حاولت المهندسة الشابة منع زوجها من الحديث هاتفياً مع إحدى زميلاته في العمل كل ليلة، فلم تنجح في مهمتها، حيث حاول الزوج إقناعها بأن مشاعره تجاه هذه الزميلة التي تعاني من مشكلات أسرية لا تختلف عن مشاعره تجاه شقيقته، فلم تقتنع الزوجة الغيورة وهددته بترك منزل الزوجية والانتقال إلى منزل أسرتها، لو عاد واتصل بها أو رد على اتصالاتها، وعندما همت الزوجة بتنفيذ تهديدها وجمعت ملابسها حاول الزوج منعها وتحول الموقف من عتاب إلى شجار انتهى بأن أمسك الزوج بسكين وهدد زوجته بقطع رقبتها لو أصرت على الخروج من دون إذنه، وسيطر الشيطان على الزوج العصبي ليطعن زوجته العندية في رقبتها بالسكين خلف باب الشقة، وتسقط غارقة في دمائها لسبب تافه وعناد
لا مبرر له وغيرة مفرطة من الزوجة، وتهور وحماقة من الزوج . هذه الواقعة - التي شهدتها أخيراً مدينة بورسعيد المصرية - مجرد نموذج لمشكلات ومشاجرات وجرائم تحدث يوميا داخل كثير من منازلنا، نتيجة الإفراط في الغيرة الزوجية سواء من جانب الزوج أم الزوجة، نتيجة التخلي عن آداب وأخلاقيات الإسلام . . فما الحدود الشرعية للغيرة الزوجية؟ وكيف يتعامل كل من الزوجين مع الطرف الآخر الذي تسيطر عليه الشكوك والظنون؟ وهل الإسلام يدين غيرة أحد الزوجين على الطرف الآخر؟ هذه التساؤلات وغيرها مما يتعلق بالغيرة الزوجية عرضناها على عدد من علماء الإسلام وأساتذة علم النفس والاجتماع . . وهذه خلاصة نصائحهم لكل زوج أو زوجة تعاني من مشاعر غيرة مفرطة ليس لها ما يبررها .
في البداية تؤكد د . عزة كريم، أستاذة علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، أن الإفراط في الغيرة الزوجية -كما تؤكد الدراسات الاجتماعية والنفسية- يقف وراء نسبة كبيرة من المشكلات والجرائم الأسرية، فضلاً عن الخلافات الزوجية التي تنتهي بالطلاق .
وتؤكد د . عزة أن الغيرة الزوجية هي ملح الحياة الزوجية، فلا مذاق ولا طعم لهذه العلاقة الحميمة بين الزوجين من دون وجود شعور بالغيرة، فالغيرة تشعر كل طرف بحاجته لشريك حياته، وإصراره على عدم التفريط فيه، ورغبته في الاستحواذ عليه، وعندما تكون هذه الغيرة معتدلة وفي محلها فهي تضاعف من مشاعر الحب بين الطرفين، وتعطي للحياة الزوجية مزيداً من الدفء .
لكن الإفراط في هذه الغيرة والدخول بها دائرة الشكوك والظنون والاتهامات الكاذبة، يحولها من شعور غريزي مطلوب ومرغوب إلى سلوك مدمر للثقة بين الزوجين ومشوه للسمعة وجالب للمشكلات والمشاجرات اليومية، التي كثيراً ما تنتهي بالطلاق أو بجريمة يرتكبها الزوج ضد زوجة بريئة أساء الظن بها، أو جريمة من زوجة متهورة ضد زوج يتصرف بحسن نية وتعاني زوجته من شيطان الغيرة المفرطة .
لذلك ترى د . عزة كريم ضرورة ابتعاد كل من الزوجين عن مواطن الشبهات وعدم العناد في هذه المسألة، فخراب البيوت لأسباب تافهة من هذا النوع سلوك أحمق من الزوجين، والاندفاع لارتكاب جريمة تحت شعار الغيرة هو في حقيقة الأمر سلوك إجرامي لا يقبله أحد .
من هنا فإن الحل -من وجهة نظر خبيرة العلاقات الاجتماعية- هو الشفافية والحوار بين الزوجين، والاعتدال في الغيرة بما يضعها في إطارها الاجتماعي والأخلاقي المطلوب والذي يحقق أهدافها النفسية والاجتماعية الرائعة .
خلق الإنسان السوي
الدكتور محمد نبيل غنايم، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة القاهرة، يوضح أن الغيرة خلق كريم جبل عليه الإنسان السوي الذي كرمه ربه وفضله، وقد أعلى الإسلام قدرها وأشاد بذكرها ورفع شأنها، حتى اعتبر الدفاع عن العرض والغيرة عليه جهاداً يبذل من أجله الدم، ويضحى في سبيله بالنفس، ويجازى فاعله بدرجة الشهيد في الجنة . ويقول: إن صفة الغيرة يشترك فيها الرجال والنساء، وهي أكثر وأشد لدى النساء، وتتأجج أكثر إذا أحست المرأة بخيانة زوجها أو بتطلعه إلى الأخريات، وقد تثور تلك الغيرة عند الرجل إذا شك في سلوك زوجته .
والغيرة في موطنها -كما يقول الدكتور غنايم- والاعتدال فيها بالنسبة إلى الرجال والنساء من جملة المشاعر والسلوكيات المحمودة، والمعاشرة بالمعروف تقتضي ذلك، ويجب على كل طرف أن يقدر غيرة صاحبه عليه، ولابد أن نعلم جيداً أن الغيرة في موضعها مظهر من مظاهر الرجولة الحقيقية، وفيها صيانة للأعراض، وحفظ للحرمات، وتعظيم لشعائر الله وحفظ لحدوده وهي مؤشر على قوة الإيمان ورسوخه في القلب، ولذلك لا عجب أن ينتشر التحلل والتبرج والفجور في أنحاء العالم الغربي، وما يشبهه من المجتمعات لضعف معاني الغيرة أو فقدانها .
ويشير د . غنايم إلى أن الغيرة إذا زادت على حدها كانت نقمة على الشخص وعلى من حوله، فكثير مما يسمى جرائم العرض والشرف قد ترتكب بسبب الشائعات، مما يترتب عليه إزهاق الأرواح في بعض الأحيان من دون وجه حق ومن دون تثبت بسبب الغيرة القاتلة .
فبعض الأزواج مرضى بمرض الشك الذي يحيل الحياة الزوجية إلى نكد لا يطاق، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم ويطلب عثراتهم .
فلا يصح أن يسيء الرجل الظن بزوجته وليس له أن يسرف في تقصي حركاتها وسكناتها، فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية ويقطع ما أمر به الله أن يوصل، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك .
ضد السلبية والبلادة
د . أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، يحدد الخطوط الفاصلة بين الغيرة الزوجية المطلوبة وتلك التي يرفضها الإسلام . . ويقول: من أهم الآداب والأخلاقيات التي ينبغي أن يلتزم بها كل أفراد الأسرة، المحافظة على العرض والشرف وصيانة البيت الزوجي من أي فتنة والمحافظة عليه من القيل والقال، فالإسلام يحرص كل الحرص على صيانة الشرف والعرض من التعرض لأدنى ريبة أو لأقل شبهة تثار، ولذا كان من آداب الإسلام وأخلاقياته أن تبرز الغيرة المعتدلة في البيت الإسلامي كنتيجة حتمية للخلق الإسلامي وآدابه العالية .
ويضيف د . هاشم: إن الغيرة في حدودها وضوابطها الشرعية خلق إسلامي ينبغي أن نغرسه في أبنائنا، وأن نطبقه في حياتنا كلها، لأنه ضد السلبية واللامبالاة والبلادة وكل هذه صفات لا تليق بإنسان مسلم، فالغيرة على الدين والعرض والشرف والكرامة كانت صفة من صفات المؤمنين الملتزمين بأخلاق الإسلام وآدابه، المحافظين على شرفهم وكرامتهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي الرجل المؤمن ما حرم عليه .
ومن الصحابة الذين اشتهروا بشدة الغيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت في الجنة قصراً فقلت لمن هذا القصر؟ فقيل: لعمر فذكرت غيرتك يا عمر فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ وكم حرص سلفنا على خلق الغيرة واحتاطوا له أشد الاحتياط، فكان الحسن يقول: أتدعون نساءكم ليزاحمن العلوج في الأسواق قبّح الله مَنْ لا يغار .
وكان هذا الوعي من سلفنا بآداب وأخلاق الأسرة المسلمة سداً لباب الفتنة، وليجنبوها خطورة الاختلاط وليصدوها عن منافذ الشر ووساوسه .
وينتهي د . هاشم إلى أن الاعتدال في الغيرة ضرورة، حتى لا تخرج عن حدودها فتصبح رمياً بالكذب وضرباً بالبهتان وقذفاً تتكدر معها الحياة الزوجية، وتصبح خانقة وتنقلب إلى جحيم لا يطاق، فكم دمرت الغيرة الكاذبة غير المعتدلة بيوتاً كانت عامرة بالحب والطمأنينينة والاستقرار .
مكمن الخطورة
د . نبيل السمالوطي، أستاذ علم الاجتماع في كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، يؤكد أن الغيرة المفرطة غالباً ما تتحول إلى شك وريبة في سلوك الطرف الآخر، خاصة في جانب الزوجة، ويقول: كم أهدرت أرواح بريئة نتيجة شكوك وظنون، فالعلاقة الزوجية في مجتمعاتنا تتجسد فيها ظاهرة حب التملك، خاصة من جانب الزوج الذي يشعر بأن الزوجة ملكية خاصة له، وبالتالي ينعكس ذلك على علاقته بها ويشعر بالحق في التملك والتصرف في كل جزئية من جزئيات حياتها، مهما صغرت أو كبرت، بحيث يصبح هذا نوعاً من القيد والرصد لكل تحركاتها وتصرفاتها، وهو يستخلص من خلال هذا بعض المؤشرات التي قد تثير فيه الشك؛ كارتدائها الملابس اللافتة للنظر والاهتمام بجمالها ومظهرها، خاصة عند خروجها من البيت، وتكتمها معه في بعض جوانب حياتها وشؤونها الخاصة جداً، مما يدفع الزوج مع شعوره السابق بملكيته لها إلى تقصي كل جوانب حياتها، وبالتالي الشك في سلوكها والظن السيئ بها!
ويضيف: الغيرة شيء فطري وطبيعي داخل كل فرد منا، لكن أن تتحول إلى ظاهرة مرضية فهنا مكمن الخطورة على العلاقة الزوجية، فالمغالاة في الغيرة من أي طرف هي بداية الطريق نحو الشك، وبالتالي نحو تدمير تلك الحياة الآمنة، وهذا الشك غالباً ما يكون بلا مبررات، خاصة عندما يكون من جانب الزوجة .
ومنعاً لاختراق الشك جدار وقلعة الحياة الزوجية ننصح الطرفين بمراعاة شعور بعضهما، وأن يحاول كل طرف الابتعاد عن التصرف الذي قد يثير شك الطرف الآخر ضده، وحتى لا يعطيه أساساً الفرصة للتمادي أو مجرد الشك، فإذا شعرت الزوجة بأن بعض أحاديثها أو ملابسها أو سلوكياتها تثير شك زوجها فعليها أن توضح ذلك له أو تقلع عن ذلك، وتبتعد عما يثيره حتى تستقر حياتهما الزوجية بعيداً عن المنغصات والمشكلات التي قد تحكمها، والشيء نفسه مطلوب من الزوج لإشاعة جو السكن والمودة والتآلف الذي دعانا إليه ديننا الحنيف .
دوافع الشك
د .هناء أبو شهبة، أستاذة علم النفس بكلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة الأزهر، ترى أن الشك والغيرة مرض قاتل يهدد الحياة الزوجية، خاصة إذا لم تكن هناك بينة عليه وتقول: إذا نظرنا إلى حوادث قتل الزوجات وارتكاب أنواع من العنف ضدهن، يكون الدافع فيها الشك، فإننا نجد أن مرتكبي هذه الجرائم أشخاص فقدوا الاتزان النفسي والعقلي .
وتزداد دوافع الشك في ظروف معينة متعلقة بطبيعة العلاقة بين الزوجين، مثل حالات عدم التكافؤ بين طرفي العلاقة الزوجية، فإذا تزوجت البنت شخصاً أكبر منها سناً فمن المتوقع أن تتولد لديه غيرة وشكوك، وخاصة إذا كان غير قادر على إشباع احتياجاتها الطبيعية والبيولوجية، والشيء نفسه إذا تزوج شخص من فتاة ذات ثراء غير عادي واعتادت نمطاً من الحياة يختلف عن حياتها معه اقتصادياً، فمن المتوقع أن تكون هناك مشكلات من بينها الشك .
وتضيف: التطرف في أي شيء يعدّ حالة مرضية لا تخضع لنواميس الحياة الطبيعية، ومن هذا المنطلق يكون الشك والغيرة المفرطة التي لا يقبلها العقل ولا تخضع لمنطق الحياة السوية، طريقاً لارتكاب الجرائم البشعة وعلى رأسها جريمة القتل .
فوضى أخلاقية
أما د . مبروك عطية، الأستاذ بجامعة الأزهر والداعية الإسلامي الشهير، فيلفت الأنظار إلى عامل مهم أسهم في ارتفاع نسبة الطلاق والخلافات الزوجية بسبب الشك، وهو انتشار الخيانة الزوجية بشكل لافت للأنظار، ويرجع هذه الظواهر الوبائية إلى غياب التربية الدينية في الصغر، الأمر الذي جعلنا نعيش في فوضى أخلاقية يواكبها الانفتاح غير المنضبط على حضارة الغرب التي بها كثير من الانفلات والإباحية وتعدد العلاقات، فإذا كانت المرأة غير محصنة بقيم دينها وعاداتها وتقاليدها المحافظة، تأثرت بما تراه وتسمعه من الحرية الشخصية غير المسؤولة، ويساعدها في ذلك عدة عوامل أخرى، كغياب زوجها فترات طويلة، كأن يكون مسافراً إلى دولة أخرى، أو تكون على خلاف وعدم وفاق معه، أو يكون التفاوت السني بينهما كبيراً جداً، فإذا نظرنا إلى معظم حالات الشك والخيانة وما يشبهها من ظواهر نجدها تزداد بشكل رهيب بين الأزواج الذين بينهم فروق عمرية، تجعل الطرف الأكبر سناً يعتقد دائماً بأن الطرف الآخر مازال في ريعان شبابه وبالتالي يسهل إغراؤه والتأثير فيه .
ويشير د . مبروك عطية إلى أن الإسلام وضع لنا من الضوابط ما يحفظ العلاقة الزوجية من كل سوء، وبمراعاة هذه الضوابط والالتزام بها يسعد الزوجان في حياتهما، وتتحقق الأهداف المقصودة من الزواج، وهي السكن والمودة والرحمة بين الزوجين وإنجاب الذرية الصالحة، ومن أهم هذه الضوابط: اختيار الزوجة الصالحة ذات الخلق والدين، لأن الزوجة الصالحة فيض من السعادة يغمر البيت ويملأ أركانه سروراً وبهجة وإشراقاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك .
وبيّن لنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أوصاف المرأة الصالحة، فقال: خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك .
كما نبه الإسلام إلى اختيار الزوج الملتزم بالدين، فقال صلى الله عليه وسلم: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، وقال أيضا: من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها .
ثاني الضوابط كما يقول د . مبروك عطية إن الإسلام أمر بحسن العشرة بين الزوجين وبين لكل منهما حقوقه وواجباته عند الطرف الآخر، وحثهما على المعاشرة بالمعروف والإحسان: وعاشروهن بالمعروف، وقال صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله في النساء فإنهن عوان بينكم فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقال أيضاً خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي .
ومقتضى العشرة بالمعروف أن يحسن الزوج إلى زوجته في كل الأمور، فيؤدي إليها جميع حقوقها بالمعروف، سواء أكانت حقوقاً مادية أم أدبية، وعليه أن يتفادى كل ما يسبب الأذى لها سواء أكان في نفسها أم ذوي قرباها، والزوجة مأمورة بذلك أيضاً مع زوجها، لأن الالتزام بالحقوق والواجبات بين الزوجين هو ما يجعل كلاً منهما يتفانى في إسعاد الطرف الآخر ويبتعد عما يسبب الألم والضيق له .
ويجب على كل من الزوج والزوجة أن يبدأ حياته مع شريك حياته بالتزام كامل بتعاليم الإسلام، فالزوجة إذا ابتعدت عن كل ما يثير شكوك زوجها، وتجنبت مواطن الشبهات استطاعت اكتساب ثقته، وتقدير واحترام المحيطين بها من الناس . وينبغي عند مخاطبتها للرجال ألا تتكسر في كلامها أو مشيتها، حتى تأمن على نفسها شر ذئاب البشر وأصحاب النفوس المريضة، يقول تعالى: فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً .