وانظر إليه وهو يدخل مكة بلده الحبيب وقد أخرج منها مطارداً لا حول له ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يدخلها اليوم وهو يطأطئ رأسه حمداً لله، وشكراً على نعمته، وراءه جيش المسلمين يكبرون، وقد أخزى الله الشرك وأهله، ونصر نبيه وحزبه، فما يكون منه إلا أن يسأل أهل مكة أولئك الذين ناصبوه العداء سنوات طويلة: ما تظنون أني فاعل فيكم؟ يقولون: خير، أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول صلى الله عليه وسلم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
كان خلق العفو عند المقدرة عنده صلى الله عليه وسلم مختلطاً برحمته وكرمه وجوده وبسائر خلقه الكريم، وفي ذلك تروي لنا كتب السيرة الكثير من القصص .
روي أن أعرابياً جاءه يطلب منه شيئاً فأعطاه ثم قال: أحسنت إليك؟ قال الأعرابي: لا ولا أجملت، فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا، ثم قام ودخل منزله وأرسل صلى الله عليه وسلم إليه شيئاً، ثم قال: أحسنت إليك؟ قال: نعم، فجزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيراً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك قلت ما قلت، وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك قال: نعم، فلما كان الغد أو العشي جاء فقال صلى الله عليه وسلم: إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه، فزعم أنه رضي أكذلك؟، قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مثلي ومثل هذا، مثل رجل له ناقة شردت عليه، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً، فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه لها بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فردّها حتى جاءت واستناخت وشدّ عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار.
ما عندك يا ثمامة؟
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكر، وإن كنت تُريد المال فسل منه ما شئت، فتُرك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قُلتُ لك إن تُنعِم تُنعِم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قُلتُ لك، فقال: أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينُك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أُريدُ العمرة، فماذا ترى؟ فبشرهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره بأن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبةُ حنطةٍ حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم.
ولم يعف صلى الله عليه وسلم عن ثمامة فقط، بل عفا عن قريش وهي تناصبه العداء حين جاؤوا إليه يسألونه بالرحم أن يأذن لثمامة بأن يرسل لهم ما يحتاجون إليه من الحنطة.
من يمنعك مني؟
بل لقد صفح الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأعرابي الذي أراد قتله، فيما صح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب بن خصفة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ومن يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكنني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله فأتى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس.
وانظر إليه وإلى صنيعه مع حبر اليهود الذي أراد أن يختبر عفوه، والقصة يرويها ابن حبان في صحيحه، وفيها أن أعرابياً جاء يشكو لرسول الله صلى الله عليه وسلم شدة العيش، وزيد بن سعنة حبر من أحبار اليهود يسمع، فقال زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أشتري منك كذا وكذا وسقاً بكذا وكذا، وأخرج المال وأعطى ثمانين ديناراً فدفعها رسول الله إلى الرجل، واتفقا على موعد معلوم يقضيه في حقه، ولكنه جاء قبل الموعد، يقول زيد: فدنوت من النبي صلى الله عليه وسلم وجذبت برديه جذبة شديدة حتى سقط عن عاتقه، ثم أقبلت بوجه غليظ، فقلت: ألا تقضيني يا محمد، فوالله إنكم يا بني عبد المطلب لمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، فغضب عمر وقال: أي عدو الله أتقول هذا لرسول الله، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أخاف فوته لسبقني رأسك، ورسول الله ينظر إلى عمر ويبتسم لقوله، ثم قال: لأنا وهو أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقض حقه وزده عشرين صاعاً من تمر مكان ما رعته، وبعد أن أعطاه عمر قال زيد: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قال: أنا زيد بن سعنة، قال: الحبر؟ قلت: الحبر، قال: فما دعاك إلى أن تفعل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلت؟ وتقول له ما قلت؟ فأجاب بأنه أراد أن يختبر عفوه صلى الله عليه وسلم.