوظيفة الجمالية والانفعالية.

نستدل ببعض العبارات لنلاحظ تواتر ظاهرة التكرار اللفظي

حيث يرى بقلبه نيفرا وليلى وبوحسن ويرى ويرى.

إنّ زيارة كهذه لابد أن تكون واجبة، وتبقى دون هؤلاء نيفرا فإنّه يرى ملامحها بالعابرين ويفرح لرؤيتها و كأنّه يراها للمرة الأولى.

كان يحمل في محفظته صورة، أخرجها الآن بعدما هجرها أيّام عدّة وانشغل عنها، حاول الابتسام لها فلم يستطع، فوعدها أنّه سيحاول في الأيام القادمة أخذ يقلب أوراق دفتره الصغير الممتلئ ويقرأ ما كتبه في الأيّام التي مرّت عليه في اسطنبول منذ أن ركب الطائرة قبل أيّام.

وما إن تجاوز مرزوق مكاتب المطار وبدأت مواجهته مع النّاس ابتداء من سائق سيارة الأجرة حتى بدأ يدرك شعور المليونير، ولكن هذه الكلمة بلا قيمة في القاموس التركي، فأنت تتحدث بالملايين من الليرات التي لا تكون أفعالها بهمة أقوالها، لذلك يسمي الأتراك الغني باشا، حتى المرة الأولى التي شعر فيها بأنه مليونير لم يجد فيها متعة، غير المتعة اللفظية، وليست المتعة التي تمنى أن يلتقي بها من باب الفضول، إنّه فضول كبير يصعب تحقيقه، فمن امتلك زادت موارده بسرعة كبيرة، لهذا يسمى المصريون المليون الأرنب.

في الرسالة التي تركها لنيفرا عند رحيله عائدا من اسطنبول :

... وأعترف بأنّه لم يكن يثيرني منظر الغابة ولم أحبّه حتى رأيت عينيك فحاصرني اللون الأخضر، حتى بدأت لا أميل إلاّ إلى الألبسة الخضراء، والأطعمة الخضراء والغابات الخضراء...

تكرار الجملة: في الرسالة التي وجّهها لليلى عند مغادرته إسطنبول

إنّ ركام اسطنبول يدفعني إلى الرحيل، ولكنّ ركام اسطنبول أقوى، ولكنّ ركام اسطنبول أقوى من رغبتي، ولكن ركام اسطنبول مازال أقوى فلا بدّ من الرحيل.

يراوح كريم معتوق بين لغة المرجع والواقع ولغة الوجدان والبوح والمشاعر والانفعالات فهو يرسم الواقع جامعا بين الوصف الموضوعي المجرد وبين الانفعالية والتعبيرية، مفردات ذات إشعاع شعري وتأثير في القارئ تربط بين ذات الشاعر وذات المتقبل وتحكي حكاية حب الشاعر التي هي حكاية حب كل إنسان

إن لغة السّرد القصصي أو الروائي لغة ذات وظيفة إخبارية تنزع إلى تحديد الأشياء، وتسمية الموجودات بأسمائها، باعتبار أن غايتها قصّ الأحداث والإخبار عنها والتبليغ، لذلك تتّسم لغة السّرد الروائي بالوضوح والتصريح والتقرير، في حين أن لغة الشعر تبعد عن التسمية والتحديد وتتعالى عن الإخبار بطبيعتها الإيحائية، إذ ليس لها من وظيفة سوى الإحالة على ذاتها. وهذا لا يتم ما لم يتجه الشاعر إلى جملة من الصور البلاغية والأساليب المجازية ليجعل لغته لغة الجمال والتأثير.

ورواية كريم معتوق لا تخلو من بعض الصور البلاغية والصياغات المجازية إلا أنها تأتي عفوية من دون قصد أو تكلّف:

كانت الطائرة تمضغ خمس ساعات حتى تخرج إطاراتها من مخابئها وتحتضن الأرض.

فملامح وجهه التي تجاوزت الستين تسحب مرزوقا إلى سفوح الشفقة، وتشتل في قلبه شجر الرغبة في مساعدته.

هذه خميرة من الأحاديث والمفاهيم عجنت عقلية مرزوق.

كيف كانت مدينة هايدل تفتح عينيها صباحا على نسمات النهر.

واسعة مرايا القلب/فاختلطي بماء الروح/تتنبّه الكروم على الشفاه

وببحرين من الليل وبحر من شجر.

أرضعتني عطش السنين فكنت آخر من يرد رضابها عنّي.

لا تعر وجها توضّأ بالمحن أقتات من شوقي على بعد اليمن.

شعرية التركيب: الإيقاع غير مرتبط بالوزن وهو يوجد في الشعر كما يوجد في النثر، إنّ أكثر مظاهر الإيقاع حضورا في رواية: حدث في اسطنبول ظاهرة التكرار وترديد بعض الجمل في الرواية مثل عبارة:

في بيروت كلّ شيء يسير عكس عقارب الساعة.

ومثال على ترديد صيغة واحدة في وصف مرزوق عيني نيفرا:

كلتاهما تريح من ينظر إليها، وكلتاهما حين تنطفئ الأضواء تنام، وكلتاهما تكون أكثر سوادا من الليل حين تظلم الدنيا.

ومن ظاهرة التقديم والتأخير:

من الهدايا الكثيرة هناك ساعة كبيرة.

ظاهرة التفكك التركيبي تكسب السرد درجة من درجات الشعرية والمتأمل في مقاطع الرواية يلاحظ أنّ الكاتب سلك مسلكين الأول اتبع فيه منطق القص المتسلسل المنطقي اعتمادا على الاستذكار لبعض الأحداث التي ليس لها ترتيب، والثاني نحا فيه سبيل التقطع بين الجمل وخاصة في الخطاب الشعري بالبعد عن التسلسل وذلك نعلّله كون الكاتب هو شاعر بالدرجة الأولى قبل أن يكون روائيا لقد خضع لمنطق الشعر وتوارد الخواطر لا لمنطق بنية الرواية.

توسّل كريم معتوق بعديد القصائد لإشاعة المناخ الشعري في الرواية واستدعى القصيدة على لسانه أو على لسان حبيبته أو على لسان أصدقائه للقول الشعري، والشخصية الرئيسة في الرواية الشّاعر مرزوق لا يفارقه دفتره الصغير الأحمر لكتابة الشعر، يستحضره في كلّ المواقف بشكل مكثّف ويجد فيه تعبيراً عن ذاته وعن الواقع الذي يعيشه ووصف العالم البشري والطبيعي من حوله، ونقد وضع الإنسان العربي وحالة الأمة العربية عامة والتعليق على المواقف والتصرفات.

وشعره يحمل مضمونا فكريا وبعدا سياسيا، خاصة قصيدته: التي مطلعها أسلمت أوروبا لأوروبا فهو شاعرٌ ويستحضر ثقافة أدبية شعرية فالمقاطع الشعرية في الرواية تنهض ببناء نسيج الحكاية وتمثّل خيطاً منصهرا في نسيجها، واستدعاء كريم معتوق للشعر يدعم شعرية الرواية ويرفع درجة الغنائية فيها إلى حدّ الإحساس بأنّنا في حضرة الشعر لا في حضرة الرواية.

التذكر والحنين والبكاء على الحبيبة وموضوع الحب والغزل إضفاء الشعرية في الرواية وكسر رتابة السرد:

إن قلت إني نسيتك فاضحكي

أو قلت إني ما عشقتك فاضحكي

الغزل والتغني بحب المرأة:

ومررت حول البيت لا حباً

بألوان الجدار

بل ربما كي تسألي

من الذي جاء بك الآن؟

الوقوف على ديار الحبيبة والتواصل مع السنة التقليدية

للشمس صوت في النهار

فلتسألي عنه المساء

وصل تأبطه اعتذار

ما عاد يغريه اللقاء

علاقة الإنسان بالطبيعة والتماهي مع الطبيعة:

لم تزل قربي وإن كانت بعيداً راحلة

لم تزل فرشاتها والعطر

مازال ورود المغسلة وشظايا صور مستبسلة

كلما حدقت تدعونا إلى أن أكتب شيئا

التذكر والوفاء والحنين إلى الماضى والوفاء للزوجة:

الساعة في يده اليمنى

تخفي أحزانا أصغرها

أكبر من أكبر مأساة

كبلاد ضيع آخرها

حزن الإنسان على فشله في الحب توكيد على حضور الأنا الغنائيّ:

تمشي على وجهي خطوط الأمس

تقرأ في عيون العابرين وأنتقي

صور العذاب

التعبير عن الحزن وعمق الأسى بفقدان الحبيب والشكوى وكسر رتابة السرد وتكثيف الشعرية:

تتباهى هذه الليلة

في نصف قمر

وببحرين من الليل

وبحر من شجر

وبنورين

بياض الخد في الوجه

ومن نصف قمر

اللقاء بين الحبيب والحبيبة والتلهف لرؤيتها وهذه القصيدة على لسان نيفرا لتوسيع دائرة الشعر وأفقها:

ها هو المقهى

صباح الخير

فنجان من القهوة

أحلى ما يكون

وصف المكان وحميميته:

وهدى تقول إنني من العصر القديم

فلن أكون

يوما وحيد جمالها

وتظن بي كل الظنون

العلاقة الوجدانية بين الرجل والمرأة وعلى لسان سلامة الجفالي توسيع دائرة الشعرية:

الأرض ضيقة

وواسعة مرايا القلب

فاختلطي بماء الروح

تتنبه الكروم على الشفاه