ما زال الوضع السياسي في العراق يسير نحو الأزمات المتلاحقة لأكثر من سبب، منها ما يتعلق بتفسير مفهوم الكتلة الأكبر التي ستتولى تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ومنها ما يتعلق بعودة الاصطفافات الطائفية من خلال التحالف الذي أعلن نهاية الأسبوع الماضي بين ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي . فضلاً عن ذلك فإن الصراع السياسي في البلد الذي وصل إلى درجة الاحتقان قد أثر بشكل سلبي في الوضع الأمني، وما حدث يوم الاثنين الماضي من ضربات كبيرة في بغداد والبصرة وبابل والفلوجة وواسط ليس إلا دليلاً واضحاً على الاحتقان السياسي الذي ضرب البلد بعد ظهور نتائج الانتخابات . ورغم أن الجميع قد اقتنعوا بأن حل المشاكل السياسية يكون في العاصمة بغداد، إلا أن البعض بدأ يراهن على العلاقات الخارجية، في حين وجد آخرون أن تشكيل الحكومة المقبلة لا يتم إلا بحضور نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي تسربت بعض الأخبار خلال هذا الأسبوع عن وجوده في بغداد، إلا أن السفارة الأمريكية في بغداد نفت ذلك، إلا أنه ورغم هذا النفي فإن بايدن إن لم يكن متواجداً في بغداد فعلاً فإنه سيتواجد فيها في وقت قريب جداً .
ما زال التفسير القانوني لمفهوم الكتلة الأكبر التي سيكون من حقها تشكيل الحكومة العراقية المقبلة يثير خلافات كبيرة بين جانبين فقط، هما الكتلة العراقية بزعامة رئيس الحكومة العراقية الأسبق إياد علاوي وبين التحالف الجديد بين ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي . فالعراقية ترى أنها وحسب الدستور العراقي وكذلك حسب الطريقة التي تم بموجبها تشكيل حكومة نوري المالكي التي انتهت ولايتها، هي الأحق في تشكيل الحكومة المقبلة، وأنها لن تتنازل عن هذا الحق مهما كانت الأسباب والمبررات والتفسيرات القانونية . لذلك فإن هذا الاصرار ربما سيؤدي إلى حصول أحد الاحتمالين، الأول هو تمسك العراقية بحقها في تشكيل الحكومة وهذا التمسك سيجعل الرئيس العراقي المقبل يقوم بتكليف مرشحها لتشكيل الحكومة ويمنحه مدة شهر لتحقيق ذلك، وإذا لم ينجح فإن التكليف سيتحول إلى الكتلة الأخرى . أما الاحتمال الثاني فهو قيام العراقية بمقاطعة تشكيل الحكومة فضلاً عن تهديدها بالانسحاب من العملية السياسية برمتها، وإن حصل هذا الأمر فإن العملية السياسية ستسير على كف عفريت ويكون أمر انهيارها مسألة وقت ليس إلا، لأن العراقية باتت اليوم تمثل مكوناً مهماً من مكونات الشعب العراقي رغم إنها تؤكد دائماً أن تمثيلها وطنياً وليس طائفياً . في حين يرى الائتلافان الوطني العراقي ودولة القانون أن تحالفهما هو الأحق والأجدر بتشكيل الحكومة المقبلة على اعتبار أنها الكتلة البرلمانية الأكبر في البرلمان المقبل . ويرفض قادة الائتلافين أي تكليف للعراقية يدعوها إلى تشكيل الحكومة المقبلة . وهذان الائتلافان يستندان في تشبثهما بتشكيل الحكومة المقبلة إلى تفسير المحكمة الاتحادية لمفهوم الكتلة البرلمانية الأكبر التي وردت في المادة 76 من الدستور العراقي النافذ . لكن بالمقابل فإن الكتلة العراقية حتى إن قبلت بهذا التفسير، إلا إنها ترى أنها ما زالت الكتلة الأكبر، لأن تحالف الائتلافين لم يمنحهما اسماً جديداً، بل احتفظا باسميهما اللذين شاركا به في الانتخابات الأخيرة، وهذا القول مقنع جداً وربما يستطيع قادة الائتلافين تلافيه من خلال إعلان جديد لهما يطلقان من خلاله اسماً جديداً على كتلتيهما البرلمانيتين . ويتوقع المراقبون أن السجال بين الكتلتين لن ينتهي بخضوع أحدهما إلى منطق التفسير القانوني، إنما سيتجه إلى تكليف العراقية بتشكيل الحكومة وإذا نجحت في ذلك، وهذا أمر مستبعد بسبب وجود التحالف الثنائي بين الائتلافين وربما يكون ثلاثياً إذا قدم الائتلافان تنازلات كثيرة إلى الأكراد، لأن الأكراد وضعوا مصالحهم في كفة واحدة وتوحدوا من خلال تحالف جديد ضم كل القوائم الكردية التي فازت في الانتخابات الأخيرة حتى يكون صوتها موحداً داخل البرلمان العراقي في بغداد . حيث ما زال الأكراد يصرون على تولي منصب رئاسة الجمهورية في السنوات الأربع المقبلة . بينما تحاول جهات أخرى إقناعهم بتولي منصب رئاسة البرلمان لتجنيب البلد أتون أزمة سياسية خطيرة جداً . وهذا المنصب البديل يجعل منصب رئيس الجمهورية يذهب إلى إياد علاوي أو نوري المالكي بعد أن يتسلم أحدهما منصب رئيس الحكومة العراقية المقبلة .
مأزق تشكيل الحكومة
كانت الكتلة العراقية تشعر قبل موعد الانتخابات بأنها مستهدفة من قبل بعض الأحزاب الموجودة في السلطة من خلال تعرض منتسبيها والبعض من جمهورها إلى اعتقالات أو مضايقات أو إلى الاجتثاث من قبل هيئة المساءلة والعدالة . وبعد أن فازت في الانتخابات كانت تتوقع أن يتغير تعامل الجهات السياسية معها بما يضمن تكريساً لعملية تبادل السلطة بشكل سلمي . لكن الخطاب المتوتر والمتشنج والتهديدات التي اطلقها بعض أعضاء قادة الكتلة العراقية اتجاه ائتلاف دولة القانون جعل الأخير يتشدد أكثر ضد العراقية، رغم أن بعض قادة ائتلاف دولة القانون أكدوا أنه لا يمكن تشكيل حكومة عراقية من دون مشاركة الكتلة العراقية . لكن هذه التصريحات قوبلت بالرفض من العراقية لأنها ترى أنها هي الأحق في تشكيل الحكومة وكذلك الأحق في توجيه دعوة المشاركة إلى الكتل الأخرى وليس هي التي تتلقى الدعوة في هذا المجال . واعتبرت العراقية تحالف الائتلافين بمثابة محاولة للانقلاب على الدستور وعودة من جديد إلى مربع الاصطفافات الطائفية .
وأكدت العراقية تمسكها باستحقاقها الدستوري والديمقراطي لتشكيل الحكومة، كما تؤكد تماسكها ورفضها المغريات التي تحاول أطراف سياسية التلويح بها لبعض الأعضاء في الكتلة بهدف تفكيكها، معلنة ترفعها عن ممارسة هذا السلوك اللا ديمقراطي واللاشرعي لتفكيك الكتل المتنافسة . حيث أشارت مصادر من داخل الكتلة العراقية إلى أن بعض الجهات تحاول تقديم إغراءات معينة في مناصب حكومية لبعض الجهات في الكتلة العراقية من أجل محاولة تفكيكها، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل لغاية الآن .
وجددت كتلة العراقية موقفها بأنها تمثل بحق الشعب العراقي بكل أديانه وقومياته، وانها المعبرّ الأساسي عن المشروع الوطني العراقي، وعليه فإن أي استهداف للكتلة يعتبر استهدافاً للمشروع الوطني .
وعبّر قادة العراقية عن رفضهم لكل اشكال القمع والاجتثاث والإبعاد التي استهدفت وتستهدف العراقية والطيف السياسي الوطني العراقي، مطالبين الحكومة والكتل السياسية الأخرى بإيقافها فوراً وإحالة الملفات الى القضاء وفق مرافعات اصولية وتهم واضحة ومُسببة . كما تؤكد الكتلة انفتاحها على جميع الكتل السياسية الأخرى، بما في ذلك اجراء مفاوضات تدعو من خلالها الكتل الفائزة للاسراع بتشكيل الحكومة بعد المصادقة الرسمية على نتائج الانتخابات .
وقد تزامن هذا البيان مع تهديد واضح جداً أطلقه نائب الرئيس العراقي المنتهية ولايته طارق الهاشمي، الذي هو أحد قادة الكتلة العراقية، حذر فيه أنه لن يصادق على نتائج الانتخابات إذا تم أبعاد أحد الفائزين بسبب قرارات هيئة المساءلة والعدالة . ويأتي هذا التهديد ليشكل حجر عثرة أخرى أمام الإسراع بتشكيل الحكومة العراقية . حيث تم استبعاد عنصرين فائزين في الانتخابات الأخيرة من قبل هيئة المساءلة والعدالة وينتميان إلى الكتلةالعراقية . وإذا أصر الهاشمي على عدم مصادقته على نتائج الانتخابات فإن بوادر أزمة سياسية جديدة ستظهر في الأفق العراقي قريباً، وهذه الأزمة لا مخرج قانونياً في الدستور العراقي لتلافيها . لذلك فإن مسألة التعديلات الدستورية يجب أن تكون من أولى مهمات البرلمان العراقي المقبل، لأن الدستور الحالي بات من المشاكل والعقد الكبيرة في المشهد العراقي بسبب اختلاف تفسير مواده وفقراته وبنوده . حيث إن كل جهة تفسر الدستور على هواها .
عودة الاصطفافات الطائفية
إن ما شهده الأسبوع الماضي من إعلان تحالف بين الائتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون قد أرسل رسائل غير مطمئنة إلى الشارع العراقي، لأن الكثير من المتابعين للشأن العراقي قد وجدوا في هذا التحالف أكثر من مسار لا ينسجم مع التقدم الحاصل في وعي وتفكير وخيارات الناخب العراقي . المسار الأول يتعلق بوجود مخاوف واضحة جداً من عودة الاصطفافات الطائفية من جديد إلى العملية السياسية وداخل البرلمان المقبل . وهذه العودة لن تكون محمودة العواقب، بل ستكون عودة مذمومة من خلال مراجعة ما فعلته الاصطفافات الطائفية بالعراقيين في السنوات الماضية . أما المسار الثاني فهو أن أية حكومة تنتج عن هذا التحالف تكون ضعيفة جداً خصوصاً إذا لم تتم مشاركة الكتلة العراقية في الحكومة بشكل فعال وليس بشكل صوري، لأن الكتلة العراقية وبحجمها الكبير باتت كتلة مؤثرة جداً في البرلمان وكذلك في الشارع العراقي . أما المسار الثالث فإنه يشير إلى هذا الائتلاف ما زال هشاً وقد ينهار قبيل تشكيل الحكومة أو حتى بعدها، لأن وشائج تشكيله ليست متجانسة ولا مترابطة، خصوصاً إذا عرفنا الخلاف الكبير بين زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي وكذلك بعض قادة هذا الائتلاف والتيار الصدري، حيث ما زال هذا الخلاف عميقاً ولم يتم تداركه لغاية الآن .
لقاء علاوي والمالكي
انشغلت وسائل الإعلام العراقية والعربية بموضوعة اللقاء المرتقب بين زعيم ائتلاف العراقية إياد علاوي وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي . حيث هناك الكثير من المراقبين للشأن العراقي يعولون على هذا اللقاء، على اعتبار أنه يجمع بين زعيمين كبيرين فازا في الانتخابات وأن لقاءها المباشر سيكون سلاحاً بحدين، فهو إما أن يجعلهما يتقاربان كثيراً وهذا أمر ممكن جداً بعد الجهود الكبيرة التي بذلها القيادي في الكتلة العراقية حسن العلوي وهو مفكر عراقي كبير . وهذا التقارب سيخدم العملية السياسية ويساعد كثيراً على تشكيل الحكومة المقبلة ويقطع الطريق أمام عودة الاصطفافات الطائفية مرة أخرى . لكن الحد الثاني من سلاح هذا اللقاء قد يعقّد الوضع ويجعله يدخل في أزمة يكون الخروج منها في غاية الصعوبة، خصوصاً أن هناك خلافاً كبيراً جداً بين علاوي والمالكي على مضمون التفسير الدستوري لمعنى الكتلة الأكبر التي من حقها تشكيل الحكومة المقبلة .
تحرك عربي
بدأت الجامعة العربية بمراقبة الوضع السياسي العراقي عن كثب في الاونة الاخيرة، لأن الكثير من الدول العربية تخشى من تأزم الأوضاع في بلاد ما بين النهرين . لذلك فإن زيارة الرئيس العراقي جلال الطالباني الأسبوع الحالي إلى القاهرة ولقاءه بالأمين العام للجامعة العربية وكذلك بالرئيس المصري حسني مبارك وبعض القادة المصريين كان يتعلق بما يدور من أحداث في الساحة العراقية . وقد تسربت بعض المعلومات التي تقول إن زيارة الطالباني إلى مصر والجامعة العربية كان هدفها توسط بعض المسؤولين العرب لدى زعيم الكتلة العراقية إياد علاوي لكي يقبل أن يكون نائباً للرئيس العراقي في المرحلة المقبلة . لكن يبدو أن مثل هذه الوساطة لم تفعّل لغاية الآن .
الحل بيد بايدن
رغم أن الأزمة السياسية ما زالت قائمة في العراق، إلا أن الكثير من المتابعين للشأن العراقي يرون في نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن أنه حمامة سلام بين القادة العراقيين . حيث تعوّد العراقيون على رؤية هذه الحمامة تتنقل بين غرف ومقرات القادة العراقيين عند حصول الأزمات . حيث يستطيع هذا الرجل ليس بسبب حكمته ودهائه كما يعتقد البعض، بل لنفوذه وقدرته وسلطته الكبيرة على الساسة العراقيين، أن يقوم بردم الهوة التي تحصل بين الفرقاء في العملية السياسية . لذلك فإن مجرد وجوده على الأراضي العراقية فإن مسألة تشكيل الحكومة المقبلة ستتم خلال مدة وجيزة بعد أن يقوم برسم أطر هذه الحكومة بشكل دقيق جداً .
انهيار أمني
وقد شهد يوم الاثنين الماضي يوماً دامياً جديداً في العديد من مدن العراق . حيث تم استهداف العاصمة بغداد بعدة تفجيرات وبموجة من الاغتيالات النوعية التي استهدفت عناصر في الجيش والشرطة العراقيين من خلال استخدام الاسلحة الكاتمة . بينما تعرضت مدن الفلوجة في
محافظة الانبار والبصرة والصويرة في محافظة واسط والحلة في محافظة بابل، إلى هجمات متتالية بالسيارات والعبوات الناسفة، مما أدى إلى مقتل وجرح العشرات من العراقيين .
إن هذه الهجمات تحمل رسائل عديدة، منها ما يتعلق بتأكيد الجهات المناوئة للعملية السياسية بأنها موجودة على الساحة العراقية وأنها تستطيع أن تباغت السلطات الأمنية بهجمات نوعية متى أرادت، ومنها ما يتعلق بالشركاء السياسيين . حيث أكدت هذه الهجمات أن بقاء البلد يعاني من فراغ دستوري سيعرضه إلى الخطر . ومنها يتعلق بقوات الاحتلال التي تكون سعيدة بحصول هكذا هجمات، لأنها ستجعل الحكومة العراقية تضطر إلى الطلب منها البقاء على الأراضي العراقية . ولكن مع كل هذه الرسائل يبقى المواطن العراقي هو الضحية وهو الطابع الذي تمر من خلاله هذه الرسائل لتصل إلى اقطاب العملية السياسية في العراق الجديد .