عندما أفاق مزارع ألماني من أول عملية أجريت لزرع ذراعين كاملتين لرجل، نظر إلى ذراعيه الجديدتين وقال فرحاً: أوه.. جيد جداً.
وقبل ساعات من افاقته كان فريق جراحة ألماني يعلن نجاح أول عملية في العالم لزراعة ذراعين كاملتين لهذا المزارع البالغ من العمر الرابعة والخمسين عاماً.
وأوضح بيان صادر عن مستشفى الجامعة التقنية في ميونيخ ان العملية التي أجريت يومي الخامس والعشرين والسادس والعشرين من يوليو/تموز الماضي جاءت بعد تحضيرات استمرت طوال سنوات. وأفاد البيان ان فريقاً جراحياً من 40 شخصاً شاركوا في هذه العملية الأولى من نوعها بإدارة البروفيسورين الألمانيين كريستوف هونكي وادجار بيمر.
كان المزارع قد فقد ذراعيه من أعلى الكوعين في حادث قبل ست سنوات، وقد حصل على الذراعين الجديدتين من رجل يتناسب معه بالعمر واللون والحجم وزمرة الدم، إلا أن هيئة الاذاعة البريطانية ذكرت انه يعتقد بأن المتبرع شاب في العشرينات من عمره، وقد توفي قبل اجراء العملية بوقت قصير.
وسبق أن أجريت للمزارع عمليتان باستخدام ذراعين اصطناعيتين، غير أنهما لم تنجحا، وقد أجريت عمليات زرع ذراع من قبل، أولاها جرت عام ،2003 حيث زرع الجزء السفلي للذراع، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يزرع فيها الذراع بالكامل من نقطة اتصاله بالكتف.
كما شهد العالم أربعين عملية زرع يد منذ أن قام البروفيسور جان ميشال دوبرنار بأول عملية مماثلة العام 1998 في ليون (فرنسا)، وشملت ذرع يد لمريض من شخص متوفى.
وفي 14 يناير/كانون الثاني ،2000 أجرى دوبرنار أول جراحة لزرع يدين وقسم سفلي من الساعد، واستغرقت العملية 17 ساعة بمشاركة نحو خمسين متخصصاً.
وقال الجراح ادجار بيمر الذي قاد العملية مع زميله البروفيسور كريستوف هونكي ان التحدي الأكبر كان تدفق الدم من جسم المريض إلى العضلات في الذراعين الجديدين، حيث العضلات تبقى حية لفترة محدودة.
وأوضح ان صعوبة هذه الجراحة كانت تكمن خصوصاً في المسافة التي تمت فيها عملية الزرع والحاجة إلى زرع كمية كبيرة من النخاع العظمي الموجود بنسبة كبيرة في الذراع مقارنة باليد مثلاً.
واستغرق التحضير للعملية أعواماً عدة، وشملت فحص الصحة البدنية للمريض، وخصوصاً درجة مقاومته للضعط الملحوظ الذي سيلحق بجهاز المناعة لديه جراء عملية الزرع، اضافة إلى وضعه النفسي وبيئته الاجتماعية، وشملت المرحلة التالية البحث عن واهب متوفى من السن والجنس وفئة الدم نفسها، وكذلك الطول ولون البشرة.
وقال الخبير البريطاني نادي حكيم رئيس قسم زراعة الأعضاء في مستشفى هامرسميث في لندن انه كلما كان انفصال الذراع في نقطة أقرب إلى الكتف كانت عملية زرع الذراع أسهل، حيث تكون هناك حاجة لربط عدد أقل من الأعصاب وعظمة واحدة.
وأضاف: سيكون من الصعب على المريض أن يحني ذراعه لاحقاً، وسيحتاج إلى علاج فيزيولوجي مكثف.
انتصار علمي
رغم الفرحة العارمة التي شعر بها المزارع الألماني الذي دخل غرفة العمليات بما كان يشبه زائدتين لحميتين متدليتين من الكتف ليخرج منها بذراعين مثل أي رجل آخر، فإن فرحة أكبر كانت تسري في الأوساط الطبية والعلمية التي كانت تتابع هذه العملية، فنجاحها هو انتصار جديد في مجال الطب التجديدي، وإن نجحت زراعة الذراعين اليوم، فإن الأمل بات أكبر لزرع أعضاء أكبر كالسيقان.
فقد جاء الاعلان عن نجاح هذه العملية بعد سلسلة من النجاحات التي حققها الطب التجديدي في مجال الأطراف والأعضاء الحيوية من الجسم وذلك منذ أن بدأ توالي عمليات زراعة الأعضاء الناجحة أواخر القرن الماضي، والتي شملت زراعات أعضاء مختلفة من الجسم بالاستفادة من الثورة التي تحققت في مجال الخلايا الجذعية. وتهدف معظم الأبحاث العلمية الجارية حالياً إلى توفير مجال جديد من الطب التجديدي يتم خلاله زراعة خلايا منشأ من دم المريض وتجرى عليها تعديلات في المعمل وتستخدم لتحل محل الدم أو الأنسجة التي تعاني قصوراً أو تلفاً.
عمليات كبرى
شهد العالم في نوفمبر/تشرين الثاني 2005 اجراء أول عملية كبرى في العالم لزراعة وجه سيدة فرنسية تدعى ايزابيل دينوار كانت قد فقدت أنفها وشفتيها وذقنها بعد هجوم كلب عليها في أثناء نومها.
وقد تم خلال تلك العملية نقل أنسجة وعضلات وأوردة وشرايين من متبرعة في حالة وفاة دماغية إلى الجزء الاسفل من وجه المريضة.
ووصف رئيس فريق الجراحين الدكتور ديفاشيلي صعوبة العملية التي تطلبت زراعة جلد وعضلات ووصل الكثير من الأوردة والشرايين والخلايا العصبية، قائلاً إن وصل الأعصاب ببعضها يجب أن يتيح للمريضة تحريك قسمات وجهها.
وقد استغرقت العملية أربع ساعات، وبعد انتهائها بدأ الدم يجري في عروق جلد الوجه المزروع.
وبعد أربع وعشرين ساعة من العملية استعادت المريضة وعيها، وعندما استيقظت كان أول ما تفوهت به: شكراً لكم.
وقد شجعت تلك العملية اجراء عدد من عمليات زراعة الوجه فيما بعد، منها عملية كبرى مماثلة لزراعة وجه في مستشفى شيجينغ الصيني واستغرقت نحو خمس ساعات.
وقال الدكتور قوه شو تشونغ مدير قسم جراحة التجميل بالمستشفى إنه تم خلال العملية زرع عين يمنى صناعية وشفتين في وجه المريض لي قوه شينغ (30 عاماً) والذي تعرض للتشويه بعد أن هاجمه دب.
وأضاف ان العملية شملت أيضاً قطع الجزء المتورم من وجه لي وإعادته إلى شكله المسطح الطبيعي.
وشارك في العملية خمسة أطباء، وثلاثة أطباء تخدير، وممرضان.
وقال قوه، ان الاطباء وجدوا صعوبة خلال العملية في التفرقة بين أي أجزاء وجه لي طبيعية وأيها مزروع، مما يشير إلى أن الأجزاء التي تمت زراعتها اندمجت بشكل جيد مع الأجزاء الأصلية.
وأضاف قوه أن هدفنا هو أن نجعله لا يلفت النظر خلال سيره في الشارع.
وأشار قوه إلى أنه لإمكان تحديد ما إذا كان قد تم تحقيق الهدف أم لا؟ فإن ذلك يتطلب المزيد من الملاحظة.
كما أجريت عملية ثالثة في أمريكا.
أما الرابعة فقد أجريت في مصر حيث تم زرع وجه لطفلة مصرية عمرها خمس سنوات كانت تعاني ورماً سرطانياً بالجلد نتيجة إصابتها بنوع من الأمراض الجينية. وما ميز الجراحة المصرية أنها كانت أول عملية زرع وجه تتم من متبرع حي، فالأم المصرية هي التي تبرعت بشريحة من جلد ذراعها.
وقال رئيس الفريق الجراحي المصري انها كانت الحالة الأولى التي تجرى فيها عملية زرع وجه لعلاج مشكلة ناتجة عن ورم سرطاني بسبب مرض جلدي.
وأضاف ان عوارض هذا المرض تبدأ في سن الرابعة من العمر حيث يبدو وجه الطفل مليئاً بالنقاط السود التي لا تلبث لاحقاً أن تتحول إلى أورام سرطانية بسبب تعرضهم لضوء الشمس، مما يعني حرمانهم طوال حياتهم التي لا تتجاوز 18 عاماً من الخروج نهاراً.
وأوضح ان العلاج التقليدي لهذه الحالات كان لإجراء جراحات ترقيعية متكررة في الوجه من جلد المريض نفسه، لكنها كانت حلولاً مؤقتة، فضلاً عن أنها لم تتطور منذ نحو 50 عاماً.
غبار الجنّية
ومن العناوين اللافتة في موضوع الطب التجديدي ما خضع له جندي أمريكي في مايو/أيار الماضي كان قد فقد اصبعاً أثناء الحرب في العراق، وقد أجريت له عملية جراحية تقليدية في اطار دراسة طبية كبيرة تشرف عليها وزارة الدفاع الأمريكية والتي تتابع هذا النوع من الطب مع عدة مؤسسات طبية محلية، من بينها المركز الطبي لجامعة بيتسبيرغ وعيادة كليفلاند، على أمل ان تساعده على استعادة الاصبع الذي خسره في انفجار وقع في العراق السنة الماضية.
وقد اعتبرت هذه العملية تاريخية حيث استعمل الأطباء مسحوقاً معداً بشكل خاص (أطلق عليه اسم غبار الجنيّة) على ما تبقى من اصبع الرقيب شيلوه هاريس، في محاولة لأن يحثوا الاصبع على فعل ما يفعله حيوان السلمندر بشكل طبيعي، أي استبدال أعضاء الجسم المفقودة.
وقال الدكتور ستيفن وولف الجرّاح الرئيسي للعملية إن القصة قد تبدو للبعض أنها من نسج الخيال، وهي كذلك.. ولكن الخيال العلمي يصبح في النهاية حقيقة، أليس كذلك؟.
وقد تم تخصيص حوالي 250 مليون دولار لإجراء الأبحاث اللازمة للطب التجديدي. ومن المنتظر أن يستفيد من هذه العمليات الرقيب الفني ديل تورو من سلاح الجو الأمريكي الذي يعاني من احتراق يديه بشكل سيئ، وذلك إثر إصابته بقنبلة في أفغانستان، إذ انصهر ما تبقى من أصابعه من اليد اليسرى مع بعضهم بعضاً.
ويقول ديل تورو: في البداية، عندما تأذيت، قلت لهم، اقطعوها، كي استطيع الحصول على عمل.
غير أن الأطباء لم يقطعوا ذراعه اليسرى المصابة، ومنذ تلك الحادثة، تشير التطورات في علاج الحرق والاستئصال إلى أنه قد يستطيع أن يستخدم أصابعه مجدداً.
ومن بين الأشياء الأساسية في الأبحاث التي خصصت للتركيز على عملية إعادة نمو الأصابع وأجزاء أخرى من الجسم، المسحوق الذي يسميه البعض في بروك غبار الجنيّة وهو مصنوع من أنسجة مستخرجة من الخنازير.
ولا يقوم غبار الجنيّة نفسه بإعادة نمو الأنسجة المفقودة، ولكنه يخدع جسم المريض بالقيام بذلك بنفسه.
ويشير الأطباء إلى وجود خلايا جذعية في جميع أعضاء الجسم وبينما نحن نتطور في رحم أمهاتنا، تقوم الخلايا الجذعية بتنمية أصابع اليد والقدم، وأعضائنا، باختصار جسمنا كله، وتتوقف الخلايا الجذعية عن فعل ذلك عند الولادة، ولكنها لا تزول.
ومن هذا المنطلق، يعتقد الباحثون ان غبار الجنيّة بإمكانه أن يعيد الخلايا الجذعية إلى العمل لتنمي أجزاء جديدة في الجسد.
ويشكل المسحوق منصة عمل مجهرية تجذب الخلايا الجذعية وتقنعها بأن تنمو في النسيج الذي كانت موجودة فيه.
ويقول وولف: إذا كان المسحوق قرب الجلد، فسيبدأ بصناعة الجلد، وإذا كان قرب وتر، فسيبدأ بصنع وتر. وبهذا، يشكل المسحوق الأمل، على الأقل في هذا المشروع بالتحديد، في تمكيننا من تنمية اصبع.
استخدام خلايا الجلد
وفي تقدم مفاجئ يمكنه أن يضع جانباً المناقشات الأخلاقية المحيطة بحقل الخلايا الجذعية، اقترب العلماء أكثر من الهدف المتمثل في الطب التجديدي، بتحويل خلايا المريض إلى خلايا متخصصة، تكون قادرة على تعويض تلك المفقودة بسبب مرض ما.
وهذا التقدم هو تقنية سهلة الاستعمال لإعادة برمجة خلية جلدية مأخوذة من فأر بإعادتها إلى خلية جنينية. ومن الممكن حث الخلايا الجنينية مختبرياً كي تتحول إلى مختلف الخلايا الأساسية الخاصة بأعضاء الجسم.
وذكر تقرير لصحيفة نيويورك تايمز ان العلماء يراهنون على تكييف هذه التجارب لاستخدامها على الخلايا البشرية، ليصبح ممكناً للخلايا الجلدية البشرية أن تتحول إلى خلايا قلب أو كبد أو كلية جديدة، وبالتالي يمكن زرعها ولن يرفضها نظام مناعة جسد المريض. لكن العلماء يقولون انهم لا يستطيعون التنبؤ بمتى سيتمكنون من التغلب على المشاكل في تكييف هذه الطريقة المتبعة في هذه التجربة مع الخلايا البشرية.
وفي السابق، كانت الطريقة الوحيدة المتوفرة لتحويل خلايا راشدة إلى شكل جنيني هي استخدام التحول النواتي، المتمثل بإدخال نواة خلية إلى بويضة انتزعت منها نواتها. وتبرمج البويضة بشكل ما النواة إلى الحالة الجنينية. ويعرف ذلك الاجراء بالاستنساخ العلاجي، عند تطبيقه على الناس، لكن لم ينجح أي شخص حتى الآن في تحقيقه على أرض الواقع.
وقد تم تطوير الطريقة الجديدة بواسطة العالمة شينيا يامناكا من جامعة كيوتو، وتعتمد على إدخال أربعة مورثات (جينات) إلى خلية جلدية. وهذه تحقق مهمة اجراء البرمجة نفسها، مثلما تقوم البويضة بها في الحالة الطبيعية أو على الأقل جعلها مشابهة لها كثيراً. ونقلت نيويورك تايمز عن ارفينغ وايزمان، رئيس فريق علماء البيولوجيا من جامعة ستانفورد، والمشارك في هذا البحث، قوله إن تحريك حقلي الطب البيولوجي وطب تجديد الخلايا بشكل أسرع هو أكبر خطوة يمكن تصورها.
كما قال ديفيد سكادان بيولوجي الخلايا الجذعية في كلية هارفارد الطبية إن برمجة الخلايا باستخدام تقنيات بيوكيميائية بسيطة، ستتطلب على الأقل عقداً قبل تحقيقها.
انسولين من الحبل السري
وفي هذا الاطار قال باحثون أمريكيون وبريطانيون ان خلايا منشأ مأخوذة من الحبل السري للمواليد الجدد يمكن استخدامها لإنتاج الانسولين وربما تستخدم ذات يوم لعلاج مرضى السكري.
وقال الباحثون انهم تمكنوا من توفير الظروف التي تسمح بنمو أعداد كبيرة من خلايا المنشأ ثم قاموا بتوجيهها لتماثل خلايا البنكرياس المنتجة للأنسولين والتي تدمرت بسبب البول السكري. وقال الطبيب راندول أوربان من الفرع الطبي لجامعة تكساس في جالفستون والذي أشرف على البحث هذا الاكتشاف ينبئنا بأن لدينا الامكانية لإنتاج الانسولين من خلايا منشأ بالغين لمساعدة الأشخاص المصابين بالسكري.
وأضاف في بيان لم يثبت انه سيكون بمقدورنا عمل هذا في الأشخاص، انها مجرد الخطوة الأولى على الطريق.
وفي مقال نشره بدورية تكاثر الخلايا قال الباحثون الذين ضموا فريقاً من جامعة نيوكاسل البريطانية انهم يأملون في نهاية المطاف انتاج بديل لاستخدام خلايا منشأ الأجنة المثيرة للجدل.
وفي الولايات المتحدة يكافح الكونجرس بشأن ما إذا كان سيزيد التمويل الاتحادي لأبحاث خلايا منشأ الأجنة وسط خلافات في الرأي حيث يقول المعارضون انه من الخطأ التجربة على أجنة بشرية بينما يقول المؤيدون ان هذا العمل ضروري لتغيير الكثير من المجالات الطبية.
تجارب أخرى
ويبدو أن الأمر سبق وأن سجل نجاحات في تجارب سابقة، إذ يقول الدكتور ستيفن وولف: لقد أخذ بعض الأطباء رحم كلبة، وصنعوا واحداً في المختبر، ومن ثم وضعوه مجدداً في الداخل، وحصلوا على جراء.
كما قام باحثون أيضاً بإعادة تنمية مثانة بشرية وزرعوها داخل شخص، وهي تعمل بصورة طبيعية.
ورغم أن التقنية مبشرة للغاية، إلا أن الأطباء سيبقون يقظين لأي آثار جانبية غير متوقعة، وبخاصة أثناء متابعة عملية تعافي الجندي هاريس.
ويسلط وولف الضوء على أحد المحاذير، إذ يقول: قد تسبب مرض السرطان، ولذلك سوف نراقب عن قرب، كي نتأكد بأنها لن تحصل.
ومما لا شك فيه، أنه إذا تحقق الهدف وبدأ أكثر المصابين سواء في الجيش من الاستفادة منه، فبالضرورة ان يعم الخير على الجميع بمن فيهم المدنيون.
عملية زرع تثير جدلاً
ورغم النجاحات التي تحققت حتى الآن في مجال الطب التجديدي، إلا ان المخاوف ما زالت قائمة من مستقبل هذه العمليات، وقدرة الجسم على التكيف مع العضو الجديد، ومثال ذلك العملية التي اثارت جدلاً في الصين عندما قام علماء صينيون باستئصال عضو تناسلي كانوا قد زرعوه لمريض بتر عضوه الأصلي في حادث تعرض له، مما تركه عاجزاً عن التبول أو متابعة حياته الجنسية. وأوضح تقرير عن هذه الحالة نشر في مجلة الجمعية الأوروبية لأمراض المسالك البولية، كيف تمت عمليتا الزرع والاستئصال للرجل البالغ من العمر 44 عاماً.
بعدما قامت عائلة شاب كان مصاباً بحالة موت دماغي بالتبرع له بالعضو المطلوب. ولكن المريض عاد بعد 14 يوماً ليطلب استئصال العضو المزروع بعد أن واجه وزوجته مشاكل نفسية مرتبطة بتقبل العضو، اضافة إلى تخوفهم من حالة الانتفاخ التي أصابته.
وقد تم اجراء العمليتين في مستشفى جنغ زهو الصينية، حيث أشار الأطباء إلى صعوبة العملية التي تضمنت توصيل الشرايين والأعصاب المجهرية بدقة متناهية، أسوة بأي عملية زرع أخرى.
وعلق الطبيب يورام فاردي على العملية بالقول، إن المحاذير النفسية هي أمر لا يمكن تجاوزه في عمليات الزرع. ففي حين يمكن للطبيب اعطاء المريض أدوية لمنع رفض الجسم للعضو المزروع، إلا انه لا يمكن معالجة حالة الرفض النفسية لهذا العضو لدى المريض سوى بالخضوع لجلسات معاينة نفسية. واستشهد الطبيب بحالة المريض الذي خضع لأول عملية زرع يد في العالم، وكيف انه طالب باستئصالها لاحقاً كونه لم يستطع اعتبارها جزءا من جسده لأسباب نفسية.
ولم يبد فاردي حماسة كبيرة لمثل هذه العمليات التي تهدف إلى تحسين حياة المريض، وطلب اقتصار عمليات الزرع على الأعضاء الحيوية للإنسان كالقلب والكبد، نظراً لتأثير الأدوية المعطاة لتقبل العضو على عمل الكليتين وأعضاء أخرى.
خاصية الاندماج
ويعزز هذا الفشل ما خلصت إليه دراسة أجريت على الفئران وأظهرت نتائجها أن خلايا المنشأ المشتقة من خلايا بالغة لا تقدر على صنع خلايا جديدة للقلب أو الدماغ، عند استزراعها في الجسم، وتخالف هذه الدراسة الفكرة السائدة عن قدرة خلايا المنشأ على صنع أي نوع من الخلايا قد يحتاجه الجسم، ومن المتوقع ان تترك هذه الدراسة أثراً عند الباحثين، لأنها تشير إلى ان هذه الخلايا ربما لا تفيد طبياً بالشكل الذي طالما توقعه العلماء.
ومن شأن هذه النتيجة ان تؤثر في الجدل الدائر حول خلايا المنشأ، التي لديها القدرة على تجديد ما يتلف من أنسجة الجسم، لذا تعتبر من المصادر المحتملة لشفاء الكثير من الأمراض، مثل باركنسون (الشلل الرعاش) والسكري وسواهما، وتعارض بعض الجماعات استخدام هذه الخلايا، لأن الحصول عليها يتطلب تدمير أجنة بشرية في مرحلة مبكرة من النمو. ودعت هذه الجماعات إلى فرض حظر على استخدام خلايا المنشأ التي تأتي من الأجنة البشرية، وفي المقابل، فإنها تدعو إلى التركيز على الخلايا التي يمكن الحصول عليها من أنسجة الجسم العادية، أي دون إحداث أي ضرر بالأجنة، وبالتالي فإنها لا تمس القيم الأخلاقية.
ويشير العلماء إلى خلايا الجسم العادية كخلايا بالغة، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، لأنها تقول: إن خلايا المنشأ التي تأتي من خلايا الجسم العادية لا تقدر على تجديد ما يتلف من أنسجة في الجسم، ويذكر ان دراسات سابقة أشارت إلى أن هذه الخلايا لا تعطي خلايا جديدة، وأن كل ما تفعله هو الاندماج مع الخلايا الموجودة فعلياً، أي أنها لا تصنع خلايا بديلة عن الخلايا التالفة.
ونتيجة لذلك، مال كثير من العلماء إلى القول: إن خلايا المنشأ التي تصنع من خلايا بالغة لا تملك القدرة على تجديد خلايا الجسم، وهو الشيء الذي تعطيه خلايا المنشأ التي تأتي من الأجنة، وتؤكد الدراسة الحالية ان خلايا المنشأ المصنوعة من خلايا بالغة لا تفعل سوى الاندماج في الأنسجة الموجودة، من دون تجديدها.
وبالتالي فإنها تطرح تساؤلات حول فكرة استخدام ذلك النوع من الخلايا في اصلاح ما يتلف من أنسجة في أعضاء الجسم، مثل القلب أو الدماغ، وهذا ما خلص إليه ارثور الفاريز بيوللا وفريق العمل في تقرير نشرته مجلة نايتشر العلمية في موقعها على الانترنت.
استنتاج خاطئ
وقال د. ديفيد سكاددين، مدير قسم الطب التجديدي في المستشفى العام في ماساشوستس، ان الدراسة تلقي شكوكاً كبرى حول فكرة ان خلايا المنشأ التي يُحصل عليها من الخلايا البالغة، هي في مثل قدرات تلك التي تأتي من أجنة بشرية.
وفي سياق متصل، لاحظ د. روبرت لانزا، نائب مدير برنامج التطوير العلمي والطبي في قسم التكنولوجيا المتقدمة للخلايا في جامعة وركيستر، ماساشوستس.
ان هذه الدراسة مفيدة كإنذار، وأكد ان هذا البحث أعطى أفضل دليل على ضرورة عدم وقف الأبحاث على خلايا الأجنة، وان الاستنتاج بأن خلايا المنشأ من خلايا بالغة لها نفس مواصفات تلك الآتية من خلايا أجنة، هو استنتاج خاطئ وغير ناضج. وقال البروفيسور الفاريزبوليا، وهو استاذ جراحة الأعصاب في جامعة كاليفورنيا، ان الدراسة تطيح بالآمال حول قدرة خلايا المنشأ المصنوعة من خلايا بالغة على تجديد الأنسجة، إلا انها تشير أيضاً إلى امكانية استعمال تلك الخلايا عينها بطريقة قد تساعد على علاج بعض الأمراض.
إعادة البرمجة
وتقترح الدراسة مثلاً، ان تلك الخلايا بإمكانها ان تندمج مع الأنسجة الموجودة فعلياً، وبحسب رأيه، فإن دمج خلايا منشأ الدماغ أو القلب يعطي تلك الخلايا نفس صفات الأعضاء التي ادمجت معها، وبعبارة أخرى، فإن القلب أو الدماغ بإمكانهما التأثير في جينات خلايا المنشأ، بما يجعلها قادرة على التأقلم الفاعل مع وظائف تلك الأعضاء.
وأضاف الفاريز ان هذا التأثير هو نوع من إعادة برمجة عمل الخلايا، ما يفتح الباب أمام امكانية استخدامها في علاج القلب والدماغ، وأعرب د. ايرف وايزمان، مدير مؤسسة خلايا المنشأ والسرطان في ستانفورد، وهو أحد الرواد في أبحاث الحصول على خلايا المنشأ من خلايا بالغة، أعرب عن شكه في جدوى استخدام خاصية الاندماج في شفاء الأمراض قائلاً: إن ظاهرة الاندماج هي حدث نادر، ويصعب النظر إليه كجزء من العلاج، ان التحليل المتأني لهذه الدراسة وغيرها يجب ان يدفع إلى التوقف عن الأمل في استخدام الاندماج علاجاً.