فرض الله الصلاة على المسلمين كتاباً موقوتاً، وأمرهم بإقامتها حين يمسون وحين يصبحون وعشياً وحين يظهرون، كررها خمس مرات في اليوم لتكون حماماً روحياً للمسلم يتطهر به من غفلات قلبه، وأدران خطاياه، وقد مثل النبي- صلى الله عليه وسلم- هذا المعنى في حديثه الشريف فقال: أرأيتم لو أن نهراً على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فهل يبقى على بدنه من درنه شيء؟ قالوا: لا، قال: كذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا وأي إنسان يمر عليه يوم من دون خطايا وهفوات؟

لكن خصوم الإسلام، وكعادتهم في التشكيك في عقيدة الإسلام وفرائضه وأحكام شريعته، من دون علم ومن دون وقوف على مقاصد وأهداف وفلسفة التشريعات الإسلامية، شككوا في صلاة المسلمين، ووصفها بعضهم بالأعمال البدنية الشاقة التي تسبب إرهاقاً جسدياً وذهنياً للإنسان الحريص عليها، فهل الصلاة التي فرضها الله على المسلمين وجعلها كتاباً موقوتاً تسبب للانسان هذا الإرهاق الجسدي والأرق النفسي كما يزعم هؤلاء؟

الدكتور سالم عبدالجليل وكيل وزارة الأوقاف المصرية، الداعية المعروف يؤكد أن صلاة المسلمين كلها فوائد ومنافع لمن يحرص عليها ويؤديها في أوقاتها، وهي لمن تعود عليها لا تمثل أية مشقة أو أعباء جسدية، بل هي على العكس تمثل للإنسان فترات راحة متكررة في اليوم ليلتقط فيها أنفاسه، ويستعيد بها نشاطه الذهني والبدني، ليواصل عمله بعدها بكل جد ونشاط.

ويضيف: الذين قالوا إن الصلاة التي يؤديها المسلمون شاقة ومتعبة حكموا عليها من الظاهر ولم يمارسوها عملياً، والحكم على الشيء من خلال تخيله أو تصوره شيء، والحكم عليه بعد الممارسة شيء آخر، ثم إن الصلاة تكون ثقيلة ومتعبة وشاقة على هؤلاء الكسالى الذين تحجرت قلوبهم وهرب منها الإيمان بحلاوته، وغابت عنها معاني الإخلاص والتقوى والصلاح.

فوائد بدنية ونفسية

ويعدد الدكتور عبدالجليل فوائد الصلاة التي فرضها الإسلام ويقول: إن الصلاة بما تستلزمه من طهارة ونظافة وحركات وخشوع، تعود بمنافع عديدة على الإنسان من الناحية الصحية والبدنية والنفسية والاجتماعية، فضلاً على فوائدها ومنافعها الروحية، فلكي تصلي لابد أن تتطهر من النجاسات بكل أشكالها ودرجاتها، ولابد أن تتوضأ وأن ترتدي ثياباً نظيفة، وأن تبحث عن مكان طاهر ونظيف تصلي فيه، وقد ألزمنا القرآن الكريم بكل ذلك، فقال الحق سبحانه وتعالى في سورة المائدة: يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطهرُواْ.

والأمر في الصلاة لا يقتصر على التطهر والنظافة البدنية، بل لابد من نظافة المظهر والاهتمام به لكي تحقق الصلاة أهدافها، وتكون عنواناً للمسلم الطاهر النظيف في بدنه ومظهره وسلوكه، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُل مَسْجِدٍ، والمسلمون الأوائل فهموا ذلك جيداً وطبقوه، فكانت الصلاة رمز طهارتهم ونظافتهم وأناقتهم، وكان الحسن إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، وعندما سألوه عن سر تألقه عند خروجه للصلاة وحرصه على ارتداء أفضل ثيابه قال قولته الشهيرة: إن الله جميل يحب الجمال فأحب أن أتجمل لربي.

إذن النظافة هي في فلسفة الإسلام عنوان قربى إلى الله، وشعار المسلم المصلي الفاهم لتعاليم ومبادئ وأخلاقيات دينه.

وقد رصد الفوائد البدنية للصلاة العديد من أساتذة وخبراء التربية الرياضية من المسلمين وغير المسلمين، حيث عدد هؤلاء فوائد الصلاة، التي تبدأ باليقظة المبكرة لأداء صلاة الفجر، وفي اليقظة مبكراً العديد من الفوائد، حيث قارن أحد الباحثين الألمان بين القوة البدنية والذهنية لمن يستيقظون مبكراً، ولمن تعودوا على الاستيقاظ متأخراً، واتضح من خلال المقارنة العلمية الدقيقة الفوارق الكبيرة بين النوعين أو الصنفين أو الفئتين.

أيضاً القيام والركوع والسجود المتكرر لمن يؤدي 17 ركعة أساسية، ومثلها أو أكثر منها لصلوات التطوع والسنن يومياً، يؤدي إلى تقوية عضلات الجسم خاصة الرجلين والذراعين والظهر، هذا فضلاً عن أن الصلاة تعالج كثيراً من أمراض الظهر والعمود الفقري، وقد وصف العديد من أساتذة الطب في الغرب لمرضاهم أداء حركات متكررة يومياً على غرار الحركات التي يؤديها المسلمون في صلواتهم للتخلص من ألام الظهر والرقبة.

قوة روحية

كل المنافع السابقة للصلاة في كفة، وما تحققه الصلاة من منافع صحية ونفسية في كفة أخرى، فالصلاة التي حدد الإسلام آدابها وأحكامها تمد المؤمن، كما يقول الدكتور يسري عبدالمحسن أستاذ الطب النفسي، بقوة روحية ونفسية تعينه على مواجهة كل الأزمات والمصاعب اليومية التي يواجهها.

ويضيف: هناك دراسات كثيرة تؤكد أن الحرص على الصلاة يقي المسلم من أمراض نفسية كثيرة، وقد ثبت أن الذين يؤدون الصلاة بانتظام، أكثر هدوءاً واستقراراً نفسياً ودرجة الرضا والقناعة عندهم أكبر بكثير من الذين لا يصلون أو لا يؤدون الصلاة بانتظام.

وهنا يتدخل الدكتور سالم عبدالجليل ليؤكد أن القرآن الكريم يدعم هذه الحقيقة الطبية، فالله سبحانه وتعالى يخاطب كل المؤمنين ويطلب منهم الاستعانة بالصلاة بعد الصبر على مواجهة كل متاعب الحياة ومشكلاتها اليومية المتجددة، ويتضح ذلك من خلال قوله سبحانه: يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصبْرِ وَالصلاَةِ إِن اللّهَ مَعَ الصابِرِينَ، وقوله سبحانه: وَاسْتَعِينُواْ بِالصبْرِ وَالصلاَةِ وَإِنهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ، الذِينَ يَظُنونَ أَنهُم ملاَقُوا رَبهِمْ وَأَنهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

حيوية هائلة

ويقول الداعية والفقيه الكبير الدكتور يوسف القرضاوي: في الصلاة يشعر المؤمن بالسكينة والرضا والطمأنينة، إنه يبدأ صلاته بالتكبير فيحس بأن الله أكبر من كل ما يروعه ومن يروعه في هذه الدنيا، ويقرأ فاتحة الكتاب فيجد فيها تغذية للشعور بنعمة الله الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم وتغذية للشعور بعظمة الله وعدله مالك يوم الدين وتغذية للشعور بالحاجة إلى هداية الله اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

إن الصلاة التي فرضها الله على المسلمين، هي التي تمد المؤمن بها الحريص على أدائها بخشوع وإخلاص ورغبة- بحيوية هائلة، وقوة نفسية فياضة، وقد أرشدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى ما للصلاة من تأثيرات إيجابية على صاحبها، حينما قال في الحديث الصحيح: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك نوم طويل فارقد، فإذا هو قام وذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدة ثانية، فإذا قام إلى الصلاة انحلت عقده الثلاث فأصبح طيب النفس نشيطاً، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان.

شهد شاهد

لقد اعترف كثير من الاطباء وعلماء الكون والحياة في الغرب بالفوائد والمنافع العظيمة للصلاة التي جاء بها الإسلام، ومن هؤلاء الدكتور ألكسيس كاريل، الذي بيّن في بحث له مدى القوة التي يكتسبها المؤمن من الصلاة، وقال: لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت إلى يومنا هذا، وقد رأيت، بوصفي طبيباً، كثيراً من المرضي فشلت العقاقير والوصفات العلاجية في تخفيف آلامهم، فلما وصفنا لهم الصلاة حلت مشكلاتهم، فاكتشفنا أن الصلاة مثل معدن الراديوم مصدر للإشعاع، ومولد ذاتي للنشاط، وبالصلاة يسعى المسلمون إلى استزادة نشاطهم المحدود.

فهل بعد كل هذه الفوائد والمنافع يأتي هؤلاء الجهلة ليزعموا أن الصلاة تؤدي إلى الإرهاق البدني والنفسي؟

إذا أراد هؤلاء أن يقفوا على فوائد ومنافع الصلاة الإسلامية عليهم أن يؤمنوا أولاً ويصلوا بانتظام، وقتها لن يفرطوا في ركعة واحدة.