ارتفعت في السنوات الأخيرة معدلات الطلاق في المجتمعات العربية.. واحتلت مصر المركز الأول تليها الأردن ثم السعودية فالإمارات فالكويت فالبحرين فقطر، ففي مصر حسب دراسة أعدها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تقع حالة طلاق كل 6 دقائق وبمعدل 88 ألفا كل عام.. وفي السعودية تشير أحدث إحصائية رسمية لوزارة العدل إلى أن نسبة الطلاق السنوية تصل إلى 21 في المائة بمعدل ألفي حالة شهرياً و69 حالة يوميا و3 حالات كل ساعة.
أجمعت الدراسات على أن المشكلات والضغوط الاقتصادية التي تواجه المتزوجين أضعفت النظرة للزواج وقدسيته وجعلت الطلاق مقبولا اجتماعيا إلى حد ما، بالإضافة إلى أن التكنولوجيا الحديثة أسهمت في ارتفاع معدلات الطلاق نتيجة ما يشاهده كثير من الأزواج على الفضائيات والإنترنت من مشاهد مثيرة وخليعة.
السؤال الذي يفرض نفسه: ما الأسباب الرئيسية وراء تفشي هذه الظاهرة وكيف عالج الإسلام مشكلة الطلاق؟
سوء الاختيار
في البداية يقول الدكتور محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية دار العلوم جامعة القاهرة: إن من أكبر المشاكل التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية تزايد عدد المطلقين والمطلقات، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة أولها سوء الاختيار، فكثير من الشباب يسعون إلى اختيار المال أو الجري وراء الجمال أو نحو ذلك من الحسب والنسب أو الشهادات العلمية وينسون أو يتناسون أن الدين هو أساس الاختيار والسبب الأكبر لتحقيق الحياة الزوجية المستقرة والدائمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: فاظفر بذات الدين تربت يداك أي ربحت وكثر خيرها وكما قال عليه الصلاة والسلام: لا تتزوجوا النساء لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولا تتزوجوهن لجمالهن فعسى جمالهن أن يرديهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة سوداء ذات دين أفضل.
وثانيها بُعْد التربية الدينية عن الشباب والفتيات فأصبح كلا الزوجين لا يرعى الله في الآخر ولا يعرف ما له من حقوق ولا ما عليه من واجبات.
حسن الاختيار
ويرى د. غنايم أن الحل يكمن أولا في حسن الاختيار والبحث في كل من الرجل والمرأة عن الدين فهو المؤهل الأول والأكبر كما قال صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، وهذا ما لاحظناه في مشكلة الطلاق وتزايدها.
ثانيا لابد من تدريس التربية الدينية والثقافة الإسلامية ونظام الأسرة في الإسلام في مناهج التربية والتعليم في المدارس والمعاهد والجامعات لأن هذه الثقافة تعمل على استقرار البيوت وتفاهم الأطراف وشيوع روح العفو والمودة والتسامح والرحمة كما جاء في القرآن الكريم.
ثالثا: لابد من رقابة واعية على وسائل الإعلام المختلفة التي تبث المنكرات مما يهدد سلامة البيوت واستقرار العلاقات الزوجية.. ورابعا: لابد من إيجاد حلول لمشاكل العنوسة والبطالة للتقليل من أعداد المطلقين والمطلقات.. وخامسا: على الزوجين أن يعرف كل منهما حقوق الآخر وواجباته نحوه حتى يؤديها ويحافظ عليها وإذا كان جاهلا بها وجب عليه أن يسأل عنها. وأخيرا لابد من تخفيف حدة المناداة بالمساواة بين الرجال والنساء وإثارة روح التعاون والمودة والعفو والتسامح وإقامة العدل بين المتقاضين منهم.
التعسف والتسلط
يركز الدكتور محمد فؤاد شاكر أستاذ الدراسات الإسلامية في كلية التربية جامعة عين شمس على أن كثيرا من حالات الطلاق تقع نتيجة تعسف أحد الزوجين تجاه الآخر، فالزوج مثلا يستخدم الثلاث طلقات في لفظ واحد أو في مجلس واحد لأن شرعنا الحنيف جعلها ثلاثا ليكون في ذلك فسحة.. ولكن الأفضل أن يطلقها الأولى وتقضي عدتها فتكون هناك فرصة للمراجعة أو المصالحة أو الصفح من أحد الطرفين وعودة الألفة مرة ثانية إلى الأسرة، فيكون ذكر الطلاق ثلاث مرات تعسفا في استخدام الحق، وأخرج النسائي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن رجلا طلق امرأته ثلاثا جميعا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم.. وقد جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، لحديث مسلم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الطلاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر واحدة فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم أناة.
ومع أن شريعتنا السمحة أمرتنا بالرفق وأن نقابل السيئة بالحسنة وأن نصبر على الأذى لننال الأجر من الله تعالى فقال تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (الأعراف: 199) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما رجل صبر على أذى زوجته أعطاه الله أجر أيوب.. ويقول صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي.
كما أن هناك تعسفا أيضا لدى كثير من الأزواج في جعل الطلاق يمينا يحلف به في كل صغيرة وكبيرة وهذا مخالف لشريعتنا حيث شرع الإسلام لنا في الحلف أن نحلف بالله مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت.. وكثرة ترديد هذا الكلام على ألسنة قائليه يخلق عندهم التعود ويصبح الطلاق شيئا هينا بسيطا في نظرهم وإن كان بعض علماء الأمة أجاز وقوع طلاق الهازل استنادا إلى ما نسب إلى النبي الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة.
كما أن من الأسباب التي تؤدي إلى وقوع الطلاق كثيرا إصابة الأزواج بداء الغيرة المذمومة والشك في سلوك زوجته فأصبح أي تصرف يرد منها يفسره هو على هواه ويبني من خياله أمورا لم تحدث ثم يصدر أحكامه بغير روية ولا حكمة ثم يسارع بعد ذلك بكتابة نهاية الحياة الأسرية بالطلاق رغم أن الإسلام لا يبني أحكامه ولا تشريعاته على الظن والوهم، وإنما ينبغي لمن أراد أن يصدر حكما في قضية أن يتجرد من هواه.. ولا ينبغي للرجل أن يتجسس على حياة زوجته ولا يتعنت في ذلك ولقد قال صلى الله عليه وسلم: إن من الغيرة غيرة يبغضها الله عز وجل وهي غيرة الرجل على أهله من غير ريبة.. ولا يعني هذا أن الإسلام لا يقر وجود الغيرة المحمودة التي تشعر كل طرف بأنه موضع اهتمام وتقدير وتدل على نخوة الرجل وشهامته فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يغار والمؤمن يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي الرجل ما حرم عليه.. ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغيرة سعد رضي الله عنه قال: أتعجبون من غيرة سعد أنا والله أغير منه والله أغير مني.. وهذه هي الغيرة المحمودة التي لا تكون رميا بغير علم ولا يقين ولا ظنا سيئا وقد نهينا أن نظن السوء لأن الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم وهو من تتبع العورات والتجني في الأحكام والتسلط والتسرع في إصدار النتائج التي يكون من جرائها وقوع الطلاق التعسفي.
وقال د. شاكر إن من الأسباب أيضا طلاق الزوج لزوجته لأنها تنجب له البنات فقط وهذا دليل على عدم إيمانه بما قسم الله له وعدم رضاه بحكم الله وهو لا يعلم ما أعده الله لمن يقوم على تربية البنات من خير في الآخرة ونعيم مقيم، وقد يكون التعسف في طلب الطلاق بغير حق من المرأة عندما تسارع في طلب الطلاق لأقل الأمور وأتفهها أو لمطالبتها بما لا يقدر عليه كوسيلة لكراهيتها ليطلقها وغير ذلك من الأسباب التافهة.
والحل كما يرى د. محمد فؤاد شاكر أن يتجنب الرجل التلفظ بلفظ الطلاق جادا أو مازحا أو حالفا أو متوعدا.. وأن يتذكر قبل إصدار حكمه ما يترتب على هذا الحكم من ضياع للأسرة وندم على التسرع ومخالفة لشرع الله الحكيم الذي أمرنا بضبط النفس وحسن العشرة، وأن يحرص الزوج إن أراد إيقاع الطلاق ألا يكون في فترة حيض الزوجة ولا بعد طهر جامعها فيه.. وأن يعطي الفرصة بالطلاق الرجعي فربما عادت النفوس إلى صفاء ودها ونسيان ما كان من شحناء، وألا يحرم الزوجة إن طلقها من البقاء في بيتها في فترة العدة التزاما لشرع الله وإظهارا للوفاء الذي أرسى الإسلام دعائمه.. كما عليه أن يعاشر الزوجة بالمعروف فإن أراد المفارقة فليفارق بالإحسان وهذا منهج التعامل الأسري في الإسلام وأن يتذكر أن المرأة عوان عنده كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليه أن يحسن إليها ولا يتعسف في قوامته ولا يدفعها إلى الخطأ أو المطالبة بالطلاق كسبا لمنافع مادية أو غيره.
أبغض الحلال
يقول الدكتور منيع عبد الحليم محمود عميد كلية أصول الدين السابق في جامعة الأزهر إن الإسلام يعتبر أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، والرسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينصح رجلا بطلاق قط بل إنه في سيرته المباركة نجد لمحات من محاولات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم طلاق المتنازعين.. إذاً هذه القضية في الإسلام رغم أنه جعل الطلاق حقا للرجل إلا أنه قضية مكروهة لا يحبها الرسول ولا صحابته الأجلاء.
ويوضح د. منيع المراحل المختلفة التي يمر بها الطلاق والتي تبدأ بالنزاعات والخلافات التي قد تكون مرحلة طبيعية تمر بها العلاقة الزوجية لكنها تزداد حتى تصبح هي السائدة في العلاقة الزوجية ثم تبدأ مرحلة الانفصال العاطفي بين الزوجين حتى تصبح العلاقة تتسم بالمرارة والألم وتتسم هذه الفترة بمشاعر الحزن والغضب والثورة أحيانا وتميل المرأة خلالها إلى إهمال نفسها وتنعزل عن الحياة الاجتماعية، ثم تنتقل العلاقة إلى حالة الانفصال الجسدي حيث ينام كل فرد منهما في مكان منفصل أو حتى إذا استمرا في مكان واحد لكنهما منفصلان جسديا ويصبحان كغريبين وهذه المدة قد تطول أو تقصر حسب قدرة الزوجين على الصبر والتحمل، إلى أن تنتهي بمرحلة الانفصال الشرعي التي يبدأ فيها الطرفان الشروع في الإجراءات الرسمية والشرعية للطلاق وتنتهي بتأنيب الضمير والمحاسبة حيث يبدأ الفرد بتقييم صحة القرار الذي اتخذه وتنتابه في هذه الفترة أحاسيس متفاوتة من الغضب والندم والرضا.
ويضيف أن المشكلة في عصرنا الحديث تنحصر في إيقاع سرعة الطلاق الذي أصبح ظاهرة ملحوظة رغم تكاليف الزواج العالية ولكن سرعة الغضب تتحكم في الطرفين الزوج والزوجة بحيث يتمكن منهما الطلاق خلال شهور معدودة من الزواج، فإذا وصلا معا إلى مرحلة الصبر على حياتهما الزوجية فإن الله تعالى يوفق بينهما ويجب أن يتنبه الزوجان إلى أن العلاقة الزوجية ليست مجرد علاقة بين رجل وامرأة ولكنها علاقة بين عائلات وأن بينهما أبناء يجب أن يرعياهم.. فالمسألة ليست مسألة غضب ولكنها مسألة تكوين أسرة هي النواة الأولى للمجتمع، فهل يجب أن يزداد هذا المجتمع انهيارا بإيجاد أطفال للشوارع زيادة عما هو موجود؟
إذن يجب أن يكون الزوجان على المستوى الخلقي والاجتماعي الصحيح والسليم والمستنير بما أراده الإسلام منهما من تكوين هذا الزواج ليكون خدمة لدين الله وللمجتمع الإسلامي الذي يريده الله تعالى وأن يصبر الزوج على سوء أخلاق الزوجة وأن تصبر الزوجة على سوء خلق زوجها لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وإن كان للزوجة أطفال يحتاجون إليها فليجعلها حاضنة لهم إلا إذا كان هناك ما يمنع ذلك.
وتقول د. عزة كريم أستاذ علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة التي أعدت دراسة حول تزايد نسب الطلاق في البلاد العربية إنها وجدت أن من الأسباب الرئيسية الهجمة الشرسة لفتيات الفيديو كلب ونجمات الإغراء الفني اللائي يظهرن شبه عاريات مما يهدد الزوجات ويدفع الأزواج إلى البحث عن أخرى بسبب مقارنتهم الدائمة بينهن وبين عاريات الفيديو كليب والإعلانات ويعترف كثير من الأزواج بأنهم طلقوا زوجاتهم وتزوجوا أكثر من مرة بسبب ما يشاهدونه على شاشات الفضائيات من مشاهد خليعة في حين تنهمك زوجاتهم في عمل المنزل وتربية الأبناء
أسباب واهية
يقول المستشار حسن خليل رئيس محكمة استئناف القاهرة إن ظاهرة الطلاق ازدادت في الفترة الأخيرة ومعظمها لأسباب سطحية لدرجة أن بعضها يحدث قبل الزفاف وذلك قد يكون بسبب الاختلاف على أمر من أمور ترتيبات الحفل في اللحظات الأخيرة أو اشتراط العروس لمطرب معين يحيي الحفل أو أن الزوج يشخر أثناء نومه أو أن الزوجة تريد تغيير سيارتها أو أثاث منزلها وهذا في غير استطاعة الزوج وغيرها من الأسباب التي لا يصح أن يقع بسببها حدث جلل مثل الطلاق الذي يهتز له عرش الرحمن والذي هو أبغض الحلال عند الله الذي شرعه للضرورات القصوى وفي مقدمتها استحالة العشرة بين الزوجين.
لقد حرص الله عز وجل على بقاء المودة وحث على حسن العشرة ولكن عندما تحل الكراهية محل المودة والرحمة فقد رخص سبحانه وتعالى للزوج أن ينهي العلاقة بالطلاق ليستعمله عند الحاجة وفي الحدود التي رسمها له الشارع الحكيم.. وفي مقابل هذا الحق الذي قرره جل شأنه للرجل فقد كان حتما مقضيا أن يقرر للزوجة حقا في طلب التطليق، كما قرر لها حقها في أن تفتدي نفسها وترد على الزوج ما دفعه من عاجل الصداق وهو ما عرف بالخلع، وفي الحالتين فإنها تلجأ إلى القضاء الذي يطلقها لسبب من أسباب التطليق أو يحكم بمخالعتها لزوجها وهي مخالعة قال الله تعالى فيها: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (البقرة: 229) وهذا يعني حق الزوجة في مخالعة زوجها وافتداء نفسها مقابل الطلاق بتنازلها عن جميع حقوقها المالية الشرعية ورد عاجل الصداق الذي دفعه الزوج لها المثبت في عقد الزواج أو الذي تقدره المحكمة عند التنازع فإذا لم يوافق الزوج على التطليق، فإن المحكمة تقوم بدورها في محاولة الصلح بين الزوجين ثم تندب حكمين لذلك من دون الزام الزوجة بأن تبدي أسبابا لا تريد الإفصاح عنها ومن ثم لا تبحث المحكمة أسبابا معينة قانونية أو شرعية أو تحقق أضرارا محدودة يمكن أن تكون لحقت بها فإن لم يتم الوفاق وعجز الحكمان عنه تتحقق المحكمة من رد الزوجة لعاجل الصداق بعد أن تستوثق من إقراراتها ثم تحكم بالخلع الذي تقع به طلقة بائنة أخذاً بما أجمع عليه فقهاء المسلمين.