أثارت عمليات إعادة غجر شرقي أوروبا إلى رومانيا وبلغاريا، والتي شرعت فيها السلطات الفرنسية، ردود فعل متباينة وجدلاً واسعاً عم أرجاء القارة الأوروبية . حدث ذلك على الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي تُقدم فيها فرنسا على مثل هذا الإجراء، ففي العام الماضي رحّلت أكثر من 11 ألف غجري إلى صوفيا وبوخارست، بزيادة 20 في المئة عن المرحلين العام 2008 . وبعيداً عن الإحصاءات، فجّرت القضية أسئلة عدة منها: مَن هم الغجر؟ ومن أين أتوا إلى أوروبا؟ وما المشكلات التي يواجهونها؟ ولماذا يقابلون بالنبذ والتهميش؟ ولماذا لم تنجح محاولات دمج بعضهم في المجتمعات الأوروبية؟

كلمة الغجر يحيطها الغموض وتثير الرعب أحياناً، والشفقة أحياناً أخرى، تتعاطى معها مخيلة الكثيرين بطرق مختلفة، ودارت حولهم الأساطير التي ألهمت الشعراء والكتاب فتناولوا أعمالهم كونهم بشراً يجسدون الطبيعة الحرة والحب العميق والخيانة الجسورة، والانفعالات المنفلتة . وهم جماعات كتب عليها الترحال منذ نحو 17 قرناً، وتسعى حالياً إلى معرفة أصلها، ووجودها، وكيفية انتشارها في بلاد العالم .

لهم عالمهم الخاص الذي يشبه عالم الأساطير، ظن البعض ولوجه محرماً، واعتبره كثيرون وقفاً على أصحابه فلا يعرف أسراره سواهم، يطوون هذه الأسرار بين خباياهم، في الشتاء يغرقونها في السواحل، وفي الصيف ينقلونها معهم إلى أعالي الجبال .

خصصت مئات الكتب للحديث عنهم، واستخدمت طرق شتى لخرق أسرار أصولهم وفك رموز ترحالهم الدائم، وتسلسل اختلاط قبائلهم .

وبالرغم من تعدد المحاولات، إلا أن سرهم ما زال غامضاً، وشعبهم ما زال الأكثر مدعاة إلى الدهشة في تاريخ البشرية .

يقطن الغجر بلاد أوروبا منتشرين في أنحائها منذ القرن الخامس عشر، ويُقدّر عددهم بين اثني عشر إلى خمسة عشر مليون نسمة، يتركز أغلبهم في شرقي القارة، يعيشون حياة التنقل والترحال، إذ خافهم الناس فابتعدوا عنهم وتجنبوهم .

ويبلغ عدد الغجر الروم في فرنسا نحو 15 ألفاً يعيشون غالباً في مناطق عشوائية، أما في رومانيا فيتراوح عددهم ما بين 530 ألفاً إلى 2،5 مليون، وحققت بوخارست تقدماً في مجال تعليمهم .

يتكلم البعض منهم لغة مشتركة قد تكون من أصل هندي، ولدى بعضهم ثقافة وتقاليد متشابهة، ولهم أسماء مختلفة باختلاف اللغات والأماكن التي يعيشون فيها، فمن أسمائهم الشائعة في أوروبا الروم .

وبحسب الدراسات، ينحدر هؤلاء أصلاً من شعوب الهند وإيران ومناطق وسط وجنوبي آسيا، إلا أنهم تركوا أراضيهم في القرن الرابع الميلادي، وفي أواسط القرن الخامس عشر ورحلوا إلى مناطق المجر وصربيا وباقي بلاد البلقان الأخرى، وانتشروا بعد ذلك في بولندا وروسيا، وتوسعت تحركاتهم حتى بلغوا السويد وإنجلترا في القرن السادس عشر الميلادي، واستوطنت أعداد كبيرة منهم إسبانيا في ذلك الوقت .

وتذكر بعض الدراسات أنهم ينحدرون من جبال الكربات في يوغسلافيا .

وأرجع عدد من العلماء أصولهم إلى مصر، وإثيوبيا، وبلاد فارس .

واكتشف المؤرخون من دراساتهم أن تاريخهم يعود إلى أصول البشرية، أي إلى ما قبل 3000 سنة من التاريخ القديم، إذ تجمعت آنذاك على شواطئ الهندوس قبيلة من الجنس الأبيض، يتقن أفرادها صنع المعادن ويعرفون أسرار البرونز، أطلعوا عليها شعوباً أخرى .

وبدأت هجرات هذه الجماعات سنة 1000 قبل الميلاد، فانطلقت من الهند، نحو آسيا الصغرى، ومن هناك انقسمت إلى مجموعتين كبيرتين، ثم إلى فروع متعددة .

اتجهت قافلة صوب جزيرة كريت وبلاد البلقان، وتقدمت أخرى نحو مصر وشمالي أفريقيا، لتصل أخيراً إلى إسبانيا، وتفرع منها قسم آخر اتجه إلى شبه الجزيرة الإيطالية، ومنها عبر إلى سويسرا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا، ثم إلى إنجلترا . وانطلقت فروع أخرى إلى شمالي أوروبا والدنمارك والسويد .

وانتظم الغجر منذ ذلك الحين في طبقات اجتماعية اختلفت عاداتها وأنماطها الحياتية .

وأسهمت لغتهم المشتركة في الحفاظ على وحدة عميقة بين صفوفهم، فهم ينصّبون رئيساً يتميز بعصاه وبالأزرار المذهبة على سترته، يمارس سلطة مطلقة، ويطلق الأحكام القضائية التي لا تقبل استئنافاً، كما أنه هو الذي يبارك الزواج، وفقا لعاداتهم القديمة .

ويعزو المؤرخون رحيلهم إلى أوروبا، إلى هربهم من غزو التتار لروسيا، وتقول الروايات إنهم وصلوا أولاً إلى المجر قبل التشيك في العام ،1415 وسمح لهم الإمبراطور التشيكي سيغيزموند الأول بالإقامة في مناطق غير مأهولة وبالتنقل في أراضي التشيك ومورافيا، وهو ما اعتبره الغجر مصدر فخر واعتزاز .

وهكذا انطلق الغجر في أول قافلة لهم تعبيراً عن فرحتهم الكبرى عبر مجموعة مؤلفة من فرسان متأنقين وكلاب صيد ونساء متزينات بحلي لافتة للنظر .

ويعيش أغلب الغجر في جمهورية التشيك حياة خاصة بهم تجعلهم مختلفين من حيث العادات والتقاليد والسلوك، ويعود ظهورهم في التشيك، حسب الوثائق المدونة، إلى القرن ال15 وتحديداً في العام 1417 . وتقول بعض الروايات إنهم ذهبوا إلى أوروبا من الهند في القرن العاشر الميلادي تقريباً، اعتماداً على الأبحاث اللغوية الحديثة التي تشير إلى أن اللهجة الغجرية تعود إلى الأصول السنسكريتية .

وفي دراسة للدكتور رايكو جوريتش، وهو باحث يوغوسلافي غجري الأصل اهتم بالبحث في أصول الغجر التاريخية، وجد أن أصولهم تعود إلى القبائل الهندية التي بدأت الهجرة منذ 1500 سنة إلى أوروبا والشرق الأوسط، ووصفهم بأنهم قوم يقتحمون المخاطر ويملكون الجرأة على دخول المناطق الممنوعة والمجالات التي يتخوف الناس من دخولها، وهذا ما يتعارض مع قوانين وأعراف هذه الدول، فقوبل أسلوب حياتهم بالرفض، وعندما وصلوا إلى أوروبا، بدأ صدور القوانين الاستثنائية التي تعزلهم عن المجتمع .

وامتهن الغجر الصيد، كما كانت لهم خبرة بطب الأعشاب، وكان من السهل تمييزهم من أنماط ثيابهم، ولغتهم، فكانت النساء يرتدين الملابس الفضفاضة المزركشة، ويتخذن زينة من الحلي المختلفة بشكل كثيف، ويضعن على آذانهن حلقات كبيرة من الفضة يضفي عليها مسحة جمالية خاصة . وكن يزين وجوهن ويسبلن الشعر الأسود على جانبيها، أما الرجال فكانوا يرتدون الملابس المبهرجة متعددة الألوان ويضعون لفافة حول الرقبة .

وكانوا يستخدمون العربات التي تجرها الخيول والبغال والحمير، ومع اكتشاف المحركات التي تعمل بالبترول، تخلوا عن هذه العربات، ولم يعد يستخدمها سوى عدد قليل منهم .

وكانوا يعيشون في الخيام، أو على ظهور عرباتهم، التي كانوا يزينونها برسومات مختلفة، ويخصص منها الغجري ربع مساحتها لزوجته مع وجود فتحة في الأعلى للتمكن من إشعال النار بداخلها .

يتزوج الغجري بالغجرية في سن مبكرة، حسب تقاليدهم، وتبدأ أولى خطوات الزواج بأن يعطي الغجري الفتاة التي يختارها للزواج لفافة عنقه، وإذا ما ارتدتها، فهذا يعني أنها قبلت الزواج به، والطلاق نادر الحدوث بين الغجر .

وهناك عادة غريبة للزواج، وهي أن يتصافح الزوجان ثم تكسر قطعة من الخبز وتسكب عليها قطرات من الدم من إبهاميهما، ثم يأكل كل واحد منهما القطعة التي فيها دم الآخر، ثم يكسر ما تبقى من القطعة على رؤوسهما، وبعدها يغادران مكان الاحتفال، ولا يحضران إلا في اليوم التالي للمشاركة في الغناء والرقص، وبذلك يتم الزواج .

تعد المرأة الحامل عند الغجر غير طاهرة، وبالتالي كانت تعزل في خيمة منفصلة بعيدة عن العربة، وعند قدوم وقت الولادة، تذهب بعيداً بمفردها إلى شجرة لتضع مولودها، كما يمكنها أن تضعه في خيمة أخرى . وتستمر فترة العزل للمرأة بعد الولادة لمدة تتراوح بين أسبوعين إلى شهرين، بعدها تمارس حياتها العادية، ولا يلمس والد الطفل ولده إلا بعد تعميده . وتغيّر الوضع الآن فأصبح بمقدور الغجرية الذهاب إلى المستشفى للولادة، ويستطيع الزوج أن يزورها هناك .

وكان من تقاليد الغجر أنه عند وفاة أحدهم، تحرق عربته، أو تبنى خيمة لتدميرها، وقبل دفن الميت يتوقف الغجر عن تناول الطعام والشراب، ويكلف ثلاثة منهم حراسة الجثة من الأرواح الشريرة، ويوضع الميت بعد إلباسه أحسن الثياب في كفن واسع يضم ممتلكاته، أما المرأة فلا تدفن معها ممتلكاتها الثمينة، بل ترثها بناتها، واستمرت هذه العادات حتى عام 1915 .

ولدى الغجر اعتقاد بأن للإنسان ثلاثة أصول، وأن للبشر ثلاثة أجداد، أحدهم أسود وهو جد الأفارقة، والآخر أبيض وهو جد الأوروبيين وبيض البشرة، والأخير هو جد الغجر، يسمونه كين، وهو الذي قتل شقيقه فعاقبه الله بأن جعله وذريته يهيمون في الأرض، حسب عقيدتهم .

وتذكر رواية أخرى أن سبب تفرقهم في الأرض هو أن الجد الغجري أسرف في شرب الخمر وثمل وهام على وجهه في الأرض .

مهن الغجر تخضع لطبيعة حياتهم المتنقلة، فامتهنوا تجارة بيع الأحصنة والبغال والحيوانات الأخرى، وعملوا في أنواع التجارة الصغيرة المتنقلة، والصناعات اليدوية كأعمال الفضة والحديد وصياغة الذهب .

يشتهرون بتقديم الموسيقا في المنتزهات والسيرك .

انقسم الغجر في دياناتهم فأصبح جزء منهم مسلمين، كما في البوسنة والهرسك، بينما جزء آخر تبع مذهب الأرثوذكس في صربيا والجبل الأسود، كما أصبح معظمهم في غربي أوروبا روماناً كاثوليك، ولكنهم حافظوا على كثير من معتقداتهم السابقة .

تعدّ غالبية الشعوب الغجر ضيوفاً غير مرغوب فيهم، يثيرون النفور، واضطرتهم التطورات في القارة الأوروبية وفتح الحدود إلى ترك أوطانهم بحثاً عن ظروف حياتية أفضل، فأثاروا المخاوف .

وعند بداية ظهورهم في أوروبا، صدرت ضدهم تشريعات مجحفة، نتيجة الصور التي رسمت عنهم، فهبطوا إلى أسفل السلّم الاجتماعي وأصبحوا من الفئات غير المرغوبة . وقوبلوا بالرفض والاحتقار والازدراء، ووصلت الخرافات الشعبية إلى القناعة بأنهم يحملون معهم الموت والأمراض .

ويرفض الأوروبيون ممارساتهم غير المقبولة مثل السحر والشعوذة، وألقوا على كاهلهم بمسؤولية المشكلات التي حاصرت المجتمعات التي وجدوا فيها .

ومعاناة الغجر ليست وليدة اليوم، فمنذ القرن السادس عشر وحتى القرن قبل الماضي، سنّت فرنسا عشرات القوانين ضدهم .

والتمييز ضد الغجر ليس في فرنسا وحدها، ولكنه ممتد أينما وجدوا، فإسبانيا أصدرت قانوناً عام ،1499 يجبر الغجري على الإقامة الجبرية وعدم التنقل لمدة شهر، فإن لم يفعل يجلد مئة جلدة ثم يطرد من البلاد . وإذا عاد إلى البلاد وكرر فعلته عوقب بقطع أذنيه وتكبيله بالحديد مدة ستين يوماً ثم يطرد مرة أخرى، وإذا ما عاد يحق لمن يعثر عليه استعباده .

وفي العام ،1560 حرّمت عليهم إسبانيا التنقّل في جماعات تتجاوز الفردين، وعوقب كل مخالف ممّنْ تجاوزوا سنّ الرابعة عشرة بثمانية عشر عاماً من الأشغال الشاقّة . أما رومانيا فكانت تعاملهم رسميا كعبيد حتى عام 1856 .

وفي إيطاليا، تسجل السلطات بصمات أصابعهم استناداً إلى أصلهم العرقي .