تثبت الدراسات العلمية يوماً بعد يوم أن الصيام يعد من أهم العلاجات الفعالة للوقاية من مختلف الأمراض المزمنة التي أرهقت المرضى وحيرت الأطباء . وما أشار إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة عن فوائد الصيام أصبح حقيقة علمية تدرس في مختلف الجامعات العالمية، ونتناول في ما يلي أهم الأمراض التي يسهم الصوم في علاجها والوقاية منها، إضافة لاستعراض أهم الدراسات العلمية التي أثبتت ذلك .

علاج وقائي

يقول الدكتور منير حمد أخصائي عام بعيادة بلدية دبي إن الصيام يعالج عدداً من الأمراض الخطيرة التي تعد من الاسباب الرئيسية للوفاة، كمرض تصلب الشرايين، وضغط الدم، وبعض أمراض القلب، إلى جانب علاجه لبعض أمراض الدورة الدموية الطرفية ومرض التهاب المفاصل المزمن الروماتويد، إضافة لعلاجه ارتفاع حموضة المعدة، وبالتالي فهو يساعد على التئام قرحة المعدة .

ويضيف: إن الصيام يمنح الجهاز الهضمي وملحقاته راحة فسيولوجية للجسم، من خلال الامتناع عن تناول الطعام والشراب طوال فترة الصيام والتي تتراوح من 9 إلى 11 ساعة بعد امتصاص الغذاء، كما تستريح آليات الامتصاص في الأمعاء طوال هذه الفترة، إلى جانب ذلك يُمكّن الصيام الغدد الصماء ذات العلاقة بعمليات الاستقلاب، في فترة ما بعد الامتصاص من أداء وظائفها لتنظيم وإفراز هرموناتها الحيوية على أحسن حال، وذلك بتنشيط آليات التثبيط والتنبيه لها يومياً، ولفترة دورية ثابتة، ومتغيرة طوال العام، وبالتالي يحصل توازن بين الهرمونات المتضادة في العمل .

ويؤكد الدكتور منير حمد أن الصيام كعلاج وقائي يساعد على التخلص من السموم الناتجة عن الغذاء أو أي سموم ضارة مثل حمض البول وفوسفات الأمونيا والمنغنيز في الدم، والتي تسبب آلاماً في المفاصل والكلى وتسبب حصى في البول، حيث تتحلل مع الصيام هذه السموم ويصفو جسم الصائم وتتجدد خلاياه، وبالتالي يستعيد الجسم نشاطه وقوته . وتشير بعض الدراسات إلى أن صيام يوم واحد يساعد على تطهير الجسم من الفضلات لمدة عشرة أيام، وبالتالي فصيام شهر كامل يطهر جسمنا لمدة عشرة شهور، فإذا أضفنا إلى ذلك صيام ستة أيام من شوال تحصل أجسامنا على تطهير كامل طوال العام .

إلى جانب ذلك يخفف الصيام العبء عن جهاز الدوران، وبالتالي تهبط نسبة الدسم وحمض البول في الدم، مما يقي الصائم البدين من الإصابة بأمراض مختلفة مثل تصلب الشرايين وداء النقرس .

الصيام لا يضعف البدن

من جانبه أكد الدكتور منصور أنور اخصائي طب الأسرة والصحة المهنية بإدارة الخدمات الطبية بمؤسسة دو أن الدراسات العلمية أثبتت أن الصيام ليس له أي تأثير سلبي في الأداء العضلي وتحمل المجهود البدني، بل بالعكس، كشفت دراسة علمية أجريت بمعهد الطب الإسلامي للتعليم والبحوث - بنما سيتي - فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية أن درجة تحمل المجهود البدني، وبالتالي كفاءة الأداء العضلي قد زاد بنسبة 200% عند 30% من عناصر البحث، و7% عند 40% منهم، وتحسنت سرعة دقات القلب بمقدار 9%، كما تحسنت درجة الشعور بإرهاق الساقين بنسبة بلغت 11%، وهي نتائج تبطل المفهوم الشائع عند كثير من العامة والخاصة من أن الصيام يضعف المجهود البدني، ويؤثر في النشاط فيقضي كثير من الأفراد معظم النهار في النوم والكسل بحجة الصيام .

وإلى جانب ذلك نشرت الدورية الأمريكية لعلم التغذية السريري الصادرة عن الجمعية الأمريكية للتغذية . بحثاً علمياً مطولاً استعرضت فيه نتائج تجارب أجريت على الثدييات والبشر، وكشفت عن دور الصوم المتقطع في خفض مخاطر الإصابة ببعض الأمراض المزمنة كداء السكري، وأمراض القلب والشرايين، وساعد على تحفيز التقاط الخلايا لجزيئات الأنسولين، وهو ما يدعم نتائج دراسات سابقة أكدت أن الصيام يزيد من حساسية الجسم لهرمون الأنسولين، ما قد يسهم في التقليل من مخاطر الإصابة بداء السكري، إلى جانب ذلك أشارت دراسة نشرت بدورية الجمعية الأمريكية لعلوم الحيوان إلى أن الصوم المتقطع أدى إلى زيادة فعالية اثنين من مستقبلات هرمون الأديبونيسيتين الذي يسهم في تنظيم استهلاك الجسم لسكر الجلوكوز واستقلاب الأحماض الدهنية عند الثدييات، علاوة على لعب دور في زيادة استجابة الأنسجة لهرمون الأنسولين، الذي ينظم عمليات البناء والهدم للجلوكوز في الجسم .

كما كشفت دراسة متخصصة في مجال التغذية استهدفت مجموعة من الصائمين في شهر رمضان ونشرتها الدورية البريطانية للتغذية أن تغيير مواقيت الوجبات، وخفض عددها إلى اثنتين برمضان، ساعد على زيادة استجابة الجسم لهرمون الانسولين، وذلك بالنسبة للأفراد الذين يمتلكون عوامل الإصابة بداء السكري، أما في ما يختص بالصحة القلبية فأكدت البحوث الطبية، ارتباط الصيام المتقطع، بعوامل الوقاية من أمراض القلب والشرايين، حيث كشفت دراسات عن دور الصوم المتقطع، في زيادة تركيز الكوليسترول الحميد (HDL) عند الأشخاص الأصحاء، وخفض مستوى الدهنيات الثلاثية التي ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين، الأمر الذي أرجعه المختصون لانخفاض كتلة الجسم، وتراجع كميات الدهون فيه نتيجة للصيام .

استعادة حيوية أعضاء الجسم

من جانبه الدكتور عبدالحميد خليل استشاري أمراض القلب والأوعية الدموية قال إن شهر رمضان، يعد علاجاً مثالياً للمرضى الذين يعانون اضطرابات في القلب، حيث يستفيد الجسم بأكثر من 10% من كمية الدم التي يدفع بها القلب إلى الجهاز الهضمي، نظراً لتراجع عملية الهضم أثناء فترة الصيام، ومن ثم يعمل الجسم على استعادة حيويته بشكل أكبر على مدار الثلاثين يوماً، مشيراً إلى أن الصوم يوقف عملية امتصاص المواد المتبقية في الأمعاء، ويعمل على طرحها، والتي يمكن بدورها أن تتحول لنفايات سامة نظراً لطول فترة بقائها في الجسم، إضافة لكون الصيام الوسيلة الوحيدة الفعالة التي تسمح بطرد السموم المتراكمة في البدن، والآتية من المحيط الملوث .

وأوضح خليل أن هناك نوعين من مرضى القلب، الأول يمكنه الصيام بسهولة دون أية مشكلات، فيما يعاني النوع الثاني من اضطرابات حادة تجعل من الضروري الإفطار، كحالات المرضى المصابين بالذبحة الصدرية أو الذين يعانون من ضعف في عضلة القلب، مؤكداً ضرورة استشارة مريض القلب للطبيب المعالج قبل البدء في الصيام، للوقوف على حقيقة حالته الصحية، فما يتناسب معه ليس بالضرورة أن يتناسب مع غيره .

وذكر أن أمراض كهرباء القلب تمثل 20% من إجمالي أمراض القلب سواء داخل الإمارات أو في منطقة الخليج ككل، وهي تتسبب في إحداث خلل في دقات القلب سواء بالتأخير أو بالتقديم، وغالباً ما تكون أمراض كهرباء القلب ثانوية نتيجة أمراض الشرايين المكتسبة بسبب نمط الحياة غير الصحية وتشكل الأمراض الوراثية نسبة ضئيلة ولكن مهمة .

وأوضح أن التشخيص المبكر لعوامل أمراض الشرايين المكتسبة والعمل على ضبطها سواء بتغيير نمط الحياة غير الصحية وأحياناً بالتدخل الدوائي إلى جانب الصيام الذي يعد من أهم العوامل المساعدة على الوقاية من أمراض كهرباء القلب وتوابعها .

وحذر خليل من ارتفاع مستويات الكوليسترول في الدم، لكونه من أهم أسباب أمراض القلب والأوعية الدموية التي تشكل 25% من أسباب الوفيات في الدولة، موضحاً أن نسبة المصابين بارتفاع في مستوى الكوليسترول في الدم، ممن لا تصل مستويات الكوليسترول لديهم إلى المعدلات الطبيعية على الرغم من تلقيهم للعلاج تصل إلى أكثر من نصف المرضى، وأن معظم المرضى لا يتمكنون من تحقيق مستويات الكوليسترول المستهدفة على الرغم من خضوعهم للعلاج، مما يجعلهم عرضة للإصابة بأمراض القلب المتعددة، بسبب عدم اتباعهم الحمية المطلوبة أو لعدم ممارستهم الرياضة .

وقال: يرجع الاهتمام المتزايد بالتحكم بمستوى الكوليسترول إلى العلاقة القوية بينه وبين معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية لكون ارتفاع الكوليسترول من أهم العوامل التي تزيد من فرصة الإصابة بهذه الأمراض، ولا تقتصر مشكلة الكوليسترول على المرضى الذين لا يتناولون الأدوية الطبية بل يتعداها إلى أولئك الذين يأخذون الدواء والذين لا يزالون عاجزين عن تخفيض نسبة الكوليسترول إلى الحد المطلوب .

وأكد استشاري أمراض القلب والأوعية الدموية أن الصيام يسهم بشكل كبير في تراجع نسب الإصابة بالأمراض المتعلقة بالشحوم والدهون، مطالباً بضرورة التوسع في الدراسات العلمية لبحث مختلف الأمراض العصرية الأخرى التي تعاني منها المنطقة، مثل ضغط الدم والسكري والسمنة التي يسهم الصوم في تقليلها بشكل كبير .

علاج حب الشباب

وذكر الدكتور أنور العشري أخصائي الأمراض الجلدية والتناسلية أن الصيام يعالج بشكل ملحوظ ظاهرة حب الشباب التي تواجه أصحاب البشرة الدهنية، إضافة لعلاجه المباشر للدمامل والبثور والتهاب الثنايا، لأنه يقلل افرازا الأمعاء للسموم وتتراجع نسبة التخمر التي بدورها تسبب تلك الدمامل والبثور، إلى جانب ذلك فهو يسهم في الحد من الأمراض الجلدية التي تنتشر بمساحات كبيرة في الجسم كداء الصدفية .