يعتنى الطب النفسى بمجموعة المشاعر الداخلية والخبرات التي تؤثر في سلوك الإنسان، ولذلك تبدأ أهميته من مرحلة الطفولة التي تنمو فيها الشخصية السوية، والتمييز بين الاضطراب العاطفي الذي يعاني منه الأطفال والأمراض النفسية، أو من يعيشون في ظروف اجتماعية عادية ولكن يواجهون مستويات من الإهمال التربوي و النفسي، ولذلك علينا إدراك أهمية الطب النفسى وضرورة التعاون بين الوالدين والطبيب في خلق جيل يتمتع بصحة نفسية جيدة. يؤكد الدكتور جاشو جورج مختص الطب النفسي، أن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن الصحة هي حالة من اكتمال السلامة بدنيا وعقلياً في محيطنا الاجتماعي فهي ليست مجرد غياب المرض أو العجز، ويوضح ذلك المفهوم أهمية الصحة النفسية للعيش الآمن والبقاء بصحة جيدة.
تعد مرحلة الطفولة من أخطر المراحل الإنمائية في تكوين الشخصية الإنسانية، ولا يقتصر خطرها على أنها المرحلة التي توضع فيها بذور اضطرابات الشخصية المختلفة، بل إنها أيضاً المرحلة التي توضع فيها أسس الشخصية السليمة بأبعادها ومكوناتها المختلفة، إذ إن ما يكتسبه الفرد في هذه المرحلة من عادات واتجاهات وقيم عبر تنشئته وتربيته، إنما يميل إلى الثبات النسبي ويصعب تغييره فيما بعد، ويدل على ذلك ما أكدته البحوث والدراسات التتبعية للأطفال، والدراسات الإكلينيكية والتحليل النفسي للكبار، والدراسات الأنثروبولوجية لكثير من الشعوب والقبائل البدائية.
وباستمرار الأنشطة الرامية إلى تعزيز دور الصحة النفسية في المجتمعات الدولية برزت اتجاهات دولية نحو الاهتمام المكرس للصحة النفسية للأطفال والمراهقين، بعد أن كانت مقتصرة على الكبار، حيث أن تربية الأطفال تعد واحدة من أصعب وأهم ما يقوم به الوالدان والمؤسسات الاجتماعية الأخرى كالعائلة الكبيرة والمدرسة والنوادي وغيرها، ولا تقل هذه المهمة عن الحفاظ على الصحة الجسدية أو البدنية وكذلك التنمية الاجتماعية والمعرفية، ويعتمد ذلك على حيوية الوالدين وديناميات الأسرة والمدرسة، كما أدى ارتفاع حالات المشاكل السلوكية لدى الأطفال إلى معاناة الأسر من الضغوط المتزايدة التي تواجهها لجنوح أطفالهم عن السلوك القويم وهناك خمسة أنماط من سلوكيات الوالدين تجاه أطفالهم وهي:-
• القوامة، وفيها يمارس الأبوان المهمة الطبيعية والواقعية تجاه أطفالهم ويكونان النموذج والقدوة الصالحة لهم في كل تصرفاتهم وأقوالهم.
• التساهل، وفي هذا النمط يقوم الوالدان بواجبهما ولكن من دون إصرار وحرص كامل على أن يكونا النموذج المثالي لأطفالهم.
• الإهمال، وهنا يهمل الأبوان واجبهما تجاه أطفالهم وينتج عن هذا النمط آثار خطيرة على صحة الأطفال النفسية.
• التسلط، وفي هذا النمط يمارس الأبوان أو أحدهما القوة الجبرية لإرغام الطفل على سلوك معين دون التواصل الفعال معهم لشرح ما يطلبان منهم أو كيفية القيام به ويستخدمان العقوبات المعنوية والمادية لحث الأطفال على الانصياع لهم.
• عدم المشاركة، وكما يوحي المعنى ففيه لا يشارك الوالدان أطفالهم اهتماماتهم وأنشطتهم بما يعزز حالات الإحباط لديهم.
النموذج والقدوة
وأكد د. جاشو على ضرورة أن يكون الأبوين قدوة ونموذجاً صالحاً لأطفالهم وأن يخصصوا وقتاً للجلوس والتحدث إليهم يومياً وأن يتواصلوا بإيجابية ويناقشوا، ويطرحوا أفكارهم ويعرضوا اهتماماتهم وحتى ألعابهم ويشاركونهم فيها، ولا ننسى مكافأتهم والإشادة بهم والثناء عليهم كلما حانت الفرصة لذلك بما يعزز الاحترام المتبادل واحترام الطفل لشخصيته والثقة بها، فعلى الوالدين التحلي بالمرونة والحب لأطفالهم دون شروط ومعرفة الاحتياجات الخاصة بهم، والحفاظ على الاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة الكبير فيها والصغير.
وأوضحت الدكتورة حنان حسين أخصائية طب نفس الأطفال والمراهقين، أن طب نفس الأطفال أحد فروع الطب النفسي المختصة بعلاج الأمراض النفسية التي ربما تصيب الأطفال والمراهقين حتى سن 18 سنة، وهو كأحد فروع الطب النفسي عموماً يهتم بالاضطرابات التي تطرأ على التفكير أو المزاج أو السلوك مثل اضطرابات القلق والاكتئاب والوسواس القهري والأمراض الفصامية وأيضاً بالاضطرابات النمائية للأطفال مثل اضطراب التوحد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والاضطرابات النفسية المصاحبة لصعوبات التعلم، ويتلقى الطبيب النفسي المتخصص دراسة وتدريباً أضافياً وخلالها يتطلع على كل النظريات التي وضعت من قبل علماء النفس و علماء التربية عن مراحل التطور المختلفة للطفل الطبيعي، ويتمكن من تشخيص هذه الحالات وعلاجها.
مرحلة الطفولة
أما عن أهمية الطب النفسي للأطفال فيجب أن ندرك أن مرحلة الطفولة هي مرحلة حساسة في حياه المرء إذ يكون شديد التأثر ببيئته في المنزل و المدرسة و النادي، وفي حال تعرض الطفل لمؤثرات سلبية قد يصاب باضطرابات مزاجية أو سلوكية أكثر من غيره من الأفراد البالغين، ولكونه ما زال طفلاً فهو بطبيعة الحال غير قادر على التعبير عن ما يعانيه وربما لا يلاحظ الأهل مؤشرات إصابته باضطراب نفسي إلا متأخراً.
وهنا يأتي دور الطبيب النفسي منذ البداية إذ أنه يتوقع ويحذر من احتمالية إصابة الطفل باضطرابات عندما يكتشف أن بيئة الطفل غير صالحه و يعمل مع الأهل على تغيير الأوضاع بما يساعد على منع حدوث المرض وهو ما يعرف بالطب النفسي الوقائي، كذلك يكون الطبيب النفسي للأطفال والمراهقين أقدر على مناظرة الأطفال واكتشاف الأعراض المرضية و من ثم التشخيص المبكر للأمراض مما يسمح بالعلاج قبل حدوث مضاعفات أو تبعات سلبية على الطفل والأسرة قد يتعذر إصلاحها فيما بعد وهو الطب النفسي العلاجي. و في أسوأ الأحوال حين ينتج عن الاضطراب النفسي آثار مزمنة يستطيع الطبيب مع فريق العمل أن يضع برنامج تأهيلي لهؤلاء الأطفال ويعرف بالطب النفسي التأهيلي.
أساليب العلاج
وبالحديث عن أساليب العلاج المختلفة للمرضى من الأطفال فيجب أن نعرف العلاج الدوائي هو فقط الحل كما يعتقد البعض، وفي الواقع نحن نلجأ للعقاقير في الحالات الشديدة أو في الحالات التي تثبت الأبحاث قلة جدوى الأساليب العلاجية الأخرى، وبالقطع فإن تلك العقاقير تكون حاصلة على تصريحات المنظمات الصحية المختلفة بعد الخضوع لسلسلة طويلة من الأبحاث التي في العادة تستغرق سنوات، و من العقاقير المستخدمة كثيرا في الأطفال العقاقير المنبهة والتي تستخدم في حالات فرط الحركة ونقص الانتباه وكذلك حاصرات عود التقاط السيروتونين والتي تستخدم في حالات الوسواس القهري والقلق والاكتئاب ولكن لا يجوز الاستمرار على هذه العقاقير دون المتابعة المنتظمة مع الطبيب المعالج حتى لا تحدث مضاعفات.
وأشارت د. حنان إلى أن هناك أساليب عديدة من المعالجة النفسية يعتمد اعتماداً أساسياً على أمر بناء الصلة مع المريض في مقدمتها إتاحة الفرصة لاكتشاف جذور المشكلات النفسية و إيجاد الحافز للتغيير. و من أمثلة أساليب العلاج المتبعة «المعالجة العائلية» وتكاد تكون أساس علاج اضطرابات القلق و المزاج الناجمة عن اضطراب المناخ الأسري، وهناك أيضاً «المعالجة الجماعية» وتفيد بصورة خاصة الأطفال الذين يعانون ضعف تطور مهاراتهم الاجتماعي، أما عن العلاج السلوكي المعرفي فهو هام جدا وأساسي في اضطرابات القلق والاكتئاب والوسواس القهري و لكنه يحتاج إلى أن يكون الطفل على مستوى جيد من الإدراك والوعي ولذا يفضل للأطفال الأكبر سناً والمراهقين، أما في حالة صغار السن من الأطفال فيكون «تحليل السلوك التطبيقي» و«تعديل السلوك» مناسباً وفيه تستخدم أساليب التعزيز (إيجابي وسلبي) والعقاب (إيجابي وسلبي) والإخماد والتشكيل والذبول والتسلسل.
الشخصية السوية
وللطب النفسى دورمهم في بناء الشخصية السوية والحفاظ على الصحة النفسية للأطفال وهو دور مجتمعي يترتب على الطبيب أن يضطلع به، و في هذا الشأن يقوم الطبيب النفسي بإرشاد الأبوين إلى أفضل الأنشطة الجماعية والفردية التي تتناسب مع مرحلة الطفل العمرية بما يراعي إمكاناته ومواهبه الخاصة، ما يدعم التفوق والإبداع والثقة بالنفس وما ينمي مهاراته الاجتماعية وقدراته على مواجهة وحل المشكلات، ويتعلم الأبوان أساليب التواصل الفعال مع أبنائهم وأفضل النماذج التربوية التي تدعم شخصية الطفل وتوفر القدر المناسب من الأشراف والحماية في الوقت ذاته، وكذلك يقوم الطبيب النفسي بتقديم التوصيات إلى الجهات التعليمية بهدف جعل العملية التعليمية للطفل وسيلة لدعمه وتنمية قدراته وليست مصدر ضغط وإرهاب نفسي، ما يعزز الثقة في النفس ويحفز على بذل المجهود وإتقان العمل كونهما الطريق الأفضل لتحقيق النتائج المرجوة، ويقدم الطبيب النفسي النصح إلى الأطفال بشكل مباشر ويساعدهم على فهم ما يدور حولهم من أحداث ويمنحهم التدريب والثقة في اتخاذ قرارات يومية بأنفسهم وأقامه علاقات صحية مع الأهل والأصدقاء.
ولكي يستطيع الطبيب القيام بهذه المهمة يكون عليه الارتكاز على ما أثبتته الأبحاث السابقة عن مراحل نمو الطفل المختلفة ومحطاتها سواء النمو الحركي أو اللغوي أو الإدراكي و المعرفي أو الاجتماعي وتأثير البيئة المحيطة على نمو الطفل في هذه المناحي، ويجب عليه أيضا أن يكون مدركاً للتغيير في الثقافات ولما يشغل الأطفال في مراحل النمو المختلفة وعبر الأزمنة والأمكنة المختلفة. وقدمت د.حنان للأبوين نصائح بضرورة مراقبة أبنائهم وملاحظة أي تغيير قد يطرأ على الطفل، كأن يفقد الشهية للأكل أو يضطرب نومه أو يبدأ في الانعزال عن الأهل أو العزوف عن الأصدقاء أو أن تكثر الشكاوى الجسمانية مثل الصداع والآم البطن أو أن يصبح مزاجه عسر وعصبي أو كثير البكاء، وإذا لاحظ الأبوان أيا من هذه التغيرات عليهم استشارة الطبيب النفسي المختص، ولا يتوقعوا أن يأتي الطفل بنفسه قائلاً إنني بحاجة إلى زيارة الطبيب.
الإشارات السلوكية
من المشاكل السلوكية الشائعة عند الطفل نوبات الغضب، والتأتأة وصعوبة النطق، التوحد، واضطرابات السلوك وصعوبات التعلم، وتعد تلك المشاكل المشتركة في مرحلة الطفولة المبكرة، حسب ما ذكر الدكتور جاشو، بينما هناك بعض الإشارات التحذيرية السلوكية للمراهقين وهذه يجب الانتباه إليها ومعالجتها سريعاً، مثل الاكتئاب، اضطرابات القلق، حدوث تغيرات المزاج، الاضطرابات الناجمة عن تعاطي المخدرات الخوف الشديد، والتغييرات الجذرية في الشخصية، وصعوبة التركيز، اضطرابات الأكل، فقدان الوزن، وإيذاء النفس.