قال تعالى: «أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » (سورة النحل الآية 79). إنه عالم الريش الجميل المتناسق الألوان والأجنحة الخفاقة التي تضرب في الهواء والعيون الثاقبة الحادة التي تحدق من ارتفاع، والذيل الطويل الذي هو دفة القيادة والتوجيه للطائر، والغناء والموسيقى الرائعة الشجية والزقزقة والتسبيح للخالق. ولكل الطيور أجنحة تستخدمها في الطيران وأجسامها مكسوة بالريش لمقاومة العوامل الجوية المختلفة والحفاظ على درجة حرارتها، والطيور تبيض في موسم التزاوج وتفرخ صغارها في أعشاشها، وتقوم على تغذيتها وتنظيف ريشها بمناقيرها وتنمى فيها الخصائص التي تتميز بها، سواء أكانت أكلة حبوب وعشب أو آكلة لحوم أو أسماك.

يقول المهندس حسين الليثي في كتابه «الله خالق الكون الأعظم»: تمتاز الطيور عامة بوحدة الريش والمنقار وخاصية الطيران وتعنى بحضانة بيضها ورعاية الصغار وتدريبها بخلاف الزواحف، فإنها تضع بيضها وتتركه لعناية الأقدار، والريش في الطيور إما صلب محبوك يكسو الجناحين والذنب ويستخدم كأداة للطيران والتوجيه، وإما متهدل على باقي أجزاء الجسم ويعتبر غطاء حافظاً لدرجات حرارة أجسام الطيور، ويرجع تلون الريش إلى عوامل كيميائية تتمثل في وجود أصباغ خاصة به، ويتساقط الريش من فوق أجسامها مرة أو مرتين في السنة.
مناقير ومخالب
ومناقير الطيور على أشكال متعددة تتفق وطبيعة غذائها، فيكون المنقار مفرطحاً في الطيور التي تتغذى على المواد النباتية، وقويا ًكلابياً في الجوارح، وصلباً قصيراً في آكلات الحبوب، ورفيعاً طويلاً في آكلات الحشرات، كما تختلف أشكال أقدامها ومخالبها حسب طبيعة حياة الطائر، فمنها أقدام طويلة قوية معدة للعدو السريع وأخرى قصيرة للحفر والنبش، وثالثة مكففة للسباحة والغوص في الماء، وغيرها ملائمة للصيد أو التسلق على الأشجار وعيون الطيور قليلة الحركة، كما تمتاز بوجود جفن ثالث في زاوية العين من الداخل ينسحب في حركة جانبية تغطي العين كلها لوقاية القرنية من الشوائب وتخفيف وطأة الضوء عليها، ومما يزيد البصر حدة في الطيور احتواؤها على جزء مخروطي الشكل في تكوين العين، وبهذه المخاريط كريات خاصة تستطيع بها أن ترى بعيداً وفي كل الأجواء حتى لو كان الجو ملبداً بالغيوم والضباب.
ظاهرة عجيبة
وتمتاز الطيور بقدرتها الفائقة على الطيران والمثابرة وقوة الاحتمال، وتستطيع قطع عدة آلاف من الأميال وعبور البحار كما تفعل أنواع من الطيور المهاجرة التي تستمر في طيرانها من دون توقف أياما متتالية وتخترق طبقات الجو في مختلف الارتفاعات بسهولة وكفاءة مهما اختلف الضغط الجوي أو كثافته، وتتصف بمهارة فائقة في الصعود والهبوط أو مواجهة التقلبات والأحداث المختلفة التي قد تواجهها خلال الرحلة.
وهجرة الطيور من الظواهر الطبيعية العجيبة في حياتها. فهي ترتحل في أوقات معينة موسمية من مراقدها إلى أماكن تختارها ثم تعود إلى موطنها الأصلي في وقت معين لتفرخ فيه، ويكون هدفها من الهجرة اتقاء التقلبات الجوية العنيفة والبرد والأعاصير وقلة الطعام، وذلك بالبحث عن الدفء والراحة ووفرة الغذاء، وتهتدي الطيور خلال رحلة الهجرة بالمعالم الجغرافية الواضحة مثل شواطئ البحار والأنهار وغيرها من الهضاب والجبال والصحارى. xوقد تغير من اتجاه طيرانها حسب تلك الطبيعة واتجاه الرياح والتعرف البصري إلى المواقع التي تريدها، ثم يأتي دور قدرتها الفائقة على تعرف طريق العودة إلى مواطنها الأصلية بعد انتهاء رحلة الهجرة.

فكل نوع منها يتجمع في موطنه حتى يجيء الوقت المحدد لبدء الرحلة وهي لا تخطئه أبداً في كل عام، ويصدر أمر رئيس الفوج بالاستعداد، وتنتظم الصفوف يتقدمها القائد ثم كبار الأمهات ثم الصغار ثم كبار الذكور، وتنطلق إلى الفضاء بعد أن تكون قد تزودت بالطعام والماء اللازم في حويصلاتها، بحيث يكفيانها لساعات طويلة من السفر، ثم تنتظم الصفوف في جو السماء بهذا النظام الرائع وعلى بركة الله تتجه صوب الشمس أو علامات أخرى وقد يتعب أحدها خلال الرحلة والفوج على ارتفاع كبير من سطح الأرض، فيتقدم أحد الذكور الخلفية بسرعة ليحمله على ظهره ويواصل الطيران به من دون تخلف حتى الوصول إلى أقرب هبوط للفوج!
كأنها طير واحد
وتنتظم تلك الكتيبة الطائرة في خطوط متوازية وتكون سرعتها متماثلة، فلا يسبق أحدها الآخر ولا يتداخل في الصف، فكأنما هي أسراب طائرات نفاثة تتحرك وكأنها طير واحد، وفي هذا التشكيل الرائع تضرب بأجنحتها في الفضاء وتلمع تحت الشمس وتقطع المسافات الطويلة على هذه الحال من دون أن تنظر إلى أسفلها عابرة البحار والقفار ممشوقة القوام. حتى إذا لاحت في الأفق علامات اقتراب اليابسة أو البحيرة المعروفة للطير جيدا يبدأ القائد مع المجموعة في الدوران حولها مع تهدئة السرعة تماما كما تفعل الطائرات عند الهبوط على ممرات المطار المطلوب.
وتستمر في الدوران حول المنطقة مرات عديدة، بينما ينزل القائد لاستكشاف الموقع أولا ويطمئن لخلوه من الموانع كالشباك وكمائن الصيادين أو وجود أفواج أخرى سبقتها، وقد يطول الدوران عشرات المرات حتى يأذن القائد للمجموعة بالهبوط التدريجي في الموقع الذي يحدده، وفي نظام بديع تنزل الصفوف بترتيبها نفسه إلى المكان وتقف هادئة تماما بلا حركة حتى تسترد أنفاسها، ثم ترد إلى حافة البحيرة لشرب الماء وبعدها تبحث عن الغذاء وترتاح حتى أول ضوء من الفجر الجديد للاستعداد لباقي الرحلة.
ومن جهة أخرى يقول محمد كامل في كتابه «ثبت علمياً»: اكتشف العلماء الباحثون نوعا من الطيور المائية المهاجرة يسمى «الطائر الغواص»..عندما تخرج صغاره من البيض تكون على رأسها منطقة خالية من الريش، لونها أصفر، وعندما تجوع الصغار تتحول نتيجة لتفاعلات كيميائية معينة داخل الصغار إلى اللون الأحمر، وعندما يراها والداها يدركان جوعها فيغطسان في الماء ويحضران لها الطعام.
كما اكتشفوا نوعاً من طيور القطب الشمالي يسمى «بط الطيور» عندما يستشعر الخطر يفرز مادة كريهة الرائحة على الطعام الموجود في أمعائه ثم يقوم بقذفه من فمه على عدوه، فيبتعد عنه من شدة تلك الرائحة التي لا تطاق.
وقد أثبتت أبحاث العلماء في إيطاليا وألمانيا أن الروائح الكيماوية لها دور حاسم في هجرة الطيور، بل إنها ضرورية لها للعودة من مسافات بعيدة قد تصل إلى ألف كم.. فالروائح تكون بمثابة موجهات تمكن الطيور من الطيران إلى مواطنها.
مغامرات عاطفية سريعة
أما إناث الطيور فقد اكتشف العلماء أنها عندما تحن إلى اللقاء بالذكور من الطيور -غير شريك العمر- يخترن الطيور ذات الصوت العذب، ومن هذه الطيور طائر «الدخلة» المعروف بغنائه وشدوه.
وفي هذا الصدد يقول الدكتور «دينيس هارلكويست» الأستاذ بجامعة «لوند» السويدية: في بداية الأمر تتعايش إناث الطيور مع شركائهن من الطيور العادية، غير أن بعض تلك الإناث ترتبط بعلاقات مع طيور أخرى، وهو ما يسميه العلماء ب الجماع الإضافي ولكن لا ترتبط إناث الطيور بعلاقات مع طيور أخرى إلا إذا كنت قريبة منهن.. أي في حدود 120متراً.
هذا وتبلغ نسبة إناث الطيور اللاتي يقمن بمغامرة عاطفية سريعة مع جيران من الذكور حوالي ثلاثين في المئة.. وكان مثار استغراب العلماء ومحل تساؤلاتهم.. ما هو سبب تلك الجاذبية التي تجعل أنثى الطير تختار ذكراً لمعاشرته.
ولم تستمر محاولات اكتشاف حقيقة الأمر طويلا.. فقد توصلوا إلى أنه ليس منظر الذكر هو الذي يثير إعجاب الأنثى، حيث إن ألوان هذا النوع من الطيور تعد ألوانا خاملة، فهي بنية، ولا فرق فيها بين الذكور والإناث، ولا يتميز الطير الذكر بوجود ريش أو ذنب طويل أو ما شابه ذلك للتباهي به.. ولكن كل ما يميزه هو الغناء.. وفي ذلك يقول الدكتور دينيس: «لقد دققنا في مهارات وأحجام وأعمار الذكور، للتعرف إلى ما يجذب الإناث لمعاشرة طير ذكر إضافي، وكانت الميزة الوحيدة التي اختلف فيها الذكر العشيق هو أن لديه وصلة غناء أكبر من الشريك العادي لأنثى الطير».