يشتكي الكثيرون من غياب الصديق الحقيقي عن حياتهم، ومن صعوبة وجود مثل هذا الشخص، ولكل منهم رأي مختلف عن الآخر، فمنهم من ينفي وجود الصداقة ويعتبرها من المستحيلات، ومنهم من يعتبر نفسه محظوظاً لحصوله على الأصدقاء في حياته، والبعض يقول لابد أن تكون هناك قواعد في التعامل لنحتفظ بأصدقائنا ونتحاشى وقوع المشكلات التي تفرق بيننا وبينهم، ولكن الجميع أجمعوا على أن الصداقة حاجة أساسية للإنسان من الصعب أن يعيش محروماً منها .

محمد رداد يحدثنا عن رأيه بالصداقة وعن تجاربه قائلاً: الصداقة الحقيقية معناها أن يضحي الصديق من أجل صديقه، وهذا الصديق غير موجود للأسف، فالكل يسعى خلف المصالح، هناك الكثير من الصداقات الآنية التي تمر في حياتنا ولكنها للأسف من الصعب أن تتطور لتصبح حقيقية فهذه الفرصة نادرة، لأن هذه الصداقات تنتهي بانتهاء الإطار الذي يجمعها كالعمل أو الدراسة ربما، وهذا ما أقوله من خلال تجاربي الشخصية فأغلب الذين عرفتهم واعتبرتهم أصدقاء انقطعت العلاقة بيني وبينهم بمجرد تغييري للعمل، والصداقة الحقيقية غير موجودة بالمعنى الحرفي .

أمين كيالي يرى أن الصداقة الحقيقية موجودة بالفعل، ويقول : لدي صديقان لا أتخيل حياتي بدونهما، والصداقة شيء ضروري لكل إنسان لأن الحياة بدون وجود الأصدقاء صعبة ولا معنى لها، خصوصاً الأصدقاء الحقيقيين الذين نجدهم سنداً لنا عندما نحتاجهم، وحتى في الأيام العادية ليس للحياة بهجة بدون أصدقائي، أما بالنسبة للصداقات العابرة فهي عادية لا تحمل الكثير من المشاعر المشتركة، وأقصد هنا زملاء العمل أو الدراسة ربما، وأعتقد أنها ممتعة أيضاً لأنها مشاركة بأيام وذكريات جميلة ومسلية غالباً .

أما عمرو أبوزيد فيرى ان الصداقة التي يجدر بنا أن نتحدث عنها، باتت عملة نادرة في زمن طغت عليه المادة والمصالح الشخصية، ويضيف: أنا كفيل بنفسي ولست بحاجة لمن يفسد علي حياتي ولا للدخول في منعطفات قد تؤذيني، ليس لدي أصدقاء حقيقيون فقد خسرت الكثير من الأصدقاء وصدمت بأكثرهم للأسف، لست أنكر أن الانسان يحتاج للصداقة حتى لا يشعر بالوحدة، لكن الصداقة الحقيقة غير موجودة .

انتصار محمد لها رأي خاص حول كيفية الاحتفاظ بالأصدقاء، تقول: علينا أن نبقي على الحدود الفاصلة بيننا وبين الأصدقاء إذا كنا نرغب بالاحتفاظ بصداقتهم حقاً، وهذا ما تعلمته من عدة تجارب مررت بها، فهناك بعض الأصدقاء للأسف يستغلون تعلقنا بهم وحرصنا على مشاعرهم، فيستبيحون حياتنا ووقتنا، وتتحول الصداقة إلى عبء ثقيل نود ضمنياً أن نرتاح من حمله . كانت لدي صديقة مثلاً تتحلى بالكثير من الصفات الرائعة فهي طيبة القلب ومرحة ومعطاءة، وحنونة جداً، ولكن بالمقابل لديها بعض السلبيات التي لم أجد التعامل معها، فهي من النوع الذي يفهم أن الصديق يجب أن يكون ملازماً لصديقه على مدار الساعة وهذا كان يسعدني في البداية إذ كنا نقضي أوقاتاً ممتعة، لكني في ما بعد بدأت أشعر بالاختناق إذ ضاعت حدود خصوصيتي ولم أعد أشعر بالحرية بسببها، وهي أيضاً من النوع الذي لا يتقبل النقد ولا الصراحة، لهذا لم أكن قادرة على مصارحتها بأني بدأت أتضايق من ملازمتها لي طيلة الوقت وأني لا أرغب بخسارة صداقتها ولكن بأن تكون صداقتنا طبيعية ومتوازنة، وللأسف خسرتها في ما بعد مع أني أكن لها الكثير من الحب ولكن طاقتي على التحمل كانت نفدت، وكل هذا لأني كنت أجاملها منذ البداية واعتبرت أن الأصدقاء لا يجب أن تكون هناك حواجز بينهم .

حسام الشب لديه الكثير من الأصدقاء، ولكن ليس لديه صديق حقيقي، يقول: الصداقة الحقيقية معنى جميل نفتقده في حياتنا المعاصرة التي تتسم بالسرعة حتى في العلاقات بين البشر، أصدقائي كثر لكن في الأوقات الصعبة يتبخر الجميع، للأسف الصداقة هذه الأيام مبنية على المنفعة والمصالح المتبادلة ولست أدري إن كان الأمر كذلك منذ الأزل، الإنسان بحاجة لوجود الصديق الحقيقي في حياته لأسباب كثيرة، والعلاقة مع الصديق تتحلى بأريحية تفوق التي يشعر بها الشاب بعلاقته مع أهله مهما كانوا متفهمين، فالشاب عادة يميل للحديث مع أصدقائه عن حياته الخاصة وعن أسراره، والكل يفتقد الصديق الصدوق الذي يأمنه ويرتبط به أكثر من ارتباطه بأهله ربما، هذا الصديق الذي ألجأ له عندما تصادفني مشكلة مع أهلي، أو عندما أمر بظروف مادية صعبة، أو عندما أتعب نفسياً فأجد راحتي عنده، أحياناً يكون الصديق أكثر قرباً من شريك الحياة نفسه، فهناك أسرار لا نستطيع أن نحكيها للزوجة، ولكن ليس هناك أسرار نخفيها عن الصديق الذي نثق به، والصديق الحقيقي برأيي هو الذي ينصحني بصدق ويحفظ سري، ويقف إلى جانبي وقت الضيق كما يقولون .

فاطمة الحسن تقول: الصداقة أجمل مافي الحياة، وأعتبر أني محظوظة جداً لأن لدي مجموعة صديقات رائعات بكل معنى الكلمة، نحن أصدقاء منذ الصغر وجمعتنا الكثير من الأفراح والأتراح ولم ننفصل يوماً، وهناك صداقات عابرة كثيرة مرت في حياتي ولم تستمر ولكنها تتمتع ببعض الإيجابيات أيضاً، باستثناء بعض الحالات التي تألمت لأنني شعرت بأنني خدعت بها، أما بالنسبة لصديقاتي الحقيقيات فهن نعمة كبيرة في حياتي، وأعتقد أن الصداقة تحتاج إلى الكثير من التفهم لكي تستمر، فنحن مختلفات كثيراً بطباعنا وقناعاتنا ومتشابهات .

وتضيف: لابد أن يشبه الأصدقاء بعضهم بعضاً في الخطوط الأساسية، وأيضاً تحتاج الصداقة إلى التسامح من مبدأ التمسك بها، فالصداقة لا تبنى بين ليلة وضحاها، بل تحتاج لسنوات طويلة حتى تتوطد، لهذا لا يمكننا أن نضحي بها ببساطة، وأعتقد أن الصداقات التي تتكون في مرحلة مبكرة من العمر تكون أكثر تماسكاً، ربما لأن الأصدقاء في هذه الحالة يكونون كبروا سوياً واختبروا الكثير من الذكريات المشتركة والتي لا تتكرر، ويمكننا أن نقول جمعتهم ذاكرة مشتركة وأصبح لهم تاريخ مشترك يرتبط بالحنين إلى أيام الطفولة والمراهقة .

د . حسن أبو ليلى، مختص بالسلوك التنظيمي وسلوك الأفراد، يقول: الانسان بطبيعته اجتماعي، والشخصية الاجتماعية يجب أن تتميز بالتحاور والتفاعل مع الآخرين، فالإنسان الناجح هو الذي يكون علاقات وصداقات قادرة على تسهيل أموره، ومساعدته الوصول إلى أهدافه الشخصية والعملية، كما أن الإنسان الناجح يستفيد من علاقاته مع الآخرين في تطوير نفسه وتحسين سلوكياته، ولهذا الصداقة مهمة جداً في حياة الانسان وأساسية أيضاً، ولكن للأسف يشتكي أغلب الناس من صعوبة إيجاد الصديق الجيد أو الحقيقي كما يقولون، وهذ صحيح بسبب تعقيدات الحياة، ولهذا يجب على الانسان أن يبحث عن الصديق الذي يجد فيه صفات إيجابية وليس الصديق الكامل لأنه صعب، وهناك بعض الصفات العامة التي يتحلى بها الصديق الجيد، كأن يذكر لي عيوبي ومساوئي، وأن يكون قادراً على تحملي في السراء والضراء، وأن تكون علاقتنا بعيدة عن أي مصلحة شخصية أو عملية، ولست أقصد أن يمتنع الأصدقاء عن مساعدة بعضهم بعضاً، بل ألا تكون الصداقة أساساً مبنية من أجل المصلحة ذاتها، ومن خلال عملي وأبحاثي لاحظت أنه هناك الكثير من الأشخاص الذين يعثرون على الصديق الجيد ولا يستطيعون الاحتفاظ به .

وينصح أبوليلى كل راغب في الاحتفاظ بصديقه قائلاً: عليك أن تعامله كما تتعامل مع نفسك، وما ترضاه لنفسك ترضاه للآخرين، وأكبر عدو لأي علاقة التكبر والغرور، فيجب التخلي عنهما، والإيثار يعتبر من الصفات النبيلة التي تساعد على ديمومة الصداقة، ومن المهم الابتعاد عن الحساسية، فالحساس لن يجد له صديقاً يستطيع التعامل معه بشكل يومي .

القيم المادية أصبحت أهم

يفرق د . موسى الشلال، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات، بين الصداقة القوية العابرة بقوله: تعرف الصداقة بأنها ذلك الرباط القوي الذي يربط بين اثنين أو أكثر، ويعتبر الحب والثقة والاحترام والمودة من أهم خصائص الصداقة، إضافة إلى كثير من الصفات الجسدية والفكرية والعقلية والثقافية التي تربط بين الأصدقاء، وتصبح بالتالي عملية اختيار الصديق الذي تتوفر فيه كل هذه الصفات أو أكثرها من أصعب التجارب التي يمر بها الفرد في مجتمعه، وذلك بسبب الزمن الذي يحتاجه الفرد لمعرفة صديقه الآخر . وكلما زادت فترة التعرف إلى الصديق كلما ازدادت الصداقة قوة ومتانة وتبقى في كثير من الأحيان إلى نهاية العمر . ولذلك نجد أن العلاقات التي تنشأ بين الأفراد في مراحل التعليم المختلفة أكثر العلاقات متانة وتدوم إلى سنوات العمر كله أحياناً، والسبب في ذلك . أولاً، أن المؤسسات التعليمية تخلو من عنصر التنافس المادي الذي يوجد في أماكن العمل مثلاً، بالرغم من التنافس الأكاديمي والذي يكون السبب الأساسي في تقرب كل من الطرفين . ثانياً، يقضى الأصدقاء معاً فترة طويلة تمتد لسنوات المراحل التعليمية ويتيح لهم هذا الزمن أن يقووا من أواصر الصداقة بينهم . ثالثاً، يتعاون الطلاب في ما بينهم في التحصيل والمذاكرة وقضاء أوقات اللهو مما يزيد من قوة ونقاء الصداقة . رابعاً، تمتد أحياناً العلاقة إلى تعارف أسرتي الطرفين مما يقوي منها ويزيد من أهميتها . وقد تمتد مثل هذه الصداقات إلى أماكن العمل بعد التخرج فتصبح أكثر عتاقة .

ويضيف: يوجد أيضاً الصدقات العابرة التي يمر بها الأفراد ولا تدوم طويلاً، والسبب الأول في ذلك أن العلاقة قد بنيت على مصلحة ما فتنتهي بانتهائها، وإن قويت في مرحلة من مراحلها . السبب الثاني العلاقات العابرة كما سميت تنشأ في وقت وجيز لا يسمح للطرفين بمعرفة بعضهما البعض وبالتالي تنفصم العلاقة متى ما ظهرت سوءات الطرفين . السبب الثالث هناك العلاقات التي تتم في أماكن العمل ويكون خارجها مثال للصداقة ولكن في داخلها تتمدد عوائق أخرى مثالاً المنافسة والغيرة والحسد وإلى ما ذلك من الصفات التي تفرق ولا تجمع، فهذا النوع من العلاقات لا يدوم طويلاً كذلك . وقد ينقلب أفرادها أعداء في بعض الحالات .

ويرجع الشلال شكوى كثير من الناس من ندرة الصداقة الحقيقية . لكثير من العوامل منها أن هذا العصر يتسم بالسرعة في كل أمور حياة الناس، وقد تسبب ذلك في اتخاذ صداقات سريعة لا عمق فيها، كما أن العصر الحالي يتسم بالمادية وأنها القيمة الأعلى في مجتمعات اليوم وبالتالي يسعى الكثير من الناس إلى كسبها بشتى الطرق بما في ذلك استخدام اساليب النفاق ومحاولة التقرب من الذين يمتلكون المادة الكثيرة . ويتصف هذا العصر أيضاً بعدم الاستقرار للأسر في مكان واحد أو مدينة واحدة أو قطر واحد، مما جعل كثيراً من الناس تتنقل من هنا وهناك وبالتالي لا يتيح لهم هذا الوضع التعرف عن كثب إلى الآخرين وخلق علاقات صداقة قوية ومتينة .

ويرى أن العلاقة القوية العميقة البريئة التي تسعد كل الأطراف موجودة، لكن تتطلب منا جهداً إضافياَ للبحث عن شخوصها .