بعد أشهر من التوتر المكتوم، خرج الفتور في العلاقات المصرية الليبية إلى سطح التفاعلات بين الدولتين . وتفتحت ملفات وقضايا كانت محل بحث وسجال بينهما استمر لما يقرب من عام ونصف العام، منذ نجح الثوار الليبيون في القضاء على معمر القذافي في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2011 . على رأس تلك القضايا ملف تسليم المسؤولين الليبيين المقيمين في مصر الذي كشف أن سلسلة طويلة من الإجراءات المتبادلة على الحدود وبشأن العلاقات الاقتصادية والعمالية وغيرها، لم تكن هي السبب الحقيقي في تباعد الثورتين . بيد أن تلك القضايا ذاتها أضافت إلى سجل النقاط السلبية في العلاقات، فضلاً عن أن ملف المطلوبين ذاته لم يتم حله نهائياً وإنما أصبح مفتوحاً ومطروحاً بشكل علني وصريح فقط . الأمر الذي يعني أن العلاقات المصرية الليبية لاتزال بدورها مفتوحة على الاحتمالات كافة .

تلاحقت التطورات بين مصر وليبيا في الأيام القليلة الماضية، على خلفية القبض على أحمد قذاف الدم أحد أبرز رموز نظام القذافي الذي لجأ إلى مصر بعد أسابيع قليلة من نشوب الثورة ضد القذافي في السابع عشر من فبراير/شباط ،2011 إضافة إلى اثنين آخرين من أبرز رموز نظام القذافي هما محمد علي منصور القذافي مدير إدارة صندوق التمويل الإنتاجي الليبي سابقاً، وعلي محمد الأمين ماريا القائم بأعمال السفير الليبي سابقاً .

لم تكن عملية القبض على قذاف الدم هي بداية التطورات المهمة بين البلدين في الآونة الأخيرة، وإنما تمثل الحدث الأبرز الذي يمثل بالفعل علامة فارقة ومحطة تفصل ما كانت عليه العلاقات قبلها عما يمكن أن تتجه إليه بعدها . فقد سبق توقيف ابن عم القذافي تصاعداً في مظاهر الفتور والتباين بين القاهرة وطرابلس بسبب ملفات تهريب السلاح عبر الحدود وحماية الرعايا ومرور التجارة . الأمر الذي أدى إلى إصابة مسارات التعاون المشترك بالتعثر إلى حد توقف بعض المشروعات التعاونية والاستثمارات المتبادلة . كان آخرها رفض الجانب الليبي دخول البنك الأهلي المصري إلى السوق الاقتصادية والمصرفية الليبية . قبل أن تنفرج الأمور بشكل مفاجئ أيضاً وبعد أربعة أيام فقط من القبض على قذاف الدم .

عقدة قذاف الدم

كان وجود أحمد قذاف الدم في مصر طوال الفترة الماضية سبباً في استياء غير معلن من الجانب الليبي تجاه السلطات المصرية . وهو أمر يسبق تولي محمد مرسي مقاليد الرئاسة في مصر ويعود إلى فترة حكم المجلس العسكري، الذي بدا واضحاً أنه يرفض تسليم أي من مسؤولي نظام القذافي إلى الجانب الليبي . وظلت طرابلس تنتظر خطوة إيجابية من جانب القاهرة في هذا الخصوص حتى تم نقل السلطة في مصر إلى رئيس مدني، وكانت التطورات الداخلية في ليبيا لا تساعد أيضاً على تكريس جهود استعادة المطلوبين في الخارج بشكل عام وليس في مصر فقط . ومعروف أن طرابلس تمكنت بصعوبة من القبض على عبدالله السنوسي مدير مخابرات القذافي وكنز أسراره الأمنية . غير أن حالة قذاف الدم لم تكن تقل أهمية ولا خطورة من المنظور الليبي نظراً للاستثمارات الضخمة التي يمتلكها الرجل في مصر ودول أخرى، والتي يعود معظمها أصلاً إلى الشعب الليبي وليست ممتلكات خاصة .

على الجانب المصري، لم تبد القاهرة أي إشارة لإمكانية تسليم قذاف الدم أو التجاوب مع المطلب الليبي الذي عادت طرابلس وكررته فور تولي مرسي السلطة . ومنذ ذلك الحين والطلب الليبي مودع لدى الجانب المصري بشقيه القضائي ممثلاً في النيابة العامة . والسياسي ممثلاً في الرئاسة . وغني عن الإيضاح أنه في تلك الأحوال يكون دائماً لأجهزة الأمن حضور وكلمة في تقدير الموقف وتشكيل القرار المتخذ . في المحصلة لم يصدر عن الجانب المصري ما ينم عن نية لاتخاذ قرار بتسليم قذاف الدم في أي وقت .

ورغم أن العلاقات بين الجانبين متشعبة أصلاً وشهدت فيما بعد الثورتين تفاعلات كثيرة إيجابية وسلبية، إلا أن عقدة قذاف الدم ظلت مستحكمة ولم تتم زحزحتها من طريق العلاقات، على الرغم من عدم اعتراف الطرفين صراحة بمحوريتها وتأثيرها في العلاقات . لكن ما كان يظهر على السطح هو تطورات مفاجئة أو أحداث غير مبررة مثل التعدي على الكنيسة الأرثوذكسية في بنغازي، فرض قيود وإجراءات تقيد دخول المصريين إلى ليبيا . إغلاق الحدود ومنع مرور الشاحنات . وفي المقابل حاولت مصر كثيراً الحد من عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود الغربية مع ليبيا، كما قامت قبائل مطروح والسلوم بأكثر من محاولة للتنسيق مع الجانب الليبي في هذا الشأن، وكذلك في حل الأزمات المتكررة على الحدود سواء بشأن التأشيرات أو تنظيم عمليات دخول مرور الأفراد والبضائع بين الجانبين .

ولم يكن مستغرباً أن تشهد العلاقات تذبذباً بين الفتور والهدوء في ضوء عدم تصفية ذلك الملف الإشكالي، أي ملف المطلوبين، خصوصاً ابن عم القذافي . بل إن القضايا الأخرى التي كانت تتراوح بين سبب أو مظهر للتوتر، راحت هي الأخرى تزداد وتتعقد بمرور الوقت . وكان آخرها القبض على مصريين مسيحيين في ليبيا بتهمة التبشير للديانة المسيحية، وما تبعها من وفاة لأحد أولئك المصريين المتهمين . الأمر الذي أثار حفيظة مسيحيي مصر وولد ردود فعل غاضبة وصلت إلى حد الاعتصام أمام السفارة الليبية والمطالبة بطرد السفير، مما دفع السفارة إلى تعليق أعمالها، وبالتالي تعطيل معاملات آلاف من المصريين الذين يترددون على السفارة . وكان لافتاً تزامن هذا التطور الجديد مع تأزم الموقف على الحدود بين الجانبين سواء لجهة تكدس الشاحنات المصرية بل وإعادتها من دون المرور داخل ليبيا، أو ترحيل أعداد من المصريين في ليبيا لعدم استيفاء الإجراءات القانونية اللازمة للدخول أو البقاء للعمل . بينما استمرت عمليات ضبط شحنات أسلحة مهربة عبر الحدود من ليبيا إلى مصر، وبلغ عددها في الأسبوعين الأخيرين فقط ثلاث حالات تم خلالها ضبط أنواع متنوعة من السلاح من بينها صواريخ قصيرة المدى . تلاحقت تلك التطورات وتضافر فيها الجديد المفاجئ مع القديم المتراكم، لتشكل حالة تأزم حقيقية بين الدولتين على المستويين الشعبي والرسمي . وهو ما دفع رئيس الوزراء الليبي علي زيدان إلى المسارعة إلى زيارة مصر حاول خلالها تخفيف الاحتقان وفي الوقت ذاته توضيح الموقف الليبي من تلك التطورات وتكرار مطالب ليبيا بشأن الملفات العالقة مع تأكيد الحرص على علاقات جيدة مع القاهرة .

انفراجة مؤقتة

كما كان لافتاً تزامن تلك التطورات السلبية وتراكمها معاً لتشكل موقفاً ضاغطاً على الطرفين، كان مثيراً للدهشة أيضاً أن تنفرج تلك الأزمات كلها بالتزامن . مع ملاحظة أن انفراجها جميعاً جاء تالياً لقيام السلطات المصرية بالقبض على قذاف الدم ومنصور وماريا . فما إن تم توقيف قذاف الدم حتى توالت التصريحات الإيجابية من الجانب الليبي، بالتوازي مع تصريحات أخرى مبشرة من الجانب المصري . وعلى المستوى العملي بدأ تخفيف الأزمة وحلحلة الموقف المعلق على الحدود . وأعلن السفير الليبي الجديد لدى القاهرة محمد فايز جبريل أن وديعة قيمتها ملياري دولار ستقدمها ليبيا دعماً للاقتصاد المصري . كما أبرمت مؤسسة النفط الليبية اتفاقاً مع مصر يقضي بتكرير مليون برميل نفط شهرياً في مصر، لتوفير احتياجات البلدين من السولار . وفي إشارة أخرى مهمة ذكرت مصادر اقتصادية أن الحكومة الليبية تبحث جدياً منح مصر حصة من مشروعات إعادة الأعمار . وبالفعل وصل هذا الأسبوع إلى ليبيا وفد مصري يضم ممثلين لشركات حكومية وخاصة تعمل في قطاع المقاولات والخدمات النفطية للتوصل إلى توافقات بشأن حجم وترتيبات المساهمة في مشروعات إعادة الإعمار .

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، إلى أي مدى يمكن اعتبار تلك التطورات الإيجابية علامة تحول إيجابي حقيقي في العلاقات؟ إجابة هذا التساؤل تكمن في شقين، أولهما يتعلق بمدى استجابة التطورات الأخيرة لمطالب الدولتين ومواقفهما من الملفات المعلقة . الثاني يتصل بإمكانية تطوير أسس ثابتة ومصالح متبادلة هيكلية تضمن دوام التحسن في العلاقات أو على الأقل استقراره على مستوى معين .

في الشق الأول، يجب الإقرار بأن التطورات الأخيرة لم تصل إلى حد الاستجابة الكاملة لمطالب الدولتين، خصوصاً في ما يتعلق بالعقدة الأصلية وهي مسألة تسليم قذاف الدم . إذ لم تكن مصادفة بالطبع أن يتم تسليم منصور وماريا فقط، واحتجاز ابن عم القذافي رهن التحقيق . صحيح أن موقفه القانوني يجعله موضع اتهام بجريمة مقاومة السلطات وحيازة سلاح بدون ترخيص وغيرها من اتهامات تكفل محاكمته وسجنه في مصر . لكن الواضح أيضاً أن أهمية قذاف الدم وخصوصيته تجعلان قرار تسليمه إلى الجانب الليبي غير مستوف لشروطه أو متطلباته المصرية بعد . فربما ترى القاهرة أن التحول الإيجابي والإقبال الليبي على تحسين العلاقات مع مصر خصوصاً اقتصادياً، بحاجة إلى مزيد من الإجراءات التأكيدية من جانب طرابلس أو على الأقل بعض الوقت حتى تستقر مسارات التعاون والمصالح الجديدة التي بدأت تلوح في الأفق .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن قذاف الدم هو درة التاج في ملف المطلوبين الليبيين في مصر، إلا أن هناك 36 مطلوباً لا يزالون في مصر أحراراً . وهو ما قد يجعل للملف تطورات أخرى لاحقة لن تقتصر على قذاف الدم وحده .

الشق الثاني من محددات مستقبل العلاقات الثنائية، يتعلق باستحقاقات مطلوبة وضرورية لبناء علاقات مؤسسية على أسس قوية وسليمة، بأن يتم التوافق على مجالات انتفاع متبادل تسند إلى التميز النسبي للدولتين، كما هو الأمر بالنسبة إلى اتفاق تكرير النفط والاستفادة المشتركة من نواتج التكرير . فهو النموذج الذي يمكن تطبيقه، لكن على نطاق واسع وفي مختلف المجالات مع إبعادها قدر الإمكان عن قيود وتأثيرات السياسة . بيد أن تلك الأرضية الثابتة البعيدة عن السياسة تحتاج بدورها إلى وقت وإرادة مستمرة وتغاضٍ عن العثرات والأزمات التي تستجد على الطريق .

إذاً يمكن القول بثقة: إن صفحة جديدة في العلاقات المصرية الليبية قد فتحت بالفعل، لكنها ليست الصفحة الأخيرة، ومن الصعوبة بمكان التنبؤ بما إذا كانت هذه الصفحة البيضاء ستوفر أرضية قوية تتيح لصفحات تالية أن تسير بالعلاقات قدماً نحو مزيد من الوثوقية والترابط، أم أن التفاؤل بذلك تشوبه بعض المبالغة .

[email protected]