ولد إسماعيل بن عباد سنة 326ه في بلد يسمى الطالقان، يقع بين قزوين وأبهر، وقد تحدر من بيت معروف بالعلم والفضل، وابن عباد أحد المتفوقين في العلوم كافة في عصره، وكانت الطالقان من البلدان المشهورة بالأدباء والعلماء، وهذا ما هيأ للشاب النابه اسماعيل بن عباد أن ينشأ في المغرس الطيب بين أهله وأهل بلده من العلماء الطيبين.

وعندما وجد من نفسه تمكناً في الآداب والعلوم، قصد الوزير ابن العميد، ودخل في خدمته وكتب له بعد أن تدرب على يديه، ثم ترقت به الحال فكتب لمؤيد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، ثم سرعان ما استوزره بعد وفاة أبيه ركن الدولة ولقبه بالصاحب، وبوفاة مؤيد الدولة البويهي أقره أخوه فخر الدولة البويهي في منصبه، وظل في خدمته تقدم كلمته على كلمة فخر الدولة، إكباراً له وتعظيماً لأدبه، إلى أن أدركه أجله في 24 صفر سنة 385 ه وفي بغية الوعاة للسيوطي: ولي الصاحب الوزارة ثماني عشرة سنة وشهراً لمؤيد الدولة بن ركن الدولة بن بويه وأخيه فخر الدولة، وهو أول من سمي الصاحب من الوزراء، لأنه صحب مؤيد الدولة من الصبا، وسماه الصاحب، فغلب عليه هذا اللقب، ولم يعظم وزيراً مخدومُه، ما عظم فخر الدولة.

مكانة مرموقة

أخذ الصاحب بن عباد علمه وأدبه عن ابن فارس وابن العميد، كما تأثر بأبيه عباد بن عباس وأخذ عنه علمه الغزير، وجلس للإملاء والحديث، فكان أن نال ثقة المتعلمين والمتأدبين، فازدحم الناس على حلقته، وكان له أكثر من ستة من المستملين، ودعاه نوح بن منصور ملك خراسان سراً ليلقي إليه مقاليد مملكته ويعتمده لوزارته ويحكمه في ثمرات بلاده، فاعتذر الصاحب إليه لأن نقل كتبه الخاصة يحتاج إلى أربعمائة جمل. وهذا الخبر عن الصاحب يؤكد مرتبته العلمية التي قطعها كما يشير إلى أمانته لصاحبه وحسن معاملته له، معترفاً بجميل مؤيد الدولة البويهي عليه، ومفضلاً صحبة على صحبته سائر ملوك عصره.

ويذكر الثعالبي أسماء الشعراء والكتاب والخطباء، الذين قدموا على الصاحب أو كاتبوه مثل: أبي الحسن السلامي وأبي بكر الخوارزمي وأبي الطالب المأموني وأبي الحسن البديهي وأبي سعيد الرستمي وأبي القاسم الزعفراني وأبي العباس الضبي، غير أن عدد الذين اتصلوا بالصاحب من مشاهير الرجال الذين أثروا في عصرهم وفي العصور التي تعاقبت كان قد ناف عن المائة، وهذا يدل على مكانة الصاحب المرموقة على الصعيد الأدبي والاجتماعي.

وأولع الصاحب بن عباد بأسلوب حاشيته في الكتابة، بالإغراب وكلف بالظهور على معاصريه من الكتاب والشعراء، وجرت له مع قاصديه من أرباب الحاجات، نكت سارت مسير الأمثال، فقد ذكروا أن بعض أصحابه كتب إليه رقعة في حاجة، فوقع فيها، فعرضها على أبى العباس الضبي، فمازال يتصفحها حتى عثر بالتوقيع، وهو ألف واحدة، وكان في الرقعة: فإن رأى مولانا أن ينعم بكذا فعل فأثبت الصاحب أمام فعل ألفا، يعني أفعل. كذلك كتب بعض العمال رقعة إليه في التماس شغل، وفي الرقعة: إن رأى مولانا أن يأمر بإشغالي ببعض أشغاله، فوقع تحتها: من كتب إشغالي لا يصلح لأشغالي، ورفع الضاربون من دار الضرب قصة إلى الصاحب في ظلامة لهم فوقع تحتها في حديد بارد.

رسالة طبية

ووصل بالصاحب الإغراب في أسلوب الكتابة حداً بعيداً، فكان يرد المعاني التي لم يألفها الناس منه، مثل الكتابة في الطب والحكمة، وقد أشار الثعالبي إلى شيء من ذلك حين وقع على رسالة للصاحب تجمع إلى ملاحة البلاغة ورشاقة العبارة، حسن التصرف في لطائف الطب وخصائصه، وتدل على التبحر في علمه وقوة المعرفة بدقائقه. نستمع إليه يقول في رسالة الى صديق يشكو من علة: قد عرفت ما شرحه مولاي من أمره، وأنبأ عنه من أحوال جسمه، فدلتني جملته على بقايا في البدن يحتاج معها إلى الصبر على التنقية، والرفق بالتصفية، فأما الذي يشكوه من ضعف معدته، وقلة شهوته فلأمرين: أحدهما أن الجسم كما قلت آنفاً لم ينق فتنتفق الشهوة الصادقة، وترجع العادة السابقة، والآخر أن المعدة إذا دامت عليها المطفيات، ولزت بها المبردات، قلّت الشهوة وضعف الهضم، ومع ذلك فلابد مما يطفي ويغذي، ثم يمكن من بعد أن يتدارك ضعف المعدة بما يقوى منها، ويزيل العارض المكتسب عنها، والأقراص في آخر الحميات خير ما نقيت به المعدة، واصلحت به العروق، وقوي به الطحال، ليتمكن من جذب العكر، لاسيما والذي وجده مولاي، ليس الذنب فيه للحميات التي وجدها، والبلدة التي وردها، فلو صادف الهواء المتغير جسداً نقياً من الفضول لما أثر هذا التأثير، ولا طول هذا التطويل... الخ.. وهذه الرسالة الطبية، إنما تدل على ان الكتابة في المعاني الطبية لدى الصاحب بن عباد، لم تكن بعيدة التناول عنه، كما ظن بعضهم، بل كانت من القوة، بحيث أتيح له أن يؤثر في الخوارزمي الطبيب ويتأثر به، وينتج عن هذه العملية في التأثر والتأثير، لون من الكتابة الطبية الغنية بها تحتاج إليه لغة النثر الفني الجميل.

نقد المتنبي

إلى جانب الرسائل الطبية، اشتهر الصاحب بن عباد، بالرسائل النقدية، ولا غرو، فقد كان شديد الرغبة في استبعاد الكتاب والشعراء، وقد نال من ذلك مبتغاه أكثر الأحيان، غير أن المتنبي استعصى عليه، وقد ترفع عن مدحه ولم يلج باب سلطانه، ولهذا عمل الصاحب على تأليب الكتاب والنقاد ضده. ويعتقد بعض الباحثين ان الحملات النقدية على المتنبي، في زمن الصاحب، إنما كانت بتحريض منه ومن الوزير المهلبي، وقد ترك الصاحب بن عباد لنا رسالة نقدية، تعقب فيها المتنبي وجاء ذلك في سياق الاجابة عن سؤال أحد المتأدبين الذي سأله عن المتنبي، فأجاب الصاحب: إنه بعيد المرمى في شعره، كثير الاصابة في نظمه، إلا أنه ربما يأتي بالفقرة الغراء، مشفوعة بالكلمة العوراء. فهاج محادثه وانزعج، وادعى ان شعر المتنبي مُمّر النظام، متناسب الاقسام. ولم يرض حتى تحداه فقال: إن كان الأمر كما زعمت، فأثبت في ورقة ما تنكره، وقيد بالخطبة ما تذكره، لتتصفحه العيون وتسبكه العقول.

قال الصاحب: ففعلت، وان لم يكن تطلب العثرات من شيمتي، ولا تتبع الزلات من طريقتي، وقد قيل: أي عالم لا يهفو؟ وأي صارم لا ينبو؟ وأي جواد لا يكبو؟ وانما فعلت ما فعلت لعملا يقدر هذا المعترض أني ممن يروي قبل ان يروّى، ويخبر قبل ان يخبرّ. فأسمع وأنصت، وأعدل وأنصف، فما اوردت فيه إلا قليلاً، ولا ذكرت من عظيم عيوبه إلا يسيراً، وقد بلينا بزمن يكاد المنسم فيه يعلو الغارب، ومنينا بأعيار اغمار اغتروا بممادح الجهال، لا يضرعون لمن حلب الأدب افاويقه، والعلم اشطره، لا سيما على الشعر، فهو فويق الثريا وهم دون الثرى، وقد يوهمون أنهم يعرفون، فإذا حكوا رأيت بهائم مرسنة، وأنعاماً مجفلة.

والواقع ان الصاحب بن عباد، كان شديد القسوة على المتنبي، في رسالته التي نقده بها، فكان يتجاوز نقد الأبيات الى نقد الحروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب المعنى، حتى يطالب بتخير القافية والوزن، يقول في نقد مرثية أم سيف الدولة: ولقد مررت على مرثية له في أم سيف الدولة تدل مع فساد الحس على سوء أدب النفس، فيعيب عليه لفظه اسبطر، لأن الاسبطرار في مراثي النساء، من الخذلان الصفيق الدقيق. ويقول أخيراً: إن المصيبة في الراثي، اعظم منه في المرثي، ونحن نجد شيئاً من رسائله في زهر الآداب ونهاية الأرب ويتيمة الدهر ومعجم الأدباء، تعوضنا ضياع رسائله الكثيرة.