الصحراء هي الاستثناء في تاريخ الشعر عند العرب . .
فهي بكل تجلياتها التأملية التي تحيل على الموروث الإبداعي، صاحبة الفضل على ديوان العرب، هي البيئة المُؤثرة، وهي المادة الشعرية الطافحة بتفاصيل البيئة التي لا تقتصر على كونها معاشة بقدر ما هي غواية تشكل أسلوباً جوهرياً في الخلق والابتكار، ومحفزاً على اختراق المكان بالتجذر فيه .
ولأن العلاقة بين القصيدة والمكان على قدر حيوي من الانسجام، فإن المكان هو ذات القصيدة العليا، وبين تفاعل الذات مع كائنها، ينشأ ذاك البعد الحميمي بين لحم اللغة وروحها، ليصبح المحسوس في التعبير هو ما يشف ولا يصف ضمن كينونة المعنى .
المكان هو السياق المُجغرف للدلالة في تركيبة النص .
هو إطار خرائطي للتيه في ملكوت اللغة .
تناص حركي يدرب الشاعر على المشي في حقل من فخاخ الذاكرة .
تمازج يوشج أواصر الكتابة بالبيت الشعري على اعتباره أول هيكل مكاني للقصيدة .
انعطافة مخاتلة نحو المخيلة في لوحة مجازية لقلاع من الرمل تراكمت كالظلال على حواف الأصابع، وهي تحفر بدم القلم وجه الخيمة على دفتر الصحراء .
كل هذا يوقظ التاريخ من سبات الظل، ولا يتبقى من اللوحة سوى صوت القصيدة الذي يعلو ولايُعلى عليه .
أن تعيش كشاعر بين صحراءين، الأولى: صحراء من الإسفلت والضباب والمطر، والثانية: صحراء من الكثبان الرملية، وبيوت الشعر وربابة القمر، فهذا يعني أن هنالك خللاً ما في المجاز!
لن تسعف الحقيقة أولئك الغرباء من معشر الشعراء الصعاليك، الذين يحزمون حقائب اللغة، ليولوا وجوههم شطر المنفى، لأن اكتشاف المكان يبدأ من الحرف الأول للأبجدية: الصحراء العربية .
لم نكن بحاجة لاكتشاف قصائد تتسربل من بين يدي الطلل، حين يجن جنون القوافل في رحلة البحث عن غيمة انهمرت من عين ماء، كل ما كنا نحتاجه هو القبض على جمرة الفكرة كي نبقي بيوت الشعر في مأمن من مناف تسف الغبار على وجه القصيدة . كان علينا أن نتعلم معنى الاغتراب عن القصيدة قبل أن نستغرق باجترار مصطلحات النفي والتغريبات عن المكان، خارج مدار الشعرية .
كان علينا أن نهم بالتاريخ حتى لو اضطررنا لأن نقُدّ قميص القصيدة من دُبر، ونحن نقتفي آثار الرمل على نعل الحنين في رحلة البحث عن جغرافية الغواية .
أن تعيش في مدينة صعاليكها ليسوا شعراءها، فهذا يعني أن الخرائب لا تنتهي في أرض القبور، قد يتحول الشاعر العربي هناك إلى متسول يبحث عن عباءة عربية راجفة على فخار من طين سري .
عن برقع يفقأ عيني الليل بكحل القمر .
عن فرس يعن على بالها الرقص في الهزيع الأخير من الصهيل .
هل لمنفى بلا صعاليك، أن يدلك على ذات بلا كائن .
الحداؤون هناك بلا نوق، والأشرعة بلا إبل .
ما الذي يشدك إلى هذه الصحراء بعد عمر من غربة باردة، أنت ابن المنافي المدللة، والغيم المبلل بشفة المطر؟!
إن كنت شاعراً عربياً، تعال إلى هنا، إلى النشأة الأولى للقصيدة: إلى الصحراء .
الصحراء لغة: فضاء ممتد واسع، وبالرغم من كل بيدائيتها فهي فضاء تأملي، يستدرج كل مكنونات الألم والإحساس بأحزان المكان التي تنعكس جلية في فقره وامتداده الفسيح على الغموض والرمزية .
هذه بيداء الأعشى وامرئ القيس القفر، وهذه هي تماماً بيداء المتنبي التي تقف دون الأحبة، الصحراء كحالة إبداعية تحمل مفارقة وجودية بكونها مكاناً للاستقرار رغم أنها سمة البداوة القائمة على الترحال، الصحراء سكنى كما يراها الحطيئة، حتى وإن كانت مساحاتها هي الفراغ، وضجيج صمتها معلق على جرس العاصفة، هذه التيهاء عند ذي الرمة التي يحار بها القطا، هي ذاتها البوصلة، وحتى لو رأى فيها الأعشى بهماء موحشة .
فغوايتها وفتنتها في وحشتها . . فأنت (تسمع تزقاء من البوم حولنا كما ضربت بعد الهدوء النواقس) .
القصيدة العربية ابنة صحرائها أولاً، إيحائية جمالية مستلهمة من حكايا التاريخ والدين . . وتصوير الصحراء ووصف طقوسها هاجس إبداعي رافق العديد من الشعراء، وعلى رأسهم شاعر الناقة طرفة بن العبد، وقد أرى ابن نواس أكبر المتعلقين بها، وإن كان يدعو لنبذ الوقوف بأطلالها، وهجران طقسها الطللي، وما هذا سوى دليل على الاستغراق بالتعلق بها وهو القائل:
لقد طال في رسم الديار بكائي
كأني مريغٌ في الديار طريدة
فلما بدا لي اليأس عديت ناقتي
وقد طال تردادي بها وعنائي
أراها امامي مرةً وورائي
عن الدار واستولى علي عزائي
يظل الشعر وفياً للصحراء، يظل ذاتها، وفارسها، في وقت غيرت القصيدة فيه جلدها العربي في شرقنا العصري، بقيت الصحراء أول وأخر القصائد وأجملها على الإطلاق . .
صحراء الإمارات التي تغلي بهذا المشهد التاريخي، تستعيد الذات بكائنها، من خلال ثورة ثقافية وشعرية ثرية تمتد فعالياتها على مدار العام كمهرجان دبي الدولي للشعر ومهرجان الشعر العربي في الشارقة، وبرنامج أمير الشعراء في أبوظبي، الاحتفاء باللغة، الكتاب، بالقصيدة، وتنظيم تظاهرات ثقافية متواصلة، انعكاس لحركة دؤوبة لا تهدأ من أجل تعزيز مكانة الصحراء وأثرها في ملكوت القصيدة لترتقي بالذائقة بما يتناسب مع تاريخها، حركة تعيد اكتشاف الصحراء بحلة شعرية عصرية لا تتنكر للتراث، بل تستند إليه للمضي قدما في ركب الحضارة .
هنا يصبح المكان هو التصور الحقيقي للكينونة على اعتباره الحيز الوجودي للغة، التحام الظلال في معبد الشمس، انسجام الرؤية في انفصام الزمن، تفاعل التنافر بين العناصر والتصورات والمظاهر .
الصحراء اللغة إذن هي مشروع الإمارات الثقافي الذي يؤكد على قيمة البيت الشعري، كركن من أركان الوجود في خريطة المكان .