لم يحتمل قلب الأم أن ترى ابنها، مقيداً بالحديد ومعرضاً لدخول السجن، تغلبت على آلامها وقررت أمام النيابة، أنه بريء من إحراقها بالبنزين، داخل منزلهما، وتوسلت الأم إلى المحقق أن يطلق سراحه، فهي لا تقوى على رؤيته في السجن، ورغم أن ابنها هو الجاني الحقيقي إلا أنها تنازلت وتسامحت عن جريمة في حقها بعد أن أشعل النيران فيها ورفض إنقاذها.

هذه القضية تمثل نموذجا صارخا لعقوق الوالدين الذي أصبح مرضاً أشبه بالطاعون يهدد كيان الأسرة والمجتمع المسلم.

في التحقيق التالي نتعرض لأسباب الظاهرة وكيف عالجها الإسلام.

في البداية يستعرض الدكتور أحمد محمد زايد أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة سوهاج المصرية بعض أسباب العقوق مشيرا إلى أن البيئة المنزلية بشكل عام، ونقص الدفء بصفة خاصة لهما دور كبير في ظهور هذه المشكلة، فالتفكك الأسري والخلافات وزواج أحد الوالدين لها دور في تغير سلوك الأبناء، وخصوصا إذا كانت الخلافات تحدث أمامهم وبصفة مستمرة، كما أن العلاقات السطحية بين الوالدين داخل المنزل تنشئ نماذج سلبية من الأبناء، وقال: إن الآباء أحيانا يعتمدون أسلوباً تربوياً واحداً مع جميع الأبناء، خصوصاً في عقابهم، وفي هذا خطأ، لأن لكل طفل ردة فعل مختلفة عن الآخر، إذ قد يكتفي أحدهم بتجاهل التصرف الخاطئ، وقد تكون نظرة العتاب رادعة للبعض الآخر. ويجب أن ننبه الطفل إزاء التصرف الخاطئ بالكلام الحازم.

وحذر من إساءة بعض الآباء استعمال مبدأي الثواب والعقاب، فيلجأون دائما إلى العقاب ويهملون الثواب، فنجدهم ينهرون الطفل ويسارعون إلى عقابه حتى لو كان أمام الناس بحجة أنهم يخجلون من تصرفاته المشينة، ولكن بالمقابل لا يفتخرون بتصرفاته الحسنة، علما أنه من غير الممكن أن يكون الطفل سيئا في جميع الحالات، لذا علينا مكافأة الطفل على تصرفاته الحسنة، وعدم اللجوء إلى العقاب إلا عند الضرورة.

كما حذر أيضا من لجوء الآباء إلى التعنيف الجسدي لتقويم كل خطأ، فهذا يترسخ لدى الابن، ويستقر في ذاكرته وتدفعه إلى العصيان في المستقبل. وفي الوقت نفسه فإن إفراط بعض الآباء في تدليل أبنائهم، يفقدهم احترامهم وهيبتهم ومكانتهم لديهم.

قطع صلة الرحم

وفي الاتجاه نفسه يرى الدكتور صلاح زيدان الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر أن البحث في أسباب المشكلة يساهم بصورة كبيرة في حلها مؤكدا أهمية تربية النشء على مبادئ الإسلام.

ويحذر الدكتور صلاح من آثار عقوق الوالدين الذي أصبح آفة تهدد المجتمع وتتسبب في انهياره بعد قطع صلات الرحم بين الأبناء والآباء وكذلك باقي أفراد الأسرة، ويؤكد أن العاق يعرض نفسه لسخط الله وعقوبته، حيث إنه ارتكب كبيرة من الكبائر فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالها ثلاثا. قلنا بلى يا رسول الله: قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين، كما أن العاق يضيع بابا من أبواب التوفيق والتسديد في الدنيا والآخرة لأن بر الوالدين مفتاح كل خير وسبب في دفع البلاء كما جاء في الحديث في قصة أصحاب الغار، علاوة على أن عقوق الوالدين سبب العقوبة العاجلة في الدنيا فدعوة الوالدين مستجابة قال صلى الله عليه وسلم: ثلاث دعوات مستجابات وذكر منها دعوة الوالد لولده، كما أن العاق يقطع الحبل الذي بينه وبين الله وهو الدعاء فقد جاء في صحيح مسلم في خبر أويس القرني أنه كان بارا بأمه ولذلك استجيبت دعوته.

ويضيف الدكتور زيدان أن عقوق الوالدين يترك أيضا آثارا سلبية على المجتمع المسلم، فهي تؤدي إلى تفكك المجتمع الإسلامي الذي ميزه ديننا الحنيف بالتكافل كما قال صلى الله عليه وسلم: المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، علاوة على انتشار الأنانية وحب الذات وترك ما عند الله من الأجر والثواب بما في ذلك ضياع الحقوق والواجبات.

ودعا المؤسسات التربوية المختلفة لتوظف جميع إمكاناتها لتنشئة أفراد المجتمع على بر الوالدين، وهذه التنشئة يجب أن تسير على منهج تربوي قائم على تصور شرعي وعلمي يؤديان إلى نجاح تحقيق هذا الهدف.

كما دعا وسائل الإعلام خاصة التلفزيون إلى تبني قضية بر الوالدين والتحذير من عقوقهما عن طريق مواد إعلامية تبين خطورة عقوق الوالدين، وأهمية البر عن طريق أفلام ومسلسلات وأعمال درامية.

بر الوالدين

ومن جانبها ترى الدكتورة رجاء حزين الأستاذ في جامعة الأزهر وعميد كلية الدراسات الإسلامية للبنات أن الإسلام وضع القاعدة الأساسية للقضاء على العقوق حين دعا إلى بر الوالدين والذي يقصد به طاعتهما وإظهار الحب والاحترام لهما، ومساعدتها بكل وسيلة ممكنة بالجهد والمال، والحديث معهما بكل أدب وتقدير، والإنصات إليهما عندما يتحدثان، وعدم التضجر وإظهار الضيق منهما.

وأشارت إلى أن المولى عز وجل قد وضع أسس الوالدين والإحسان إليهما والتفاعل معهما من خلال قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا.

وأكدت أن الإسلام يعتبر البر بالآباء من أفضل أنواع الطاعات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، لأن الوالدين هما سبب وجود الأبناء في الحياة وهما سبب سعادتهم، فقد سهرت الأم في تربية أبنائها ورعايتهم، وكم قضت ليالي طويلة تقوم على رعاية طفلها الصغير الذي لا يملك من أمره شيئا، وقد شقي الأب في الحياة لكسب الرزق وجمع المال من أجل إطعام الأبناء وكسوتهم وتعليمهم ومساعدتهم على تحقيق أحلامهم.

وأضافت: لقد بلغت وصية الله سبحانه وتعالى بالوالدين أنه أمر الأبناء بالتعامل معهما بالإحسان والمعروف حتى ولو كانا مشركين، فقال تعالى: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون.

حقوق الأبناء

بر أبناءك يبروك هذا ما بدأ به حديثه الدكتور محمد متولي منصور الأستاذ في جامعة الأزهر حول كيفية تجنب عقوق الوالدين والقضاء على هذا المرض الاجتماعي الذي بات يهدد كيان الأسرة المسلمة، مؤكدا أن تجنب عقوق الأبناء يكون من البداية، فإذا كان للأب حقوق عند أبنائه، وهذه الحقوق واضحة في القرآن الكريم وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هناك أيضا حقوقا للابن عند أبيه، ويتضح ذلك من خلال هذه الرواية المشهورة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث جاءه رجل يشكو إليه عقوق ابنه فبعث عمر للابن فسأله: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى. قال وما حق الولد على أبيه؟ قال عمر: أن يحسن اختيار أمه، وأن يحسن اختيار اسمه. وأن يعلمه الذكر وتلاوة القرآن. وإذا بالولد يقول يا أمير المؤمنين، أن أبي لم يصنع شيئا من هذا. أما أمي فهي زنجية كانت لمجوسي، وأما اسمي فقد سماني جُعْلاً وهو اسم حشرة، ثم إنه لم يعلمني حرفا واحدا من كتاب الله عز وجل. فالتفت أمير المؤمنين إلى الأب وقال: قد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

يقول الدكتور متولي: إن هذا يعني أنه على كل أب مراعاة هذه الحقوق تجاه ابنه، فلابد أن يتم الاختيار على أساس من الدين لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: تنكح المرأة لأربع لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك.

وأكد أن السبب في المشكلات التي تدب في أوساط الأسر المسلمة هو عدم حسن الاختيار بين الزوجين على أساس من الدين وهذا بدوره يؤدي إلى العقوق من الأبناء للآباء وعدم فهم الآباء للحقوق الواجبة عليهم نحو الأبناء.

مخافة الله

الشيخ عادل أبو العباس عضو لجنة الفتوى في الأزهر الشريف يؤكد أن مخافة الله هي البلسم الشافي الذي يستطيع أن يضع الحل الناجع لكل مشاكلنا، والتي منها مشكلة العقوق، ولذلك وقف القرآن الكريم على قضية الخوف من الله، مبينا أنها الوسيلة الفعالة التي دفعت كل أرباب السوابق وأصحاب المعاصي في التراجع عما يقدمون عليه، حتى في الواقع العام استطاعت مخافة الله أن تعيد الأمور إلى نصابها.

ويذكر الشيخ عادل بقصة بائعة اللبن التي كانت تعيش مع أمها، وبينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يتفقد أحوال الرعية إذ سمع أما تقول لابنتها قومي فضعي الماء على اللبن، فقالت البنت الواثقة: يا أماه أن أمير المؤمنين نهانا، فقالت الأم: إن أمير المؤمنين لا يرانا الآن، فقالت البنت: إذا كان عمر لا يرانا فرب عمر يرانا، فما كان من أمير المؤمنين إلا أن أمر غلامه أن يضع علامة على هذا البيت، وفي الصباح جمع أبناءه وقال لهم هل منكم من يريد أن يتزوج ابنه بائعة اللبن. فقال ابنه عاصم: أنا يا أبتاه، فتزوجها فأنجب بنتا فتزوجت هذه البنت عبدالعزيز بن مروان فأنجبت خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز، وأكد أن العاق إذا تذكر مخافة الله فإنها بلا شك ستأخذ بيده إلى الطريق الحق وستكون علاجا لمشاكله في المستقبل وفي وقت الأزمات كانت هذه المخافة من أنجع الحلول لهذه المشكلة.

ويواصل الشيخ عادل حديثه حول الحلول الشرعية للمشكلة مذكرا بقاعدة كما تدين تدان وقال: فإذا تذكر أهل العقوق أنه قد يمتد بهم العمر، وقد يطول بهم الأجل، فإن أطفالهم سيكبرون كما كبروا، وسيجدون من أبنائهم ما قدموا لآبائهم، وهنا يتذكر العاق ما جاء في الأثر ما أكرم شاب شيخا لكبره إلا قيض الله له من يكرمه عند كبره وهذا دليل قاطع على أن العقوق دين سيدفع ثمنه العاق في وقت من الأوقات.

عقوبات مشددة

ومن جانبه يطالب الدكتور زكي عثمان أستاذ ورئيس قسم الثقافة الإسلامية في جامعة الأزهر بعقوبات مشددة على الابن العاق، بحيث لا يكتفي القاضي بما يرد في نصوص القانون، ويصدر حكما مشددا، ليكون هذا الابن عبرة لغيره ممن تسول لهم أنفسهم إتيان هذا الفعل المشين، ويقول إن القضاة يصدرون أحكامهم في القضايا على حسب النصوص القانونية، فعلى سبيل المثال عقوبة ضرب الوالدين ليس لها نص خاص بها، وإنما يحكم القاضي بحسب واقعة ضرب شخص لآخر أو الاعتداء عليه دون أن تضع في الحسبان العلاقة بينهما، لذلك وجب إعادة النظر في نصوص القوانين لتكون عقوبة الاعتداء على الوالدين أشد.